22 مايو 2019

نزلت الهتفات التي دوت فجأة وبتلقائية وسط جموع ثوار الحرية والسلام والعدالة الهادرة في ساحات الثورة بالعاصمة المثلثة تنادي بحميمة ب "يا عنصري المغرور كل الوطن دارفور،" نزلت برداً وسلاماً علي قلوب أرهقتها سياسة فرق تسد، وشكلت جسراً للوصل بين أطراف الوطن الجريح الذي تأزم وانفطر قلبه بفعل الاسلاميين وحكمهم وحكومتهم لثلاثة عقود من الزمان، وبين مكوناته الشعبية المتعددة والمتشعبة التي عانت من انشطار وتهتك في عقدها الاجتماعي بفعل توجهات وسياسات النخب التي حكمت الدولة السودانية منذ استقلاله في 1956. لم تسطع دولة الانقاذ وترسانتها الصمود أمام ذلك الاصرار والتصميم من الشعب بسحقه وإبادة سلطانه فانزوت متخفية وراء ظلها بكتائب ظلها. والآن وجثمان الباطل يقترب من مدافنه المظلمة شمّرت النفوس عن سواعدها وتأهبت لبناء وطن يتساوي فيه الجميع انسانية وكرامة، وطن يحتضن الجميع باختلافهم الاثني والجغرافي والعقائدي واختلافات أفكارهم ورؤاهم ويحتفل بها ويعززها، وطن تشارك فيه الكفآت من كل أطرافه لصياغة مستقبله وادارة شوؤنه تحت مظلة دستور وقانون يكفل الرعاية والحماية لكل مواطنيه.

أنها أحلام وآمال الثوار وكل الوطنيين الشرفاء نساءاً ورجالاً ظلوا يطالبون بها في سلمية وجلد وقد احتملوا الأذي ولم يتقهقروا ولم يستسلموا لقوي الظلم والاستبداد الانقاذية الاسلاموية التي اجتهدت في ضرب وحدتهم وشق صفوفهم وتغيير مسار الثورة من سلميتها دون جدوي، مما أثار حنقهم ودفعهم الي الاقدام علي مغامرة يائسةٍ بائسةٍ بإطلاق النار علي جحافل المعتصمين بلا هوادة في الثامن من رمضان الموافق 13 مايو2019، تلتها محاولة اخري مماثلة ليست بأقل فشلا من سابقاتها يوم العاشر من رمضان الموافق 15 مايو2019. ولكن فشل تلك المحاولات دعاهم الي استهداف روح الوحدة الثورية بتبني ما جُبِلوا عليه من إلصاق تهمة جرمهم بأبناء دارفور بالطريقة نفسها التي استخدموها في بداية الثورة عندما ألقوا القبض علي طلاب من أبناء دارفور بجامعة سنار وأرغموهم علي الاعتراف بأنهم مسلحون مكلفون من قِبَل عبد الواحد بقتل الثوار. ولكن المثير هو أن ينبت هذا التصريح من داخل المجلس العسكري لإلقاء التهمة علي اولئك النفر القُصّر الضعفاء من أبناء دارفور. أما الثوار فقد كانوا شهود عيان ولم يكونوا غافلين فالتقطوا صورا وقدموا تسجيلات بينة تدحض ادعاء المجلس العسكري وتُلقي الضوء حول حقيقة ما حدث وتشير الي ضلوع عناصر من الجيش وقوات الدعم السريع كما أيضاً ورد في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي كونتها هيئة محامي دارفور (راجع سودنايل 22/5/2019)

إن ذلك الحدث يؤكد بأن عقلية الانقاذ حول دارفور وانسانه لا تزال تراوح مكانها، أي أن المجلس قد مشي قصداً أم سهواً علي خطي النظام السابق الذي كان حريصاً علي اشاعة مشاعر الحنق تجاه أبناء غرب السودان في عمومه ولم تكفه تلك الحروب التي اشعلها نظام الانقاذ ودمر بها مجتمعاتهم وبنياتها التحتية بالقصف الجوي وحرق القري واطلاق أيادي الجنجويد القذرة لِتُلَوِّث الأرض والعرض. وليس انفصال الجنوب إلاّ تنفيساً عن طاعون المشاعر الذي استوطن قلوب وعقول الاسلاميين تجاه أهل الجنوب، فقط لأنهم مختلفون اثنيا وعرقياً ودينياً عنهم. وبينما قوي الحرية والتغيير قد استنكروا ما سمعوا وطالبوا المجلس العسكري بتقصي الحقائق، هنالك القليل من التفاؤل في عرض حيثيات حتماً ستناقض ما تم التصريح بها.

