تداولت الأسافير ولا تزال خلال هذه الأيام مفردة "الدرت"- التي التقطها البعض مشدوهاً من تعليق لنائب رئيس المجلس السيادي محمد حمدان دقلو (حميدتي) في إشارة له بأنّ الجامعات ستفتح أبوابها في الدرت. في ظني أنّ الرّجل قالها بعفوية دون محاولةٍ منه ليختبر جهل البعض بثقافة آخرين من هذا البلد الحدادي مدادي. وفجأة تنادى البعضُ وصاح آخرون: أي لغة هذه؟
لم يدهشني استغراب البعض من المفردة وأعتبارهم لها من حُوشيِّ الدارجة الوافدة من غرب السودان. لم تتملكني الدهشة لأني أعرف أن "التهميش" ليس ممارسة سياسية فحسب.. بل أسوأ منه التهميش الثقافي. فالنخبة الممسكة بزمام السلطة عبر 64 عاماً (عمر استقلال الدولة الوطنية) لم تعمل على الخروج من المركز- ليس عبر الإدارة السياسية فحسب، بل إنّ إذاعة وتليفزيون ام درمان الحكوميين ، وبجانبهما الصحف والمجلات المسرح لم تكن تجهد نفسها لتسعى إلى أركان الوطن الأربعة - أكرر أركان الوطن الأربعة - لتعرف أحاجي وأغنيات الآخر المختلف في ملامحه اللغوية والتراثية والجمالية.
قصيدة (المجلد في الدرت) التي رأيت نشرها في صفحتي اليوم بفيس بوك هي من بواكير محاولاتي الشعرية..وقد ضمها ديواني الشعري الأول (في أودية الغربة) - وهو من منشورات المجلس القومي لرعاية الفنون والآداب في العام 1973م. ولدت القصيدة في العام 1972 وكنت وقتها طالباً بكلية الآداب بجامعة الخرطوم. أهديها لفرنجة وسوّاح السودان الذين ينتظرون أن تأتيهم الثقافة السودانية جاهزة معلبة في عاصمة المدن الثلاث!
المجلد في الدرت
------------------
فوق عينيكِ نام لحنٌ وهامتْ
أغنيات الصّبا وسِحرُ الطفولهْ
وعلى ثغرِكِ استراحتْ معانٍ
يعجزُ الشِّعرَ سحرُها أن يقولَهْ
أنتِ أحلى من النوارِ وأحلى
من بريقٍ على العيون الكحيلهْ
***
فوق عينيكِ تستريحُ الأماسي
هدهديني.. إليكِ عدْتُ كطفلٍ
تاه دهراً على سفينِ المآسي
آهِ منكِ ومن هواكِ ومنّي
كيف أنساك علّميني فإنّي
عاشقٌ جاء للدُّنا كي يغنّي
للسنا، للجمالِ ، للحُبِّ فيها
لدموعِ الأسى وفقرِ بنيها !
بكِ فاخرْتُ في الورى كلَّ دارٍ
وتهاديْتُ في المهاجرِ تيها
***
أمسِ كنّا ورودَ حقلٍ وأضحى
حقلُنا اليومَ إذْ كبُرْنا المدينهْ
غابةُ الطينِ والمداخنِ ضمّتْ
ألفَ صنفٍ من الرّدَى والضغينهْ
جمّعت كيدَها وباءتْ بحملٍ
من جنون الرّدى وفنِّ الرذيلهْ
أين منك وفيكِ نام غزالٌ
كحّلَ الفجرُ طرفَهُ والفضيلهْ
وأنا العاشقُ المتيّمُ ويحي
من فتاتي ومن عيونِ القبيلهْ
***
ما الذي صوّرَ السهولَ لعيني
جنّةَ اللهِ والحقولَ الحديقهْ ؟
آهِ منكِ ، ومن هواكِ ومنِّي
كيف أنساكِ؟ علّميني فإني
عاشقً جاءَ للدُّنا كيْ يغنّي
نغمَ الرّوحِ للقلوبِ الحزينهْ
واغفري الدّمعَ إذْ يسيلُ بحاراً
فأنا ضِعْتُ في غبارِ المدينهْ!
وطبولُ النّحاس يسري لظاها
في السكارى وساكنيها الحيارَى
تلك شمطاءُ سادرٌ في هواها
ضيّع الدهرُ سحرَها وتوارى
***
إنما الخرطومُ شمطاءُ عاهرْ
غشّها اللّيلُ والهوى والمظاهرْ
كلّ شيءٍ تمصّه من قرانا
الحلي البيضَ والرّياشَ وحتّى..
حفنة الدّخن أو جراح أسانا
كل شيءٍ سرقته ما عدا الحبّ
فقد نام في القلوبِ هوانا
***
راعني السّحرُ والحقولُ الجميلهْ
والنسيماتُ إذْ تهبُّ عليلهْ
والعذارى وقهقهاتٌ بريئهْ
في دجى الليلِ والأحاجي الطويلهْ
وأنا العاشقُ المُتيّمُ ويْحي
من فتاتي ومن خيولِ القبيلهْ!
ماتَ في الخرطومِ كلُّ ضميرٍ
والأغاريدُ والشموسُ النبيلَهْ
لقمةُ العيشِ كبّلتني ولكنْ
منكِ يا "مجلَدَ" الصمودِ الرّجولهْ!
***
غدُكِ المشرقُ الوضيءُ سيرنو
حالمَ الوجهِ من وراء الستائرْ
وأنا جيلك الجديدُ وصحبي
من عطورِ الصّبا نخطُّ البشائرْ
مزّقي الصمتَ والتوابيتَ، قومي
غدُكِ العطرُ والسّنا والأزاهِرْ
***
آهِ منكِ ومن هواكِ ومنّي
ما الذي يجعلُ الفؤادَ يغنّي
بكِ دوْماً وتستبيهِ الأماني؟
ما الذي يلهِمُ الجراحَ فتغدو
في حناياي تُرجمانَ المعاني؟
كلما هِمْتُ ردّني منكِ لحنٌ
وتعلّمتُ فيكِ نظمَ الأغاني
آهِ منكِ ومن هواكِ ومنّي
كيف أنساكِ؟ علميني فإنّي
عاشقٌ جاء للدُّنا كيْ يُغنّي!
------------------------

الخرطوم – أكتوبر 1972م
--------------
فضيلي جمّاع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.