غيَّب الموت يوم الخميس  16 يوليو2020 الاقتصادي ورجل الدولة والإدراي الفذ الاستاذ (الناظر) ابراهيم منعم منصور. كثيرة هي الحكاوي التي يحكيها البعض عن الشعور بدنو الأجل ،عن أقارب فارقوا هذه الفانية وهم يوصون ذويهم يوم الوفاه أو قبله بأيام قليلة. جزء منها لا يصدق. قال أحد أقاربي لأسرته أنه سوف لن يكون معهم في الجمعة القادمة. وفي يوم الجمعة الموعود قال لإبنه الذي كان يهم بالخروج لغرض ما " ما تتـأخر يمكن ما تحضرني. وقد كان". قصص كثيرة وعجيبة في آن. ابراهيم منعم كان من بين هؤلاء.

في صباح نفس يوم الوفاة قال لإبنيه " أنا زول مودع ما عندي حاجة جديدة بقدر أقدمها (ليكم) تاني. خلوا بالكم من نفسكم ومن أهلكم ومن البلد وابقوا حنان والبيت خلوه فاتح . أدفنوني وما تفرشوا علي."
بعد حين هو علي فراشه يتحدث بصوت خفيض عن خلو بالكم من نفسكم.... الخ ومحمد الابن علي بعد مترين منه بالقرب من باب الغرفة يتحدث مع الدكتور عن أن "عمي ابراهيم يتحدث عن الموت والافضل حضورك" حانت منه التفاته فرآه قد توسد ذراعه وصمت. ذهب اليه وجس النبض ....في أكثر من منطقة، لم يعد هناك نبض ولم تعد هناك حياة. تأكد له أن أباه قد سلم الروح الي بارئها. هكذا رحل . رحل وكأنه أحس بأنه قد قدم لوطنه كل ما استطاع. رحل لكن بعد أن فارق شفاهة غالبية المثقفين في هذا الوطن وترك إرثا خالدا مكتوبا يقف شاهدا علي فترة من التاريخ عاشها وكتب عنها ، بود غالبا ، ومرارة أحيانا معددا فرصها الضائعة.
نشر قبل وفاته بنحو ثلاثة أعوام ( 2017) مذكراته في مجلد ضحم (اكثر من الف صفحة) حوت الكثير عن حياته الخاصة والعامة ، وعن تاريخ السودان الحديث الذي كان مشاركا فيه أو مراقبا دقيق الملاحظة علي حوادثه . وتم توثيق جزء كبير من تلك الذكريات تحت عنوان "السودان والفرص الضائعة" بواسطة الاستاذ غسان علي عثمان في برنامجه المعروف "الوراق" ، علي قناة سودانية 24 الفضائية، في 17 حلقة لم يتم بثها كلها حتي الان، وياله من إنجاز جاء في وقته للاستاذ غسان.
لم يتوقف الراحل عن المساهمة برأيه بعد تركه العمل العام. حتي في سنوات الانقاذ العجاف كتب ونشر عدة رسائل مفتوحة الي رأس النظام (البشير) شديدة الانتقاد لاسلوب الحكم ، ومحضه النصح في أن العدل أساس الحكم وسياجه، وحول مسئوليته عن كل السودان والسودانيين . وحتي بعد الثورة لم يتوقف ، فكتب مشيدا ببطولة واستبسال شبابها (كنداكات وشفاتة) وكان من آخر تلك المساهمات رسالته المفتوحة المشهورة " لا تكتم الشهادة" لرئيس مجلس السيادة ونائبه حول أهمية ولاية وزارة المالية علي المال العام بما في ذلك شركات القوات النظامية .
هاتفني إبنه مهدي ظهر الخميس –بعد الوفاه بقليل- والتقطت من المحادثة كلمات "..ابراهيم والاذاعة"، فظنت اول الامرأنه ينبهني الي أن (الناظر) يتحدث للاذاعة. عندما حاولت التأكد أكمل بصوت أوضح "عمي ابراهيم توفي وقلت اكلمك قبل ما نرسل الخبر للاذاعة"، " لاحول ولاقوة الا بالله...لاحول ولاقوة الابالله..إنا لله وإنا اليه راجعون" من جانبي وانتهت المحادثة. كان خبرا صادما لي لأنه كان في أكمل صحة. رحل "بسَّام العشيِّات الوفي" –كما قال صلاح في " نحن والردي"- هكذا بين غمضة عين وانتباهتها.