لا نبالغ البتة ان ادعينا بأن تلك العقيدة العنصرية والمدفوعة بعقدة الهوية العرقية والثقافية قد صاغتها الأحزاب المركزية التي حكمت السوان الطائفية منها والآيدولوجية، وأن جميعها تتبادل المشاعر والأدوار حول استغلال دارفور (وعموم الهامش) واستضعافه اجتماعيا وسياسيا واقتصادياً، ولا يهم ما قدمه وأبناؤه ولا يزالون للدولة السودانية منذ أن صاروا جزءاً من أرضها في 1917. ولكن في عهد الانقاذ صارت لتلك العقيدة ساستها ومؤساساتها وتنظيماتها المدنية والعسكرية، السرية والعلنية، ترعاها النخبة الاسلامية الحاكمة، والتي تجاوزت مفاصل الدولة المركزية والرسمية لتغزو مكونات المجتمع السوداني الاجتماعية والتقليدية في عمق الريف السوداني. وقد استدرك أهل دارفور والغرب الكبير هذا الواقع المرير ومشاعر الرفض والعداء تجاههم والتنكيل بهم في كل سانحة مما دعا الكثير من أبنائه الي رسم خارطة مقاومة بذلوا دونها أرواحهم وما فتئوا، بحثاً عن مستقبل يحمي آدميتهم وكرامتهم علهم يكونون فيه أوفر حظاً من الانتماء الي وطن تُكال فيه الكرامة بمكيال من يستحق ومن لا يستحق.

وتكثر أمثلة القهر والعنف الذي عاني منه أبناء دارفور ولا يزالون تحت رحمة الانقاذ. فحديثاً أوردت هيئة محامي دارفور في بيان بتاريخ 21 مايو2019 عما قام به جهاز الأمن في 27 ديسمبر 2018 من استهداف عنصري لطلاب دارفور النشطاء في حقوق الانسان بجامعة السودان بحلة كوكو مربع 3 واعتقال ستة منهم وتعذيبهم بالضرب والإساءة لمدة خمسة وستون يوماً وتصويرهم وادانتهم بالانتماء الي شبكة ومنظمة ارهابية تعمل علي زعزعة أمن البلاد. بالاضافة الي الملاحقة المستمرة لهيئة محامي دارفور والكيد لهم ومصادرة جواز رئيس الهيئة الاستاذ محمد عبد الله الدومة بالمطار عند قدومه من سفر في 15 أغسطس 2018 وحرمانه من السفر للعلاج. ولا يزال أهل دارفور وعموم الهامش ينعون الطلاب الثلاثة الذين قتلوا بجامعة الجزيرة في مطلع ديسمبر 2012 والقيت جثثهم في الخيران والمجاري والمياه الراكدة فقط لأنهم طالبوا باسترداد حقهم في الاعفاء من الرسوم الدراسية الذي استلب منهم. وقبلها بقليل ولسبب مماثل انفجرت الأحداث بجامعة بخت الرضا في بداية اكتوبر 2012 تعرض فيها طلاب دارفور للإهانة والتعذيب والإساءة المقذعة بما فيها ألفاظ عنصرية ثم اعتقال بعضهم وسقوط البعض الآخر مُضَرّجين بدمائهم وذلك لأنهم اعتصموا مطالبين الادارة بإعفاء الطلاب الجدد من الرسوم كما نصت اتفاقيتي الدوحة وقبلها أبوجا (راجع تلفزيون وراديو دبنقا 3 اكتوبر 2012). واختتمت بسلبهم حق المواطنة والتحرك الحر في بلدهم السودان ليتم ترحيلهم قسراً الي دارفور.

