نعم نحن مثلكم محبطون. فالأحلام العالقة فوق رؤوس الأجيال الجائلة الهادرة إبان الثورة لا تزال أمنيات. فقط تلك الشعارات مالئة الحناجر الظمئة تمنحنا قدرا من اليقين بأنا طوينا عقود الظلم والفساد. أكثر من ذلك نحن أكثر تفاؤلاً بانا نتعثر لكنا قادرون على النهوض. نعم نحن مثلكم محبطون لكنا نملك قدرة النفاذ إلى جوهر الأشياء. لا نقول رهاناتنا خاسرة ولكن جاءت على عجل. خياراتنا لم تكن طائشة بل لم تأت وفق الإنتقاء . نحن كنا تحت ضغط الساعة الثورية، ليس أكثر. حمدوك جسد مفصل اختبار قوة إجماعنا المكثف في تلك اللحظة ، ليس غير. وفق المؤشر نفسه والضغط كذلك رفعنا من لا نعرف إلى منصة السلطة التنفيذية . أعظم سندات تأهيلهم أنهم من خارج النخب السياسية التقليدية. كذلك رفعنا من تحت غبار وأدخنة الثورة وجوها نعرفها . وا اسفاه خسرنا فيهم نشطاء منافحين ولم نربح فيهم ومع من لم نعرف رجال دولة.

*** *** ***
نحن نعي مليَا هذه الثورة وقودها بنات وأبناء الطبقة الوسطى. لنتذكر اتساع رقعة هذه الطبقة على أمتداد مدن الفاقة والهوامش والأحزان. لا ننسى كم قاست هذه الطبقة من ويلات تحت نظام الإنقاذ. هناك كابد الآباء والأمهات ممارسة الركض اليومي في دروب خشنة للحصول على الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية. تلك كلها أعباء تزيد الطبقة المنهكة إنهاكا وبعثرة. لهذا كله فإنها لا تحسن الإختيارات. اقتلعنا نظاما شموليا ظلاميا لكنا ما استطعنا كنس جذوره بل اعتمر رأس نظامنا الجديد قبعته العسكرية ! بينما نزعم استرداد السلطة لا تزال مؤسساته غير المدنية تحتكر 80% من عائدات الدولة . سلطة الثورة عاجزة عن بسط هيبتها وسيادة القانون!

*** *** ***
عندما خرجت تلك الجموع البشرية الغاضبة في وجه الطغيان لم تكن تعرف ملامح حداة الثورة دع عنك معادنهم. التجاوب كان نداء اللحظة الثورية. حينما حان أوان القطاف أفقنا في اللحظات الأولى على وهن القيادات. تلك أيضا إحدى إفرازات ضعف الطبقة الوسطى حطب الثورة .أكثر من ذلك وجعا، اكتشاف الكم الهائل من اللافتات على منصات المساومة في موسم التشكيل. ذلك إنعكاس آخر لحال تشظي الطبقة الوسطى؛ رحم الثورة وحاضنتها. تحت نشوة النصر استسلمنا غفلة إلى استراتيجية المحاصصة فأفضت بنا الغفلة إلى تأجيل أجندة العمل الثوري. غياب المجلس التشريعي شاهد غفلتنا الأول. مهام إعادة بناء الدولة غرقت في مساومات المحاصصة حتى غرقت الدولة والثورة في مهام إعادة بناء ما دمره الفيضان.

*** *** ***
ما يحدث ليس من بنات أحلام الجماهير عشية الثورة. لكن لنتذكر دائما وهن النخب السياسية بفعل رياح التعرية المسلطة على أبناء الطبقة الوسطى إبان عقود الإنقاذ. لنعي جيدا معاناة رجال الفكر والتنوير على ندرتهم آنذاك. لنستوعب الفجوات بين الأجيال في المشهد السياسي. لندرك غياب القدوة الجاذبة والكاريزما القائدة فجر الثورة. لنغفر للذين تعجلوا إقحام الثورة حماسة داخل دولاب بيروقراطية الدولة. تلك خطيئة لم تتح الفرصة لتجذير الوعي التنظيمي.

*** *** ***
ما ينبغي نسيان أو تجاهل أثر الزحف الريفي على المدن شحيحة القدرات إذ لم يتم استيعاب القادمين الجدد عليها داخل شبكات العمل الجماهيري المهترئة. في الوقت ذاته لا نغفل الفراغ الناجم عن هجرة أبناء المدن إلى الخارج. ففي الهجرتين مردودات عكسية على حركة وعي المجتمع ، خاصة تكدس قطاع عريض من المهاجرين في مناطق لم توفر قدرا يسيرا من تحقيق أمانيهم .

*** *** ***
ذلك بعض مما ينبغي إدراكه والوعي به ونحن نؤسس للجمهورية الرابعة. الفترة الإنتقالية تجسد العتبة الأولى على درج الصعود المنشود . مالم نبني مداميك راسخة في الأرض لن يستقيم مبنى الجمهورية الرابعة. هذا موسم بسط أرضية الإستقرار وكتابة فلسفة الديمقراطية الجديدة .إذا كان السلم الوطني يحظى بالأولوية فإن ذلك يتم عبر مساري التنمية والفيدرالية.

*** *** ***
بما أن الجمهورية الرابعة تتخلق داخل رحم هذه الفترة الإنتقالية فعلى الأحزاب إطلاق إعادة بناها الداخلية وفق رؤى تؤمن نجاح التجربة. تلك رؤى تتجاوز بالضرورة التشظي الحزبي ،الوهن البنائي ،الضعف على مستوى القيادات والعوز في البرامج. لا سبيل للدخول إلى عالم جديد إلا بالخروج من تحت الأنقاض السياسية الحالية.بكل أسف لا يوجد على المسرح من يحاول إقناعنا بأنا نقارب مشهدا أكثر جدية وأغنى مضمونا. حينما نحاول إعادة قراءة تاريخنا ، ربما يظل عقد ستينيات القرن الأخير يشكل فترتنا الذهبية. لذلك تجرفنا نوستالجيا مبهمة لما نسميه " الزمن الجميل". كأنما تجمدت حركة تقدمنا هناك. بعد ذلك العقد تبدو الدولة وكأنها في شبه قطيعة مع الشعب. لعل أحد ملامح تلك القطيعة يتمثل في تصاعد موجات الهجرة تباعا في الداخل أو منه إلى الخارج. لكن أبرزها حتما عندما تعمدت الدولة إفساد هوية الشعب بأخرى مستوردة .

*** *** ***
مادامت الديمقراطية تشكل أس الجمهورية الرابعة وبما أنه لا توجد ديمقراطية بلا أحزاب، فجميع أحزابنا مطالبة بتغيير أحوالها الحالية الرثة. التعددية الحزبية إحدى مقومات الديمقراطية. لكن كثرة الأحزاب شاهد على عجز الأحزاب عن هضم فكرة اهم مقومات العمل الديمقراطي؛ الحوار ،التوافق والوفاق. دون توفر الحد الأدنى من هذه المقومات داخل الأحزاب يستحيل بناء منظومة الديمقراطية على الصعيد الوطني. الإنشقاقات الحزبية تعكس في اكثر قسماتها وضوحا الضيق بالرأي الآخر والرغبة الشرهة في احتكار القرار.أسوأ علل أحزابنا السياسية اختزالها فكرة الديمقراطية في لعبة صناديق الإقتراع. تلك هي في الواقع نهاية اللعبة وليست بداياتها كما يتوهم عديدون .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.