عكس الريح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


عشرات الرسائل وردتني تعقيباً على مقال الأسبوع الماضي تحت عنوان (ماذا يحدث للطب والأطباء في بلادي) أختار منها في البدء رسالة مهمة للدكتورة مضاوي عبد المنعم وهي طبيبة كاتبة وأديبة تكتب بمنتدى عكس الريح تحت اسم (ميما) وتقول في رسالتها:
تحياتي استاذي الكريم بروف معز وكل الحاضرين
وسلام عليكم ورحمة من الله وبركاته

اولا ارغب في توضيح امر مهم قبل الاسهاب في ما اود الإدلاء به هنا .. لاصحاب الرسائل التي جاءت في المقال ولكل من فقد عزيز او صديق جراء هذا التدني المشهود في القطاع الطبي (ليس الوحيد كما تعلمون)
وهو انني شخصيا فقدت قريبة لي وكدت افقد اخر في ظروف مشابهة لما رويتم. ولا يعني ماسوف اقوله اني اكذب قصصكم او لا اتعاطف معها .. لكني اود ان اسلط الاضواء على مايغيب عن ذهن كل من سمع او شهد هذه المواقف المؤسفة .. عن الحقيقه الكاملة خلف مايحدث وماسوف يحدث اذا مااستمر الحال على ماهو عليه .

الطب مهنة انسانية .. هل هناك مهنة ليست انسانية؟ الاطباء ملائكة الرحمة.. هل يعني ان لااحتياجات لهم وانهم معصومين عن الاخطاء ؟ الاخطاء الطبية تقع في أي مكان في العالم .. حتى في اغنى الدول واكثرها اهتماما بالصحة . الفرق هو أننا لانزال نعيش بعشوائية مقيتة نتخطى حدودنا متى مانريد وكيف مانريد نؤذي من نؤذي ونؤذى من من نؤذى دون حسيب او رقيب، دون قانون يرسم خطوط واضحة. لاتوجد رقابة كافية على مستوى التعليم الأولى للعاملين في المجال الطبي والتي تضمن تأهيلهم المناسب لتقديم الخدمات. لاتوجد خطط معروفة وواضحة تسير عليها المستشفيات ليلتزم بها العاملين في المجال الطبي،
لايوجد قانون صارم يضمن للمريض حقه كاملا ويمنع بذلك أي تهاون من قبل مقدم الخدمة الصحية
لايوجد قانون صارم يضمن للطبيب حقه ويمنع بذلك أي تطاول لفضي او جسدي من متلقى الخدمة او وسائل الاعلام التي تلوك احاديث لادليل لها ولا مرجعية بل وتزيدها وتضخمها حتى غدا الامر وكأنه حملة منظمة للاشانة بسمعة الطبيب السوداني.
 
لا توجد احصائيات واضحة او دراسات مفهومة او ارقام حقيقية توضح مدى تدني مستوى الخدمة الصحية
وتحلل الاسباب وراء ذلك. البيئة العامة في المنشاءات الصحية ينقصها الكثير .. ويعوزها التنظيم والاشراف والادارة الصحيحة . لا يوجد نظام صارم (اشخاص ، ادوات ، مشاريع .. الخ) يضمن التدريب الطبي المستمر لمقدمي الخدمة الطبية بشكل يتناسب مع احتياجات الناس وماتوفره البيئة الصحية من ادوات
الاخطاء الطبية في كل مكان في العالم لكنها تتضاعف جراء كل نقطة سبق ذكرها اضعاف كثيرة والطبيب ليس ساحرا .. فلم يلقى اللوم على اضعف حلقة في تلك المنظومة العظيمة والتي يفترض ان توفر في نهاية المطاف خدمة صحية مقبولة وبأقل التكاليف للمواطن ..

ان القطاع الصحي في أي مكان يجب ان ينال حقه كاملا من الاهتمام .. وان يدعم بحجم اهميته ماديا ومعنويا من قبل الدوله .. فكم خصصت هذه الدوله المحترمة من ميزانية لهذا القطاع والعاملين فيه؟ هل تعرفون عدد الأطباء اللذين اصبحو اليوم خارج ارض هذا الوطن ؟ ليس لظلم الدولة وسوء الأحوال وانعدام الحيلة فحسب .. انما للشعور المر الذي يغمر أي منهم جراء هذه الحملة المضخمة ضد الأطباء .. والتي ستؤتي ثمارها قريبا جدا عندما تفرغ المستشفيات في هذا البلد من كل من يحمل ضمير في دواخله ويرفض ان تطلق الاتهامات التي قد تصدق وقد تكذب وقد يضاف فيها ما يضاف .. وينقص منها ما ينقص وقد تروى من وجهة نظر اخرى على انتماءه الخاص دون حساب.

لن اقول أي شيء عن قسوة ظروف الطبيب ولا عن وعورة طريقه ولا عن تدني اوضاعه المالية
وسوء البيئة التي يعمل بها وانعدام الموارد التي يتعامل معها .. فكل هذا معروف تماما لدى الكل .. لانه وفي كل اسرة سودانية تقريبا يوجد طبيب مكافح مهزوم مسموم بشعور مر بأن لا مستقبل معروف ينتظره وأن كل ما يقدمه ويلتزم الصبر لا جل تحقيقه .. يواجه بالجحود .. والنكران .. فلايجد للحياة سبيلا الا بسلوك مسلك التجار او الرحيل الى حيث يعطى ما يستحق .. ليس من اجر مالي فحسب انما من علم وتدريب وتقدير وعرفان ...