وقد سبقتهما تلكم المجزرة في 12 رمضان 1433 الموافق 31 يوليو 2012 في نيالا، والتي لم يسبق لها مثيل في العنف عندما تصدت الإنقاذ للتظاهرات السلمية التي خرج فيها طلاب وطالبات المدارس الثانوية وتلاميذ وتلميذات مرحلة الأساس أعلنوا فيها احتجاجهم علي الغلاء وزيادة الأسعار واستشراء الفساد. فما كان من النظام الذي يبخس أرواح الناس في دارفور الا أن استهدفهم ومن انضم اليهم من جموع المواطنين بالرصاص فأردي منهم 13 قتيلا وأصاب أكثر من مائة بجراح خطيرة كما أوردتها هيئة محامي دارفور في بيانها المنشور بالراكوبة بتاريخ 1 أغسطس 2012 2012. وهنالك من عُثِرَ علي جثثهم ملقاة علي قارعة الطرق في عدد من ولايات السودان الاخري، حوادث ذهبت جميعها دون تحري أو تقصي للحقائق حولها!

فماذا فعل أبناء دارفور ليكون هذا مصيرهم؟ ولماذا صار روتينياً مطاردتهم واتهامهم بالكبائر وخيانة الوطن؟ كيف يمكن أن لأُناسٍ التصالح مع الإنتماء الي حدود جغرافية وسياسية والاطمئنان بها بينما يطاردهم حكامها بالبغض ويقعدوا لهم كل مرصد لإضعافهم، واخضاعهم وتشويه سمعتهم؟ أوليس اختيار وجهة تحفظ الكرامة والإنسانية وترد الاعتبار أهون من واقع مستفحل لا ينوي التراجع، ولا يُنْبئ عن أسف لما مضي، أويعقد العزم لصياغة عقد اجتماعي يجمع الشمل علي قيم المساواة والإنسانية والكرامة؟

إن قوات الدعم السريع بالنسبة للنخب والإنقاذ هم الآخرين جزءٌ أصيل من أهل دارفور تقوم استراتجية النخبة علي استغلالهم واستخدامهم لحماية مصالحها في البقاء في السلطة بينما يتم نعتهم بكل قبيح ينعتون به أهل دارفور ولا يُستثني من ذلك الفريق حميدتي نفسه بالرغم من دوره في حماية المتظاهرين والذي صرّح بأنه اختاره عن طواعية. إلاّ إن ذلك الدور بالنسبة لساسة الإنقاذ المندسين وفلولهم ليس بأكثر من مجرد حرس رسمي الي أن يستغني عنهم فيُبعدوا أو تتم السيطرة عليهم ولو اقتضي الحال اغتيال رئيسهم كما تنبأت بعض الأقلام، بالرغم مما ذكر عن احباط محاولة لاغتيال الفريق تمت بتخطيط من ساسة لانقاذ، وذلك قبيل سقوط النظام في 11 ابريل 2019 كما اوردته الكثير من الصحف الالكترونية. فعلي سيادة الفريق أن يُسائل نفسه عن لماذا يجند أبناء عشيرته من الصبية والشباب ليحملوا السلاح ويمارسوا إطلاق الرصاص من علي صهوات الأحصنة أو الجمال أو ظهور عربات محملة بالمدافع الرشاشة؟ في الوقت الذي كان يفترض أن يكون هؤلاء الصبية جالسين علي الكراسي داخل صفوف الدراسة يحملون أقلامهم وكراساتهم ويؤدون الإمتحانات ليحصلوا علي الشهادات التي تؤهلهم للعمل وتنمية مناطقهم. التعليم هو ما يعينهم علي التفكير ويؤهلهم علي أخذ قرارت واعية حول مستقبلهم ودورهم في المجتمع وليست البندقية من تفعل ذلك! ذلك هو ما يفعله الحادبين علي مصلحة أهليهم، أيها الفريق، مع أبناءهم وأبناء عشيرتهم الأقربون والذين باتوا يرسلونهم الي خارج السودان لينهلوا من المعرفة كماً وكيفاً ويعودون لتسلم مواقع صنع القرار ثم يستدعونكم أنتم المحاربين الأشاوس من الهامش لحماية قراراتهم ومواقعهم، أي تظلوا حراساً لمصالحهم الي الأبد.

