بسم الله الرحمن الرحيم
"فاتحة كل خير وتمام كل نعمة"
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أواصل الحديث عن أنواع التعلّم الثلاثة ضارباً المثل لكلّ نوع، بالشكوى من صديقك عن سلوك ابنه وطريقة معالجتك للمشكلة بناءً على كلّ نوع من أنواع التعلّم. وقد تحدثت عن التعلم وحيد الحلقة في المقال السابق.
أمّا إذا كنت في التعلّم ثنائي الحلقة فيمكنك أن تبدأ في مناقشة صديقك المفاهيم نفسها؛ هل هي صحيحة أم هي نتاج سياق اجتماعي مُعيّن فرضته الظروف على ذهنيكما وقد حان الوقت، وقد تعرّضتما، لتجربة في مجتمع جديد أن تناقشا جدواها وتراجعا مفاهيمكما.
هذا ما نسميه بالتفكّر النقدي والتحليلي لأنَّه ينقد منطق المفاهيم ويحلّل أسباب وجودها، فيسأل: هل هي مفاهيم لا تتغيّر أو يمكن تغييرها؟ أو هل هناك مفاهيم أخرى بديلة أفضل؟
ولتوضيح الفرق بين النوعين من التعلّم فالقانون في كلّ أرجاء العالم يمنع جريمة السرقة ويعاقب عليها. إذن منع الجريمة والعقاب يمثلان الجزء الصلب الذي لا يمكن أن يتغيّر في أي مكان وهذا يمثّل التعلّم وحيد الحلقة، وهو لا اختلاف حوله في كلّ أركان المعمورة، ولكن الذي يمكن أن يتغيّر هو تعريف السرقة مثلاً أو نوع العقاب، وهو يمثّل التعلّم ثنائي الحلقة لأنَّه يقبل التغيير بواسطة أداة التفكّر، ومن ذلك ينشأ الاختلاف.
أمّا التعلّم ثلاثي الحلقة فهو التفكّر في طريقة التفكير نفسها وما ينتج عنها من مفاهيم وقوانين.
فإذا كنت صاحب تعلّم ثلاثي الحلقة، فإنّك ستكون مُهتمّاً بطريقة تفكير صديقك التي أوصلته لتقييم المفاهيم على أنّها سليمة، بمعني أنَّك تتفكّر في طريقة التفكير نفسها لا في المفاهيم وسياقها أو بدائلها.
فالناس يختلفون الناس في تعريف المفاهيم، فالحريّة عند العلمانيين تختلف عن الحرية عند الإسلاميين، وكذلك مفهوم العدالة والسلام وما شابه. فالعلمانيون يقولون مثلاً بتطبيق الديموقراطية، وبتطبيقها ستتحقّق هذه المفاهيم، والإسلاميين يقولون لن يتحقٌّق ذلك إلا بتطبيق شرع الله. ولكلٍّ حُجّة يستند عليها. وهذا مثال للتعلّم وحيد الحلقة، وهو يبدو ثنائي الحلقة، إلا إذا تفكّر في المفاهيم نفسها وراجعها، وهو ما يسمّي بالنقد الذاتي. واليوم أهل السودان يطلبون من الإسلاميين مراجعة مفاهيمهم وليس سلوكهم لأنّ المفاهيم هي دافع السلوك، ويريدون منهم أن يُقرِّوا بفساد فكرهم الذي أوصلهم لما أوصلهم إليه، ويتوبوا منه، وينتهجوا فكراً جديداً وحينها سيثبتون للناس أنّهم تغيّروا فعلاً وسيسمح لهم وقتها بممارسة حقوقهم السياسية.
هذا مفهوم صحيح ولكنّه لا يجب أن يُطبّق على الإسلاميين فقط ولكن على كلِّ أهل الأيديولوجيات من شيوعيين، وبعثيين وناصريين وغيرهم، فتجاربهم في الحكم لم تختلف نتيجتها عن تجربة الإسلاميين، ولم نسمع عن نقد ذاتي بعد أو توبة عن مفاهيمهم، ولكنّنا نجد قدحاً في سلوك وأخلاق من طبقوا النظرية من رفاقهم، وأنّهم خانوا القضية والمبدأ، ومدحاً للنظرية التي ينوون تكرار تجربتها في شعوب السودان، وهم بذلك يزكّون أنفسهم بأنهم الأكثر وطنية وأصلح منهجاً وأقوي حُجّة، بينما هم الوجه الآخر لعملة الإسلاميين.
فأصحاب الفكر في ساحتنا أغلبهم من جماعة التعلّم وحيد الحلقة، ولا يتجاوزون، رغم اجتهادهم، التعلّم ثنائي الحلقة، ويحدث ذلك فقط عندما يتحرّرون جزئياً من تأثير مجتمعهم ويخالطون مجتمعات جديدة، أو يمرّون بتجارب جديدة، أو تنفتح أمامهم معارف جديدة، ولكنّهم لا يفعلون أكثر من أنهم يستبدلون مفاهيم بأخرى ولدها من سبقهم من المفكرين والفلاسفة، وأكثر ما يمكن أن يفعلوه هو تحويرها قليلاً لتتلاءم مع الواقع.