دعوني اروي لكم هذه القصة كما حدثت تماما ثم دعونا نتخيل السيناريوهات التي حيكت بعد ذلك حول ماجرى:

مجموعة من اطباء الامتياز يعملون في حوادث الاطفال ثم جاءت ام تولول حاملة طفلتها البالغة من العمر عامين وقد اغرقها شقيق لها في حوض الاستحمام عندما سهت عنها للحظة . لم يكن في الحوادث الا الاطباء واسره الفحص واوراق الوصفات الطبية فحسب حتى السمعات كانت تخص الاطباء لا المستشفى ..
ولانه لم يكن هناك أي من الادوات التي تسخدم لانقاذ الحياة قاموا بالبدء بمعملية التنفس الصناعي وانعاش القلب مباشرة .. لاادوات معينه ولا ادوية منقذة للحياة.. .. لافرق بين غرفة الحوادث ورصيف الشارع..
ومنذ دخول الاهل هرع اثنين من الأطباء ركضا الى الصيدلية خارج المستشفى لاحضار الادوية الازمة ..
لكن للاسف عادوا بعد فوات الاوان ..

قد تحكي ام الطفلة لاصدقائها في حرقة عن الاطباء اللذين قتلو ابنتها لانهم تأخرو باحضار الادوية
او لانهم تقاعسوا عن الاتيان بالاجهزة الازمة .. او لان كبيرهم لم يشأ الحضور .. ولاكبير معهم في ذلك الوقت ولا اجهزة بالمستشفى حتى الحقنة الفارغة لاوجود لها الا في الصيدليه وبمقابل مادي وان كان زهيدا ستتهمهم بالتقصير والتخاذل والاجرام في حق الصغيرة ربما .. لانها لا تعرف ماكانو يحتاجونه وقتها ولا ما لم يتوفر او لماذا وقد لاتعرف انهم لم يناموا في تلك الليلة جراء الهزيمة وانعدام الحيلة التي افقدت طفله لم تتجاوز العامين حياتها وان احدهم لا يزال يشكو من طعم المشروب الغازي الذي تناولته الطفلة قبل حمامها الكئيب عالق في فمه حتى اليوم..

ستتحدث من صميم وجعها على طفلتها التي كان من الممكن انقاذها .. ثم ستنقل جارتها القصه مع بعض البهار والاضفات للتشويق والتهويل .. ثم ستنتهي القصة في احدى الصحف بخبر بالخط العريض .. (اطباء يقتلون طفله في الثانية من العمر)!

وذات السيناريو السابق .. حاول البعض احداث تغير .. وقررت مجموعة كبيرة شراء كل الادوية المنقذة للحياة والضمادات وغير ذلك على حسابهم الخاص والكل يعرف الاجرة الزهيدة التي لم تكن كافية لتغطية المصاريف الشخصية للطبيب لكن ذلك ادى الى الاتكال الكلي من ادارة المستشفى على الطبيب فماعادت توفر حتى القليل الذي كانت تتصدق به واصبح الحمل كله على الطبيب . اعرف الكثير من الاطباء اللذين وهبو حياتهم واموالهم وشبابهم لاجل مساعدة الاخرين .. واثروا البقاء برغم توفر الفرص الذهبية لهم .. اثروه لاجل هذا الشعب المغلوب على امره .. وما امرّ ان يسمعوا في كل مجلس سمر او اجتماع عائلة او رحلة اصدقاء عن دناءة الطبيب السوداني وحقارته وانعدام اخلاقة . ما أمرّ ان يجمع الصالحون الاتقياء مع القلة الطالحين تحت مسمى الجشع والانحطاط . لو تعرفون حجم عطاياهم التي لا تحصى وحجم تضحياتهم التي لاتعد لو تعرفون كم نفس احيوها بأذن الله . وكم بسمة زرعوها .. وألم ازالوه (ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعا).

دعونا نتعامل مع هذا الامر بشيء من الحكمة .. ونتحرى العدل .. لان لا نقع في الظلم فندرأ الظلم بالظلم ، دعونا ننظر للقضية بشكل سليم .. وبرؤية شاملة .. وبقلوب سليمة هدفها هو التغير الى الافضل .. بعيد عن نار الغضب .. ومحبتي لكم جميعا.

مدخل للخروج:
إن تحديتِ الذين يمزقون الحلم فينا ارتضيك وإن هجرت الخوف من كل العيون القابعة.. سنفتت الجدران نقتلع الجسور وكل طغيان القبيلة والحصون المانعة.. علمتنِىِ معنى التحدي جئتني بخطى المسير الى  السماء السابعة ..فعلام كنت تصاحبين تغلغل السفن القديمة في المرافىء ياطبيبتي التي رسمت على الافق البعيد خريطة الدنيا وتاريخ الجراحات الندية والدعة.. خط الشعاع عليك هالات الصفاء فجاء حلما بارعا.. (معز).