ولتكتمل حلقة الاخضاع أمعنت الانقاذ في إعمال سياسة فرق تسد بين المجموعات السودانية واستقطابها قبلياً واثنياً وعرقياً، حيث عملوا علي توسيع شقة الخلاف ومفهوم الاختلاف وسط مجتمع دارفور بعد أن أضعفوا آليات الحل السلمي المتعارف والمتوافق عليها بين القبائل منذ تاريخ متجزر الأمد. وحادثة الإعتصام وما تبعتها من اتهامات جزافية هي أيضاً تدخل ضمن النزعة الشائعة للنخبة الحاكمة، اسلاميين انقاذيين أم حزبيين، في خلق توتر وإحداث وقيعة بين قبائل دارفور الأفريقية والعربية. وفي هذه الحالة يُقصد بها بين قوات الدعم السريع والحركات المسلحة حرصاً منهم علي ابقاء الشكوك والجفوة متقدة وحارقة لكل الأيدي التي تمتد لمصافحة بعضها البعض، وخاصة ما يعني التصالح مع الحركات، مثلما صرح به مناوي رئيس حركة تحرير السودان في الحوار الذي أجرته الصحفية شمائل النور بجريدة التيار بتاريخ 18/5/2019 بقوله " عدونا التاريخي لم يكن حميدتي، عدونا هو حكومات السودان منذ الاستقلال، حميدتي ليس عدواً لكنه قبل أن يكون أداة لسياسات المركز." إلقاء اتهامات جزافية دون أدلة دامغة ووجود محامين أكفاء بغرض سحب بساط الثورية من تحت أقدام أبناء دارفور والقدح في أمانتهم، تكمن خطورتها في تداعياتها السالبة علي القادة أنفسهم وتشكك في مصداقيتهم. التعامل مع مثل هذه القضايا في هذا الوقت الحرج من تاريخ السودان يفترض توفر مقومات ومهارات إدارة الأزمات بكل ما فيها من مؤامرات وشكوك ومشكوكين فيهم للخروج بالوطن الي بر السلامة. فالأمر كما نري ليس عدد القوات ومبلغ تسلحها واستعداداتها عسكرياً، وإنما إلمام القائد بالامكانات الكيدية التدميرية حوله ومواضع استهدافها إن كان حراك الثورة، أم نسيجها الاجتماعي، أم القائد نفسه وجنوده.

ظني ايها الفريق إنكم قد طُفْتُم بأرياف دارفور والكثير من الهامش أفلم تتساءلوا عن لماذا هي تعاني ضعفاً أو انعداماً في خدمات التعليم والصحة والمياه ناهيك عن مشاريع التنمية؟ وها أنتم قد وقفتم بأنفسكم علي كيفية عيش أُولئك القوم المتخمين بمال الشعب وما يملكون من العمارات والقصور والعقارات بينما عامة الشعب السوداني ينوء تحت ثقل الديون والفاقة والمرض، والأطفال في القري يموتون وتموت امهاتهم عند الولادة، وحتي "العصيداية" لا تتوفر لهم كل يوم. هذه الثورة هي ثورة تغيير لكل أبناء السودان الطامحين في غدٍ أفضل وقد قمتم سيادتكم بدور احترمه وقدّره وأكبره لكم جميع الثوار بالرغم مما اثير عن ضلوعكم فيما عانت منه مجتمعات الريف في دارفور من انتهاكات لحقوقهم وانسانيتهم في عهد الانقاذ. ولكنهم رأوا فيكم توقاً واستعداداً لفتح صفحة متناغمة مع طموح أبناء الوطن لبناء مستقبل كريم يسع الجميع ويدعو للتصالح والتسامح. فلا تدع الآخرين يسقطونكم من علي ظهر البعير ليتندروا بكم في جلسات أُنسهم أو يصيبونكم بمثل ما أُصيب به قبلكم أبناء من الهامش. فإن حدث هذا لا سمح الله، وهو ليس ببعيد عن نزعة الانقاذيين، فإن التهمة لا محالة ستوجه لمجموعة اخري من أبناء دارفور. ولذا وجب الحذر حتي لا يشهد السودان فتنة كبري تنهي ما تبقي منه.

يقيينا أن أهل السودان جميعاً شاخصين متوكلين وشاحذين للهمم لصياغة عقد اجتماعي جديد لتحقيق أهداف الثورة من حرية، سلام وعدالة، ولبناء سودان الغد الذي يسوده الأمان والمحبة وتذوب فيه نعرات العنصرية القائمة علي الإثنية والعرقية والقبلية والجهوية وتختفي فيه المؤامرات ضد البعض.

سعاد مصطفي الحاج موسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////////