انتهت الامور اليوم بعد شهر واكثر من انتفاضة الاغلبية الصامتة السودانية وجوهرة الانتفاضات الشعبية الي واقع غريب يعيد الي الاذهان قصة سرقة القطار الكبري التي تحولت الي واحدة من اشهر الروايات العالمية الواقعية عندما خططت احد العصابات ونفذت عملية السطو علي قطار البريد الملكي البريطاني والاستيلاء علي 2.6 مليون جنية استرليني في العام 1963.

ولم يكن القطار عاديا فقد كان من النوع المخصص لحمل السندات واموال البنوك وبعض المتعلقات الملكية واتفق افراد التشكيل العصابي علي تدريب احدهم علي قيادة القطارات وتدرب اخر علي كيفية تشغيل الاشارات المختلفة علي خط السكك الحديدية ووصل الامر الي تغيير مسار القضبان الحديدية وتحويل سير القطار الي منطقة خلوية حيث تم الاستيلاء علي الاموال التي كانت داخله بعيدا عن الانظار ونجحت عملية سرقة القطار الكبري التي ادهشت بريطانيا والعالم كله واحتلت مكانها في ارشيف الجرائم العالمية الغير معتادة حتي يومنا هذا.
مع الفارق فيمكن ان نقول ان هذا مشابه لماحدث للثورة السودانية في اطوارها المختلفة حيث استغل البعض الموقف في ذروة الاحداث عندما بلغ عنفوان الثورة الغاضب اعتي مراحلة واشتعلت البلاد من اقصاها الي اقصاها بالهتاف والنشيد متطلعة الي مركز الاحداث امام القيادة العامة في ظل حالة الصدمة التي احدثتها الثورة داخل المنظومة الحاكمة والدائرة الضيقة المحيطة بعمر البشير من المجموعة الامنية التي برزت الي السطح بعد المسرحية الانقلابية الساذجة التي تشظت و اعيد صياغتها وترتيبها اكثر من مرة لتستقر عند صيغة المجلس العسكري الراهن وسلطة الامر الواقع الموجودة علي واجهة الاحداث ولكن يبقي السوأل هل هناك جهة تدير الامور من وراء الكواليس.
يبدو واضحا للعيان انه ومنذ ظهر الحادي عشر من ابريل المنصرم ان دولة الظل وبعض سدنة نظام البشير قد نجحوا في تغيير مسار القضبان وسرقة قطار الثورة بمن عليه وتركوا الامة السودانية كلها في متاهة في انتظار المجهول الذي لن ياتي حيث لامحاسبة ولاعدالة وانما تغيرات طفيفة في بعض المناصب وهيكل الدولة والسلطة التنفيذية.
علي ذكر الحديث المتكرر عن رفض تعليمات البشير بالقتل الجماعي للمتظاهرين هل كان هناك خيار اخر لدي تلك المجموعة التي تقول بذلك غير التسويف والمماطلة حتي لحظة مواجهة البشير وتحذيرة صبيحة الحادي عشر من ابريل من مغبة خروج الاوضاع عن السيطرة والتوصل معه الي اتفاق واقناعه بقبول الاختفاء من واجهة الاحداث وافساح المجال للسيناريو البديل الذي تجري فصوله هذه الايام وفي هذه اللحظات بالذات.
اما الخلاف الراهن بين المجلس العسكري وقوي الحرية والتغيير الذي دخل بالبلاد في منعطف خطير فهل هو مجرد خلاف علي نسب المشاركة وماذا سيحدث اذا تركت المعارضة الجمل بما حمل للمجلس العسكري وفوضته لادارة شؤون البلاد فهل يستطيع هذا المجلس ان ينفذ واحد بالمائة من مطالب الثورة والشعب السوداني للاسف لايوجد ما يشير الي ذلك.
هناك تقرير اخباري علي درجة عالية من الاهمية كتبه في هذا الصدد الصحفي السوداني الامريكي عبد الرحمن الامين عن مسلسل تهريب رموز النظام والحركة الاسلامية المطلوبين للعدالة الي خارج البلاد بانتظام من اجل اعادة تنظيمهم وترتيب امورهم حيث من المتوقع ان يقود الفراغ السياسي المتعمد والمدروس الي تدهور الاوضاع علي الاصعدة الاقتصادية والامنية بطريقة تخلق مناخ مناسب لتصفية الثورة واهدافها ومطالبها .
ودلالة اخري علي خطورة الوضع الراهن في السودان ماحدث بالامس امام بوابات منزل القيادي الاخواني صلاح قوش بواسطة المجموعة التابعة لجهاز الامن والمخابرات المدججة باسلحة متنوعة وقيامها باعتراض مجموعة قانونية من ديوان النائب العام وبعض رجال الشرطة كانت تريد لقاء الرجل بغرض التحقيق معه في بعض التهم المنسوبة له ولاحظنا من خلال ما جاء في بيان المجموعة القانونية بعد ذلك الحادث وعملية البلطجة المسلحة كيف ان عناية السماء قد حالت دون مواجهة كانت ستقود الي اراقة المزيد من الدماء لولا حكمة وتعقل المجموعة القانونية ورجال الشرطة الذين انسحبوا من مسرح الحادث والخلاصة ان ماحدث كشف ان الرجل موجود داخل البلاد علي العكس من النشر التضليلي المتعمد عن وجوده خارجها.