عكس الريح

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

من صفات المولى عز وجل أنه الكريم أي الكثير الخير، الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وذلك تمجيداً لمعنى الكرم وهو بالتالي صفة الكرام الأفاضل والعظام. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس شرفا ونسبا، وأجود الناس وأكرمهم في العطاء والإنفاق، فقد أتاه رجل يطلب منه مالا، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنما بين جبلين فأخذها كلها ورجع إلى قومه وقال لهم: أسلموا، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

 

وكذلك كانت السيدة عائشة رضي الله عنها فقد بعث معاوية - رضي الله عنه - إليها بمال قدره مائة وثمانون ألف درهم، فأخذت تقسمه وتوزعه على الناس حتى تصدقت به كله، وكانت صائمة، فأمرت جاريتها أن تحضر لها الطعام لتفطر، فأحضرت لها الجارية خبزاً وزيتا، وقالت لها: أما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا لحما بدرهم لنفطر عليه، وهكذا تصدقتْ بهذا المبلغ الكبير، ونسيت أن تبقي درهما تشتري به طعاما لإفطارها.

 

وحين ترد في ذاكرتنا هذه الأمثلة والعبر العظيمة نستشرف أناساً كانت خصلة الكرم ديدنهم فسموا في نفوسنا قمماً سامقة بالمحبة والإشراق لأن فضلهم لا يعود لقلة من البشر ولا لمجتمع صغير ولا حتى أمة واحدة بل على البشرية جمعاء. تقف على مشارف هؤلاء النفر النبيل سمو الأميرة الجوهرة بنت ابراهيم البراهيم حرم المغفور له بإذن الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز عليه رحمة الله والتي فضائلها في الخير وعطاؤها الإنساني يفوق المدى طولا ويتجسد في كثير من الأعمال الجليلة والتي كان لي شرف الوقوف على جزء منها يتمثل في تبرعها السخي لإقامة أحدث مركز للطب الجزيئي وعلوم المورثات والأمراض الوراثية في منطقتنا العربية والذي أتشرف برئاسته الآن.

 

ليس الكرم المتجرد وحده يقف شاهداً على حجم العطاء، لكن الوعي بأهمية الفكرة لكسر التداعي الصحي في مجال الوراثة يمثل معضلة حقيقية وتحدي استراتيجي بالإضافة للإيمان بالقضية الإنسانية ومجابتها بسلاح الكرم والبذل والعطاء والتقدير يجعل منها قيمة تقدمية تسبق العصر بآلاف السنوات الضوئية وتؤكد أن المرأة متى ما اتيحت لها السانحة أشرقت وهجاً سماوياً مقدساً في العطاء والبذل والمساهمة وأصبحت رائدة في دفع عملية البناء الإنساني الذي تبقى الصحة فيه معول البناء الأول وعنوان حضارته المتفوقة وهو ما شكلته أيادي الأميرة الجوهرة البيضاء في نفوس كل من عرف أصل الحياة وفهم معنى الشموخ.

إنه لمفخرة حقيقية لوطننا العربي الكبير أن تتبنى الأميرة الجوهرة وتدعم بسخاء عظيم مشروعاً علمياً وصحياً متفرداً يتمثل في مركز للطب الجزيئي وعلوم المورثات والأمراض الوراثية بجامعة خليجية رائدة وهي جامعة الخليج العربي والتي تمثل رمزاً لوحدة العمل الخليجي المشترك لأبناء المنطقة في مجال التعليم الطبي والصحي والبحث العلمي. فالطب الجزيئي هو أحدث فروع الطب المتقدم وبذلك يصبح مركز سموها صرحاً علمياً بارزاً يؤطر لمعرفة حقيقية بالعلوم الحديثة، لا وبل يصبح قسماً أكاديمياً بكلية الطب – جامعة الخليج العربي - وذلك لأول مرة في العالم العربي حيث يدرس طلاب الطب وطلاب الدراسات العليا مبادئ الطب الجزيئي وعلوم المورثات والأمراض الوراثية ويعمل أيضاً على تقديم خدمات تشخيصية وبحثية بالإضافة لرسالته التعليمية.