ومن هذا الفهم لأنواع التعلّم الثلاثة نجد أنّ اتّباع القوانين أو التصميم حرفيَّاً، في مرحلة التنفيذ الأولي، هو الأنسب لأنَّه يتعامل مع الحقائق كثوابت لا تقبل التغيير إلا في حالة الضرورة، وبذلك يحفظ النظام والذي هو وسيلة لا غاية.
فتصميم المنزل مثلاً هو الأساس الذي يقوم عليه المنزل، وعندما تعطيه لمقاول بناء فإنّك تتوقّع منه أو منها أن يطبّق التصميم كما هو.
ولكن بقدر ثبات هذه القوانين، فإنّك تتوقّع مرونة في التطبيق، واستخدامها في حدود إمكانيّاتها، وبطريقة حكيمة، ولكن ليقوم المقاول بتعديل التنفيذ لا بُدّ له من شرعية، والشرعية هي الرجوع لصاحب المنزل والحصول على موافقته ورضاه. الديموقراطية تملك هذه المرونة لأنّها تعلم أن منزل الوطن ملك لشعوبه، والشمولية، تظنّ أنَّها أدري من صاحب الشأن فتقوم بما تشاء رضي صاحب الشأن أم أبي.
إذا تأمّلنا شعار الثورة الآن نجده يحتوي على ثلاثة مفاهيم وهي الحريّة والسلام والعدالة. ولن تجد سودانياً واحداً له فطرة سليمة، يقول لك إنَّه لا يريد هذه المفاهيم أن تطبّق عليه، ولكنّه قد يختلف معك عندما يأتي الأمر لتطبيقها على الآخرين مثلاً، فقد يقول لك إنّ هؤلاء لا يستحقّون ذلك لأنّهم فسدوا أو هم سبب المظالم. فالمفاهيم الثلاثة هي قوانين طبيعية يريدها كلّ البشر لأنفسهم، حتى ولو كانوا ظالمين، وهي تمثل قوانين التعلّم وحيد الحلقة، والأساس الذي يقوم على أساسه بناء مجتمع معافي.
فإذا كنت شحيح النفس بما تطلبه لنفسك، على غيرك فإنّك مثله، إلا إذا كان هناك نص يُجرّم، وفي هذه الحالة يجب تطبيق شعار العدالة على الأقل، حتى وإن لم تسمح بممارسة الحريّة أو بناء السلام. فالسلام لا يُطلب بين حبيبين متجانسين ولكن يطلب بين عدوّين متنافرين.
وهدفي من هذه المقالات أن أرفع وعيكم بأنواع التعلّم وحيد الحلقة وثنائي الحلقة، وأرجو أنّ تنتبه الأجيال القادمة، إن شاء الله، الى التعلّم ثلاثي الحلقة.
وذلك يعني تحريرهم من العبودية الفكرية، والحالة الصنمية التي يرزح تحت نيرها أهل السودان، ونقلهم إلى الاستقلالية الفكرية والحريّة الحقيقية ليختاروا ويشكّلوا ثقافتهم كما ينبغي أن تكون لا كما يجب أن تكون حسب ما ورثوه من آبائهم.
ولا بدّ لكلّ نموذج من شكل ثابت ومحتوي متغيّر، وإلا صار النموذج مائعاً من غير حدود يتشكّل ويتلوّن حسب المصلحة أو السياق.
والمولي عزّ وجلّ يقول موضّحاً نموذج الإسلام:
" ‫هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ‬"‬‬‬‬
الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا النموذج فيقول:
‫إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ الناس".‬‬‬‬
فمثلاً الجماعة الإسلامية نموذجها وتعريفها مطّاط شامل لكلّ مناحي الحياة، ممّا يجعل الحدود بين أجزائه تختفي في شكل هلامي، ولذلك هذا النموذج متلوِّن مثل الحرباء ليتلاءم مع الظروف والسياقات المختلفة، ممّا يجعل الآخرين يتهمون هذه الجماعة بعدم المبدئية أو بالذرائعية.
فهي قد تهادن الديكتاتوريات لتصل لهدف مُعيّن وتشارك الديموقراطية لنفس الهدف ثمّ تنقلب عليها. يبدو هذا في الظاهر تناقضاً مبدئياً وفي باطن الأمر للجماعة الإسلامية متّسق مبدئياً لأنّ الهدف هو تطبيق شرع الله ولذلك بفقه دار الحرب ودار السلم فتجوز الخدعة لأنّ الأعداء هم أعداء الله ويجوز مهادنتهم مثل حلف الحديبية، أو مقاتلتهم مثل غزوة الأحزاب، أو مشاركتهم مثل الحلف مع اليهود.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي