هناك و اقع يفرض نفسه، كما ان هناك فى الجهة الاخرى ( حلم ) يريد ان يتجاوز ذاك الواقع ، و لمقابلة هذا الوضع الشائك ، هناك خياران اولهما ان يكون الانسان واقعيا ليبحر فيما فرض عليه من خيار لتحقيق ما يصبو اليه..مستفيدا من الظروف الايجابية التى تحققت، والخيار الثانى ان يخرج كلية من المسرح ليعد العدة لتحقيق حلمه كما ينبغى له.

رغم اختلاف الحالتين التى اريد الاستشهاد بهما مع حالتنا الثورية فى السودان ولكن ما يجمعهما الاستفادة من الظروف الموضوعية لتحقيق الاهداف ، و من الجانب الاخر تجاهل هذه الظروف و التدثر باحلام مغايرة لاحداث اجواء مستقبلية تسعى لتحقيق الاهداف وسط بيئة غير مواتية.

الحالة الاولى قضية فلسطين وحرب 1948 ، والتى هزم فيها العرب, وصدور القرار الاممى بالتقسيم بين الكيانين، رفض العرب والفلسطينيون التقسيم و دأبوا على وصف من رضى به من الدول والرؤساء بالعمالة والتفاهة..منها الدول الاوربية وامريكا والاتحاد السوفييتى و من الرؤساء والنافذين الملك الحسن المغربى ، بورقيبة التونسى..و فى مرحلة لاحقة كتاب وادباء امثال توفيق الحكيم وانيس منصور و حسين مروة..الخ .

ما ذا حدث بعد كل هذه التطورات ، وبعد هزيمة 1967 وقعت مصر اتفاقية صلح وردت اراضيها المحتلة، و دخلت فصائل فلسطينية فى مفاوضات سلام دونما توحد فصائلها لتلعب اسرائيل على ورقة امنها المهدد من قبل تنظيمات لا تعترف بها فى الاساس لتتسع رويدا رويدا لتحقيق حلم اسرائيل الكبرى !!.. رغم ان السلام اذا تحقق بالواقعية فى التفكير كان كفيلا بوأد فكرة اسرائيل الكبرى.

والنموذج الثانى ما حدث فى جنوب افريقيا .. وقد رأيت حب الناس لزعيمهم نلسون مانديلا عند مشاركتى ضمن لفيف من الدبلوماسيين فى مراقبة انتخابات 1994.. لقد هرع سكان جنوب افريقيا لاختيار ابيهم نلسون مانديلا الذى قضى بالسجن 26 عاما.. و تبوأ الرئاسة .. و لم يسع لابادة البيض العنصريين بل دعا الى التجانس بين مكونات المجتمع الجنوب افريقى مع ابعاد مدروس لرؤؤس الافاعى التى تسمم الاجواء .. واجتازت البلاد الفتنة و الصراع الذى يقضى على اليابس والاخضر,وغادر نلسون مانديلا الفانية كزعيم انسانى عالمى مستحقا لجائزة نوبل للسلام و ملكا فى قلوب كل الوطنيين فى افريقيا.

و فى السودان تحققت ثورة ستعتبر بكل المقاييس من اميز ثورات هذا القرن لارساء دولة مؤسسات، وتمت الثورة بعد عمل منظم من تجمع المهنيين الذى ضم نقابات عدة، و قوى الاجماع الوطنى وقوى نداء السودان، مع تأييد معلن من حركات مسلحة تنتظر المشاركة الفاعلة بعد اتضاح الرؤية. من الواضح ان هذه الفعاليات لا تنتمى الى فكر سياسى معين او تنطلق من ايدولوجية معينة، و لكنها تتفق فى ادانة النظام السابق لاستغلاله البشع للدين...و اهانته للشعب و نظرته الفاشية التى اكدت بان الاسلامويين السياسيين هم الاخطر الاكبر على الدين، و اتفقت هذه الفعاليات باته من المستحق لهذا الشعب المسالم الطيب ان ترسى له قواعد حكم راشد ، يجد الانسان فيه كرامته ، و تحترم فيه خصوصيات كل اثنية.

التأييد الشعبى الواسع لهذا الحراك الثورى ، ادى الى انهيار النظام السابق ، و ماكان هذا الانهيار يتم لولا تدخل القوات المسلحة، و صحيح اعتبر اعضاء المجلس العسكرى الانتقالى من الذين تربوا و ترقوا ابان النظام السابق الذى ظل يحكم البلاد مدة الثلاثين سنة..واتهمهم البعض بانهم النسخة الاخرى من النظام البائد ...ولكن واقع الحال و باصرار الثوار جاء الاعتراف الواضح بأن قوى الحرية والتنظيم بمختلف مكوناته هو قائد الحراك الشعبى ، و تمت الموافقة ان تكون له نسبة الثلثين فى المجلس التشريعى والاشراف الكلى على تعيين وزارة الكفاءات من عناصر من التكنوقراط، و دارت المفاوضات و اتضح ان الخلاف يأتى فى نسبة المشاركة فى المجلس السيادى، و ما دامت صلاحيات هذا المجلس السيادى ستحدد فى فترة الثلاث سنوات بما لا يترك له مجال لحل المجلس التشريعى و مجلس الوزراء يضحى المماحكة فى رئاسة هذا الجسم مضيعة للوقت بل مدعاة لاعطاء اتباع الثورة المضادة الفرصة لتنظيم اوراقها والتغلل المسموم فى خلايا المجتمع،و مادام تنظيم قوى الحرية والتغيير قائم كجسم موحد تحت قيادة واعية فلن تستطيع اية قوة للانقضاض على مكاسب الثورة ، و من هنا تدعو الواقعية الشروع الفورى فى تكوين حكومة الكفاءات لتباشر اعمالها ، والعمل الجاد لتعيين المجلس التشريعى والذى اعتبره من اعقد المهام واصعبها .... وتحقيق هذه الاهداف سيبعد كافة التدخلات التى تجد فرصتها كلما مرت الايام و ازدادت التطورات غموضا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.