من أشد ما ابتليت به بلادنا، عدم الكفاءة في مجالات متعددة، من أهمها الحكم، فصعد إلى سدة السلطة بعد خروج الإنجليز، أفراد لا يمتلكون الحد الأدنى من القدرات والمهارات المطلوبة لقيادة دولة، بل يمكن تصنيف سلوك بعضهم ضمن ممارسات العوالم السفلية لرجال المافيا والعصابات، التي تشمل الخداع، والنهب، والقتل، والتآمر، والخيانة، والمتاجرة بكل شيء سواء كان ماديا كأراضي الدولة ومواردها، أو معنويا كالدين والوطنية ونحوها، لتحقيق المصلحة الشخصية، ناهيك عن الاستخفاف بالقيم والمنطق والعقل.

لقد دفع السودانيون ثمن عدم كفاءة الحكم من دمائهم وأعمارهم وجودة حياتهم، حتى وصلت البلاد إلى الحالة الراهنة من التأخر الحضاري والفشل على كافة المستويات.
بالنسبة لكثير من الوظائف والمناصب، من السهولة التأكد من أهلية المرشح، فلا يستطيع شخص لا يمتلك الحد الأدنى من الخبرة والمعرفة قيادة السيارة أو القطار والطائرة مثلا، وربما يعجز عن تحريك الآلة أو يتسبب بكارثة دامية في غضون ثوان أو دقائق من توليه القيادة، لكن على مستوى الحكم للأسف، خاصة في دولنا هذه، لا تتضح للجمهور عدم أهلية الدعي للقيادة والتبعات المدمرة لحكم المهرجين والراقصين إلا بعد خراب مالطة.
بعض من تولى حكم هذه البلاد، منحتهم الأقدار سنوات طويلة لتعلم أصول الحكم ومهارات القيادة، وتطوير عقليات وطرق عمل وأدوات إنجاز قادرة على الاستجابة الفعالة للتحديات، لكنهم فشلوا على نحو عجيب في تعلم أي مهارة أو ملكة قيادية ذات بال، بل إن بعضهم، لم يتقن تماما المطلوبات الشكلية الظاهرية للقائد المعاصر، مثل الزي وتقاليد الخطابة والحديث، رغم التعاقد مع معلمي لغات واتيكيت لتحسين صورة الزعيم داخليا وخارجيا.
إن الكوارث غير المسبوقة التي شهدها السودان، ولم يعرف العالم لبعضها مثيلا حتى في باقي الدول المتأخرة والمنكوبة، ومنها أزمة السيولة النقدية على سبيل المثال، إنما نجمت في الأساس عن افتقاد رؤوس النظام السابق للأهلية والقدرة على القيادة، والبصيرة الضرورية لرؤية الواقع وتحليله بشكل موضوعي، وتحديد المشكلات وتقديم الحلول الفعالة، كما تفعل معظم قيادات شعوب العالم اليوم.
هذا الفشل والتدهور الشامل، لم ينتج فقط عن الظروف والمعطيات التاريخية للتأخر الذي تعانيه البلاد، لكنه نتج بالأساس، عن صعود الرجال الخطأ إلى السلطة، وإصرارهم الصبياني الإجرامي الأعمى على التشبث بها وإعادة إنتاج الفشل والعجز الذي دفع فاتورته الوطن والمواطنون.
من المؤسف أن نرى اليوم، بعد كل ما حدث، هذا التشبث العجيب بالسلطة، دون أهلية أو قدرة على أداء وظائفها ومهامها الحيوية، التي تحتاج قدرا كبيرا من المعرفة والثقافة والخبرة والمهارة والاستعداد، فالحكم الرشيد مسؤولية ثقيلة يشفق ذو العقل والبصيرة والقدرة أن يحملها.
يدفعنا مسار الأحداث إلى التذكير بأن الثوار والحركة الجماهيرية العريضة على رأس مطالبها الحكم المدني، ولن يقبل الناس بغير ذلك ، كما أن تطبيع علاقات السودان مع الغرب، ورفع البلاد من قائمة الإرهاب، والنظر في إعفاء ديونها، وتقديم مساعدات مالية وقروض لا غنى عنها للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي، لا يتم إلا في ظل مجلس السيادة المدني.
أما أداء واجب تأمين الثورة والمحافظة على الاستقرار الأمني، وقطع الطريق على الانقلابيين والمغامرين، فلا يحتاج إلى الهيمنة على سدة الحكم، فهذه وظيفة يمكن أن تؤديها الأجهزة الاستخبارية والعسكرية بكفاءة في ظل الحكم المدني، كما يحدث في أمريكا والصين وجنوب أفريقيا بل في جارتنا القريبة إثيوبيا التي تشبهنا ونشبهها في كثير من الخصائص والمكونات والمرحلة الحضارية.
لا يمكن لهذا الفشل في القيادة أن يستمر، ولا يمكن السكوت عن البعض حين يحاولون تعلم الحلاقة على رؤوس الناس، وعلى حساب دماء وطموحات السودانيين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////