كلنا باستثناء البرهان تجرّعنا من "كأس سم الخميني". ؛ كلنا حكومة حمدوك، فرقاء الحاضنة السياسية، فرقاء المعارضة الخجولة والمتربصة، النخب المتأهبة دوما على خطوط التماس بالسكاكين الطوال. كلنا ربما نفيق على نحوما أفاق الخميني حينما استيقظ قبيل الإستسلام في نومته الأخيرة.

في منتصف ثمانينيات القرن السابق قبل الخميني مرغماً وقف إطلاق النار لأنهاء الحرب مع العراق. تلك هي أطول حرب شهدها العالم في القرن المنقضي.
الخميني شبّه قبوله مضطراً وقف النار إذلاً له ولإيران بمثابة "تجرّع السم". بعد نحو ثمانية أشهر من تلك الكأس المرة عبّر الإمام عن إرتياحه تجاه تلك الخطوة الانتحارية فمات وفي فمه حلاوة من مذاق الكأس. الرجل رأى بعينيه بدء إعادة البناء افي وطنه وشعبه يخرج من تحت أنقاض حرب السنوات الثماني في ظل وقف النار.
*** *** ***

جميعنا نحن السودانيين نجنح إلى الزوايا الأقصى في ممارسة رفض الرأي الآخر. جميعنا نستعصم وقت التباين في الآراء بحصانة مطلقة ضد الخطأ مقابل رجم الآخر بكلالرزايا . نحن لانترك هامشا لفرضية " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب". هكذا ننسف جسور الحوار فنشط في التباين والتباعد. في تقليد "الجودية" المتبع في تسويات الخلافات القبلية ينأى العقلاء عن كشف المخطئ بقدر حرصهم على إنتزاع تنازلات من الأطراف المعنية بالنزاع بغية الوصول بهم إلى نقطة وسطى. هو المنهج السائد في المشهد السياسي. حينما يخفق الوسطاء يحدث الإنقسام والتدابر. النقد مثل تحمل الانتقاد طقس فضيلة غائب داخل المشهد السياسي.
*** *** ***

بالذهاب على درب التطبيع تناول رئيس الوزراء كأساً مسمومة. الرجل بدا في عيون الشارع العام مترنحا فاقداً التوازن بين الصدقية والمخاتلة. ذلك الترنح يعريه التناقض الفاضح بين أقوال رئيس الوزراء وأفعاله على ذلك الطريق. الفصل بين رفع العقوبات والتطبيع مع الكيان الصهيوني صار أكذوبة بلغاء. الثقة في صدقية حمدوك تشكل أحد أبرز سندات تأهيله لقيادة حكومة المرحلة الإنتقالية. هو لم يفقد فقط رصيدا من تلك الثقة بل أمسى مدموغا بعدم الجرأة والشفافية. القبول الرسمي بالذهاب على درب التطبيع جاء مباغتا متدثرا بالحياء. رئيس الوزراء ابتلع لسانه لائذاً بالاختباء المريب كالعادة. هكذا خذل الرجل جماهير الثورة مرتين . الأولى بالمباغتة والثانية بالصمت. وزير الخارجية المكلف وقع في تناقضات الأقوال فبل وبعد الكأس المسموم. التطبيع قرار معلق الى كعب مجلس مغيّب!
*** *** ***

تحت تأثير الكأس المسمومة خرج علينا وزير العدل كما ليس مألوفا في تجربتنا السياسية. مع أن الجدل المثار في شأن التطبيع سياسي محض لم يلامس الأُطر القانونية أثار وزير العدل علامات استفهام أكثر مما أبان إجابات حاسمة على أسئلة لا تزال عالقة. في خطاب وزير العدل حيثيات تنطوي على مغالطات جائرة. الوزير لم يكتف بتوجيه اتهامات معمّمة ظالمة ربما إلى كل النخب السياسية بل ذهب أبعد من ذلك فدمغها بادانات صارخة. في ذلك افتراء على التاريخ . في حيثيات وزير العدل جرأة على السودانيين غير موضوعية. في نفيه وجود ثوابت للأمة السودانية تعميم مخل من حيث التوقيت يخلط الحياتي بالسياسي. نفيه وجود ثوابت للأمة يفتح الجدل واسعا عميقا. لم يذهب عبد الباري إلى الكلام عن وجود أمة سودانية أصلا ؟
الحاضنة السياسية تجرّعت قبل حفل التطبيع من الكأس جرعات أفقدتها كذلك توازنها فالجنوح إلى الترنح . في غياب الفكرة بفعل السكرة تشهر بعض الفصائل تهديدًا بنهاية وشيكة لحكومة حمدوك .ذلك رهان مزدوج على عنصرين. الاول سحب تأييدها والآخر تأثير مفعول الكأس في الشارع العام وعلى حصاد الحكومة من وهم التطبيع! لكن خيال تلك الفصائل اكبر من وهم عائدات التطبيع. انسحاب كل الفصائل لا بعضها لا ينقصنا من الحكومة شيئا ان لم يفدها. جذور بقاء الحكومة الانتقالية ضاربة في طينة الشارع العام ؛خزان الثورة غير القابل للنفاد.
***. ***. ***