لاحظت من مدة أن كلا من إبنيه محمد ومهدي يناديانه ويتحدثان عنه بصفة " عمي ابراهيم". مصدر الاسم كما علمت أن أصدقاء محمد الكثر الذين يعمر بهم البيت ، يكثرون بحكم عددهم وسؤالهم عنه من قول "عمي ابراهيم"، فصار اسم المخاطبة له منهم هو اسم المخاطبة السائد والأكثر حميمية داخل البيت كله. كانت روحه الشبابية آسرة وعندما يأتي هؤلاء الشباب وهم من شتي المشارب والمهن يحتد نقاشهم، تعلو الاصوات وتنخفض، وتسمع "عمي ابراهيم" استشهادا واستنجادا. كان هو -في أحايين كثيرة- يشارك في حراكهم النقاشي ويروض خيول خلافاتهم واختلافاتهم. أصبحوا يأنسون له و يستمتعون بحكاياه المتنوعة التي لا تفوتهم بعض معانيها وعبرِها. ربما أدرك بعضهم أنهم محظوظون إذ هم من قلة اتيح لها أن يستمعوا من فم تاريخ ماثل ما زال يمشي بينهم ويجلس معهم.
كما تمت الاشارة آنفا، فقبل اسابيع قليلة فقط كان الراحل قد كتب مقاله الاخير "لا تكتم الشهادة " الذي يسرد فيه علاقة الجيش بوزارة المالية وكيف أن المالية لم تقصِّر في أي سنة من السنوات عن الايفاء بمتطلبات القوات المسلحة. ويشرح كيف أن توفير ميزانية القوات النظامية هي مسئولية وزارة المالية في المقام الأول كما هو الحال في كل البلدان التي يحترم جيشها شعبها، وأن التجارة والصناعة ليست من عمل تلك القوات وبالتالي وجوب تنازلها عن الشركات التي تباشركل الانشطة التي ليست لها علاقة بعمل القوات النظامية وتسليمها لوزارةالمالية لانها في الاصل مال عام تتولاه الجهة المفوضة بالتصرف فيه لكل السودان ولكل الجهات حسب احتياجاتها.
شهادته الاخيرة المفتوحة الي البرهان وحميدتي كانت لها فيما يبدو أهمية خاصة، وكأنه قد شعر بعدها بأنه قد قال كل ما اراد أن يقول وافرغ كل ما لديه من قول وما في ذهنه من خير يمكن أن يقدمه للسودان، وأسدي النصح ما استطاع ولم يتبقًّي له شئ يقدمه ففضَّل الرحيل. يقول مثل افريقي " إذا توفي رجل افريقي معمِّر أحترقت مكتبة". وفي هذا فإن ابراهيم منعم ولحسن حظ هذا الجيل والاجيال اللاحقة قد بقي مكتبة لم تحترق.
كما يقول الأهل في دارفور عند العزاء" الموت سبيل الاولين والآخرين" ،" سبقانا أيل بيومو". والاستاذ الناظر "عمي ابراهيم" سبقنا الي دار الخلود بحلول يومه الموعود. رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما قدم لوطنه من صالح الاعمال ونافعها، وبقدر ما ترك من إرث مكتوب ومشاهد تستهدي به الأجيال القادمة، وبقدر ما أسدي من نصح برًّأ به ذمته من وِزر كتمان الشهادة ، ولا شئ أرفع من ذلك في ميزان قول الحق.نسألك اللهم له الرحمة والمغفرة.

صديق امبده

18 يوليو 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.