يقول شاعر الحب والحرية بابلو نيرودا مغازلاً محبوبته تشيلي:

إحرميني من الخُبزِ إذا ما شئْتِ
إحْرميني من الهواء !
لكنْ لا تحْرميني من ضحكتِكْ
لا تأخذي الوردةَ، الرُّمْحَ الذي تُجرّدينهُ
الماء الذي في الحال ، يتفجّرُ في ابتهاجِكْ!

لم أسمع أو أقرأ - على كثرة ما سمعت وقرأت - عن ثورةٍ يخرج شعبها من طغيان واستبداد الطغاة إلى بر الأمان بين يوم وليلة. ولا عن ثورة أنجز شعبها التغيير صعداً، دون أن يتربّص بثورته أعداء الحرية والتقدم. ولنا في الثورات التي هزّت العالم فأيقظته من سباته أكبر مثال. أمضت الثورة الفرنسية - أم ثورات عصرنا الحديث - عشر سنوات بين مدٍّ وجزر ، قبل أن تؤسس لدولة المساواة في الحقوق والواجبات، لتنطلق من بعدها عدوى الثورة المعافاة إلى العالم. وثورات أميريكا اللاتينية ..أي ثورة عبرت إلى برّ الأمان بين عشية وضحاها؟ شكراً لعالم الإجتماع الدكتور حيدر ابراهيم علي، الذي أعاد إلى الذاكرة في مقال له مؤخراً أطروحة المفكر الماركسي ريجي دوبرييه " ثورة في الثورة". وعلى الرغم من أنّ دوبرييه طرح رؤيته لإصلاح الثورات المسلحة في أميريكا اللاتينية في الستينات ، متخذاً من ثورة كاسترو المثال الأعلى، وهو ما ليس بالضرورة أن يؤخذ مثالاً لثورة سلمية شعبية في مطلع القرن الواحد والعشرين مثل ثورة ديسمبر، إلا إن تصحيح الثورات يظل قاسماً مشتركاً. إنّ سرقة الثورات وتدجينها ليس سمة لعصر دون عصر، أو ثورة دون أخرى.
دعاني لكتابة التمهيد أعلاه ، ما ظللنا نرقبه كمنتمين لثورة بلادنا من تحرش بها داخل البلاد وخارجها. إن أعداء الثورة في الداخل لم يخفوا بئيس خططهم لعرقلة حكومة الفترة الإنتقالية، مستغلين في ذلك كل ما يفضي إلى خنق وتضييق المنافذ عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. كان أول اختراق لجسد الثورة وإبطاء حركة تقدمها تلك الوثيقة الدستورية المعيبة ، التي حشرت عسكر مجلس أمن النظام المباد في شراكةٍ تبدو سوءاتها كلما اقتربنا من تطبيق شعارات الثورة : حرية ، سلام وعدالة! فالشق العسكري في الشراكة ثلاثية الأضلاع يسعى لتغيير اللعبة لتوافق حلمه بالعودة للسلطة في نهاية الفترة وذاك ما لا يخفى على أحد. والحرية والتغيير - الأحزاب التي اختارت دور حاضنة الجهاز التنفيذي - يحمل بعضها من المكر السيء لبنود وشعارات ثورة ديسمبر ما لا يوصف!
إنّ فكرة الخروج في مليونية 21 اكتوبر 2020- هذا اليوم الرمز في انتفاضات وثورات شعبنا - الفكرة التي تداعى لها الشباب (حرس وصانعو الجولة الأخيرة لثورة ديسمبر) تصبح من الضرورة بمكان.. شريطة أن نضع في الإعتبار سلمية التظاهرة التي لا يختلف حولها اثنان. فالسلمية هي ما منح هذه الثورة طابعها الفريد في عصر صارت فيه الدول التي تملك الترسانات النووية تنأى بجلدها عن استخدام العنف ، وتهرع إلى طاولات التفاوض مع الخصم. أما الأمر الثاني الذي ننتظر أن ينادي به شبابنا في مليونية 21 اكتوبر أنّ شعبنا لم يصنع ثورة أطاحت بالقتلة واللصوص حتى يعودوا لخنقها عبر وزارات وشركات لم يتم كنسها، وعبر أجهزة أمنية ومؤسسات عسكرية مالية هي بمثابة دولة موازية. وآخر الأمور التي ننتظر أن تنادي به المليونية، هو قيام المجلس التشريعي الذي عبره يمكن لأجهزة الحكم أن تتلقى شرعية عملها.
فليعلم خصوم الثورة- وهم القلة الذين استأثروا بكل شيء- أنّ أبناء وبنات شعبنا عاشوا ثلاثين سنة من الحرمان من الحرية والعدالة. ذاقوا حيالها التشريد داخل وخارج الوطن. وخلال ثلاثين سنة لم يتوقف نظام الفاشيين الجدد المباد عن شن حرب الإبادة على شعبنا في دار فور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان بل وقمع المتظاهرين السلميين في الشمال إلا حين أطاح شعبنا الثائر بذاك النظام القبيح. وتكرار هذه التجربة في بلادنا بعد نجاح ثورة ديسمبر في خانة الإستحالة. إنّ شعبنا لن يبقى رهناً لأجندة أنصار النظام السابق ومن يودون الهبوط مكانه. ذاك توأم المستحيل. لابد إذن من الخروج سلمياً من هذا النفق بتعديل مسار الثورة. إن ما قاله المفكر الثوري ريجي دوبرييه من ضرورة قيام (ثورة داخل الثورة) هو ما ينتظره الشارع اليوم أو غداً. ويعرف أعداء التغيير أنّ شعباً قابل شبابه رصاص النظام الفاشي بالصدور العارية والسواعد المرفوعة تحدياً للذل والهوان ، لا يغلبه قلب الطاولة متى تحكّر على سطح الطاولة ما لا يعجبه.
وأخيراً .. تغريدة إلى دولة رئيس وزراء حكومة الثورة:
قد يتفق معك أبناء وبنات شعبك وقد يختلفون.. ولربما لا يعرف الكثيرون أن القسمة الضيزى لموازين اتخاذ القرار لا تعطيك الحق أحياناً كرأس للجهاز التنفيذي في تمرير ما هو واضح وضوح الشمس في كبد السماء. لكنك سترى عظمتهم وقوتهم كلما اقتربت منهم. وـأمس خرجت بعض المسيرات العفوية وهم يرددون إسمك ، لأنّ جهد إدارتك في رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب قد تكلل بالنجاح في زمنٍ قصير وأقلّ تكلفة ، مقارناً بتعقيد الملف ، مما أعطى الثورة وحكومتها المدنية مقعداً متقدماً في هندسة العمل الدبلوماسي الهاديء، الذي راعى فوق كل اعتبار كرامة ومصالح شعبنا. تهنئة لك ولفريق حكومتك ولسفير السودان بواشنطون الأديب الدكتور نور الدين ساتي. وتهنئة لجاليتنا في كل مدن الولايات المتحدة لما قاموا به من تنوير للرأي العام والإعلام الأمريكي بقضيتنا العادلة. وتهنئة أخيرة ومستحقة لشعبنا الذي صبر على كل أساليب الإبتزاز من أعداء الثورة في الداخل وفي الخارج. من هذا الشعب العظيم نتعلم ما قاله نيرودا في عشق بلاده: (إحْرميني من الهواء ! لكنْ لا تحْرميني من ضحكتِكْ !)


فضيلي جمّاع
لندن - 21 أكتوبر 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.