بغض النظر عن ثوابت الأمم ، فالثابت انه ما من ثوابت في السياسة . كل الاشياء تخضع للمصالح الوطنية العليا. بما ان السياسة هي مساهمة كبرى في صناعة التاريخ فالساسة المحنكون يدركون سباق المبادلة بين احكي التاريخ والسياسة. إبقاء أيٍ منهما في أسر الجمود يعني تلقائيًا توقف حركة الآخر.الشعب السوداني ظل حبيس وضع مأزوم عشرات السنين بفعل جمود السياسة في مربع ضيق. الخروج من تحت انقاض تراكم المأزق الراهن يتطلب بالضرورة كسر ذلك المربع .كما وجد الشعب نفسه أسير عقوبات مقابل جرائم لم يرتكبها فانه يواجه شروطا مجحفة بغية الخروج من ركام المأزق الناجم عن الانحباس في المربع الضيق. في العمل السياسي لا توجد أيادي خيرّة بل منافع مقابل المصالح. رفع العقوبات هو السبيل الوحيد الأقصر للخروج من المأزق المأزوم. هذا الطريق يمر حتما عبر تل أبيب. هل تستدعي بالضرورة قولة لينين الخالدة: السياسة فن الممكن! أم نهتدي بمقولة كارل شميت السياسة هي فن التمييز بين العدو والصديق.
***. ***. ***

السودان ليس ضمن دول الطوق . مصر والأردن كسرتا حاجز العداء التقليدي مع اسرائيل. سوريا ولبنان تحت ظل التعايش مع الجار العدو. الودان لم يكن صانع اللقاءات الثلاثة بل حاضنة القمة صانعة ذلك الموقف العربي. ذلك جدار قومي ضربته العديد من التشققات كما هزته الكثير من الأحداث . كل الدول تعرضت لأحداث غيرت على إيقاعها مواقفها تجاه القضية الفلسطينية . الفلسطينيون أنفسهم استبدلوا وسائل سلمية بالبندقية من اجل استرداد الممكن من الحقوق. فلسطين خرجت تماما من على الأجندة العربية بوصفها القضية المركزية . ذلك التوصيف المكلف بلا مقابل. المنطقة العربية تشهد تحولات لا يمكن إغماض العين تجاهها بغض النظر عن تباين الرؤى في شأنها. الغافل من ظن الاشياء هي الاشياء كما قال الفيتوري.
***. ***. ***

بقاؤنا تحت العقوبات لن يفيد القضية الفلسطينية. مرورنا عبر تل ابيب لن يضير الفلسطينيين كما ان العبور ليس خيارا طوعيا بل شرطًا حتميًا فانه لإيحملنا التزامات تجاه اسرائيل .هي لا تستطيع إجبارنا على تغيير قناعاتنا. نحن لا نراهن في الوقت نفسه على مساعدات نترقبها من تل ابيب. نحن نتحدث عن حركة التاريخ ويصر بعض التقدميين على التشبث بعربات الماضي المنسية على خطوط مهجورة. نحن ننادي بفصل الدين عن الدولة بينما يصر البعض على إبقائنا داخل مستنقع القداسة والسياسة . .نحن تكلم كثيرا عن الاعتدال والتوسط ويجنح اخرون الى التطرف. عمدًا مع سبق الإصرار . كلهم لا يدكون انهم. حينما يعاندون حركة التقدم والتاريخ يخرجون من حسابات الشعب صانع الأمجاد.
***. ***. ***

وحده البرهان تهيئ لتناول الكأس بشهية نهمة ومزاج رائق. هو يراهن منذ مغامرة عنتيبي على اختراقين . أولهما خاص بذاته. الآخر عام يتجاوز مع الشعب ركام المعاناة المعيشة خروجاً إلى آفاق حياتية ارحب. هو يراهن على مساندة الجماهير المتلهفة الى مكتسبات على نحو يؤهله لدور قائد مفقود يرى نفسه قريبا إليه . في حديثه التلفزيوني أفصح عن براغماتية طاغية تراوح بين الثقة واللامبالاة. ربما ذهب في ذلكم حداً أغمض آخرون جهدهم بل نسبه الى نفسه. كما جعلته براغماتيته واثقا من جني عائدات المغامرة لكأنها مضمونة من قِبله . لذلك لايرى البرهان في الكاس سما . فتجرعه دون وجل أو تردد . فان كان في الكأس باق فقد صبه للإمام عمداً مع سبق الترصد !
سنرى من يفيق من سكرة التطبيع كما أفاق الخميني بعد تجرعه سم السلام ومن يمت وفي قلبه حسرة . التاريخ يعلمنا ان العاجزين عن تغيير عقلياتهم لا يستطيعون إحداث التغيير .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.