الكلام عن فقدان الحكومة الإنتقالية سند التأهيل لحسم مسألة التطبيع يعكس مخاتلة للذات أكثر من خداع الرأي العام. هذا موقف يفضح ضحالة النخب السياسية وجفولها عن مواجهة الأسئلة الصعبة. سؤال التطبيع أكثر القضايا الملحَة المطروحة على كل التنظيمات السياسية حالياً. هو سؤال اليوم وليس الغد. الإجابة على السؤال مطلب كثير الإلحاح لإرتباطه بقضايا داخلية راهنة وظروف خارجية ضاغطة.الحكومة الإنتقالية أكثر الإدارات السودانية المؤهلة لصوغ الإجابة النهائية على السؤال. هي الإبنة الشرعية لأعظم ثورة شعبية .حاضنتها السياسية تتشكل من القوى الأكثر نفوذاً وتأثيراً.هي صاحبة القاعدة الشعبية الأوسع من أي حكومة مقبلة حتما. حتى القوى مؤثرة البقاء خارج مظلة الحاضنة تمنحها تاييدها. هذا نسق سياسي لن يتكررتحت أي سقف ديمقراطي مقبل لمن له الحد الإدنى من القراءة النافذة في الخارطة السياسية الوطنية.
*** *** ***
في ظل العولمة الكوكبية تبدلت الرؤى تجاه القضايا. العقل السياسي أخذ يتحررمن القيود الأيديولوجية مقابل تغلُب النزعة البراغماتية. ذلك توجه أخذ يترسخ عبر المعمورة منذ إنهيار حائط برلين ، فالسقوط في فخاخ أزمة
2008 الإقتصادية ثم تحت غبار برجي نيويورك. تلك الهزات أحدثت تحولات سياسية ، إقتصادية ، إجتماعية وثقافية .لكن العالم لم يفقد تمسكه بخيوط قيمه الأخلاقية. فقط أصبح التركيز على الفرز بين قيم المجتمع وسياسات الدولة. في خضم تلك التحولات تكرست النظرة إلى الأمور بعيني الربح والخسارة. في ظلها صعد الأميركي الأسود باراك أوباما إلى البيت الأبيض.
عديدون رأوا في ذلك في ذلك انتصارًا لما نادى به مارتن لوثركينغ. لكن ما طرأ على المجتمع الأميركي لم يبدل سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة على الصعيد الخارجي.

*** *** ***
ليس من اليسير إصدار أحكام لا ياخذ أصحابها في حيثياتها حجم معاناة الآخرين من حول ممن تطالهم ظلال تلك الأحكام. في إي الغلالات القيمية جاءت تلك الأحكام فإنها تشط بعيداًعن الموضوعية مالم يكن لها صدىً إيجابيا واسعا على الصعيد المحلي أولا. في السياسة لم يعد مجديا التدثر في ثياب الوعظ. السياسة تمثل في أبرز تجلياتها عملية حسابية للربح والخسارة في ميزان السياسيين والشعوب معا. السياسي االناجح في أبهى صوره هو الأكثر جرأة لأتخاذ القرار الملائم لخير بنات وأبناء وطنه في التوقيت المناسب. رجل الدولة الأبقى في ذاكرة التاريخ هوافضل من هيأ لابناء وبنات شعبه حياة أفضل.
*** *** ***
من المنادين باستثمار فرصة عرض التطبيع من يستوعب رفض المناهضين من منطلق قناعاتهم الأيديولوجية.المؤيدون يتهمون المناهضين بالتخلف عن مواكبة الحداثة السياسية. ليس بين منهاضي التطبيع من يود استيعاب حرص المؤيدين على استثمار الفرصة من منظور الحس القومي المتصاعد حرصا على إنقاذ الوطن من على هاوية الفوضى. كما لا توزن المصالح الوطنية العليا فقط بالرؤى الأيديولوجية فإنها لاتندرج في سياق التهويم بها في دهاليز الدين والأخلاق.لكنها في الوقت لا تظل أسيرة الأطر الأيديولوجية وحدها .لهذا لابد من النأي عن تبادل الإتهامات والتخوين . هذا جدل سياسي مفتوح على المصالح الوطنية في المقام الأول.
*** *** ***
من الأجدى للنخب السياسية طرح أسئلة موضوعية على العقل السوداني بعيدا عن المؤثرات الخارجية. من ذلك ؛ هل في الإمكان جني أرباح من التطبيع عند المنحنى الراهن من مسيرتنا؟ هل نحن قادرون على الإحتفاظ بقرارنا السيادي تجاه القضايا الداخلية والخارجية. ماهي الخسائر المحتملة من تبعات تبني ذلك الخيار داخليا أولا؟ هل تفوق الأرباح الخسارات إن وجدت إحداهما أو كلاهما معا في وقت واحد؟هل يجردنا التطبيع من أخلاقياتنا ؟ من غيرالحكمة إدانة أصحاب الرؤى المغايرة ببيع المواقف الوطنية مقابل "حفنة دولارات".المواقف السياسية عملية متحركة . حتى الرؤى القيمية تتبدل مع تقدم الزمن.
*** *** ***
كما أبانت القوى السياسية تباينا في الرؤى ازاء قضية التطبيع عكست التصريحات الصادرة عن مراكز القرار داخل الدولة تباعدا في المواقف تجاه المسألة. فرئيس المجلس السيادي يرى فيه "فرصة ذهبية لإنقاذ الوضع الإقتصادي البالغ ذروته من التدهور". بينما يرى فيه رئيس السلطة التنفيذية "قضية شائكة تتطلب نقاشا مجتمعيا". حميدتي نقل فتوى عن زعماء دين فتوى تحرض على التطبيع. المؤتمر الإقتصادي عكس في عدد من المداخلات رفضا حاسما لمعالجات إقتصادية مؤلمة مثل رفع الدعم . كمانادى متحدثون واصحاب أوراق بتعجيل إعادة هيكلة اقتصادنا برمته. تلك لمحات من الحاجة الماسة لدعم المجتمع الدولي العاجل . تلك حصيلة تستوجب بدورها مثل ماهو تطلع الجماهير معالجات اقتصادية عاجلة وحاسمة .
*** *** ***
حتى لا تصبح مسألة التطبيع زيتا على حطب خلافاتنا المزمنة والطارئة، العقلانية منها و الساذجة ، وحتى لانهدر فرصة يراها البعض "ذهبية " ، "حتمية" أوحتى "إنتهازية" .وبما أنه لا متسع لإنجاز حوار مجتمعي واسع بغية بلوغ الإجابة الحاسمة .وحت نتفادى اهدار الحهد في عرصات الجدل ربما يكون من الأجدى إنجاز استبيان واسع على صعيد الخرطوم يشمل شرائح اجتماعية متباينة . من الأفضل إحالة إنجاز هذه المهمة إلى جامعة الخرطوم ومراكز مؤهلة للدراسات المجتمعية .لا بأس من مشاركة جامعات أخرى إذاكان ذلك مثمرا تحت إشراف الجامعة الأم.في ذلك اختزال للوقت وادخار للجهد وبلوغ نهاية مقنعة يهتدي بها الجميع في حسم التطبيع .هي قضية عارضة لا ينبغي تضخيمهاى على نحو يستنزف قوانا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.