 

يركز لطب الجزيئي (Molecular Medicine) على فهم الجزيئات الرئيسية لوظائف الجسم والتي لها علاقة مباشرة بالآليات الأساسية للأمراض. كما يهتم بتغيير التكوين الجزيئي للمركبات الكيميائية و البروتينات لتطوير وسائل التشخيص والعلاج والوقاية من المرض مستخدماً وسائل الأحياء الجزيئية والخلوية والكيمياء الحيوية وعلوم المورثات والمناعة، وذلك لدراسة الأمراض الوراثية والأمراض الباطنة المكتسبة وذات الصلة بالطفرات الجينية التي منها على سبيل المثال مرض السكري والحساسية وأمراض الدم والشيخوخة والأورام والتشوهات الخلقية الخ، مما يجعل هذا الفرع من العلوم الطبية يرتبط و يتكامل مع كل الفروع الأخرى بينما يتفرد ويتخصص في علوم المورثات والأمراض الوراثية، الأمراض الإستقلابية، المناعة الجزيئية والأحياء الجزيئية والخلوية.

 

تتلخص رؤية المركز في إيجاد نظام طبي وبحثي وتعليمي ذا جودة عالية قادر على تقديم خدمات تشخيصية وعلاجية وبحثية وتعليمية وتخريج كوادر بشرية مؤهلة ومتخصصة في مختلف فروع الطب الجزيئي وعلوم الجينات والأمراض الوراثية تلبي احتياجات المجتمع الخليجي والعربي الحالية والمستقبلية ليصبح المركز الرائد في مجال تخصصه في الوطن العربي. وللمركز رسالة وأهداف واستراتيجيات واضحة ومحددة في سبيل تحقيق هذه الرؤية حتى يتحول الحلم الكبير لواقع معاش تستفيد منه الأمة وترتفع به قامتها لتكون عالية خفاقة بين مصاف الدول المتقدمة.

 

ولعل من دواعي سرورنا أن هذا الصرح الكبير تقف امرأة عظيمة خلفه بعطائها الإنساني والمادي الكبيرً، فالمرأة هي دائماً رمز حضاري للبشرية وعطاؤها لا تحده الحدود في كل المجالات ومتى ما أردنا أن ننظر لتقدم أمة ما وتميزها فما علينا إلا أن ننظر لموقع ودور المرأة فيها. لذلك يبقى مكان عزة لنا وفخار أن يكون التوجه السامي والسند المادي الكبير من قبل سمو الأميرة الجوهرة بنت إبراهيم البراهيم، حفظها الله، هو الدعم الحقيقي لقيام مركز للطب الجزيئي وعلوم المورثات والأمراض الوراثية في جامعة الخليج العربي.

 

ولا زال الحلم بواقع علمي حضاري متميز بوطننا يجعله كما يستحق أن يكون بين الأمم قائماً وصاحياً ومتوهجاً في نفوسنا، وفي سبيل تحقيقه أعجبتني بادرة نداء الوطن التي أطلقتها سفارة جمهورية السودان بالبحرين لتقديم مشروعات ذات رؤى علمية متقدمة ومتفردة تسهم في بناء الوطن، فأعلنت عندها الحرب على البعد وقدمت مشروعاً علمياً رائداً لقيام حديقة علمية للتقنية الحيوية في مجال الصحة (Health Biotechnology Park) من أجل تحسين الخدمات الصحية والتعليم والبحوث وتقديم الأنشطة العلمية والإنتاجية المستدامة اقتصاديا والمساهمة في تنمية الوطن الأمر الذي يجعلنا دون شك البلد الأول في أفريقيا والشرق الأوسط في مجال الصحة، وإن تفضلت الدولة بتبني هذا المشروع بدلاً عن وعن وعن فمرحى بالوطن ووداعاً لكل اغتراب.

 

مدخل للخروج:

يا مطراً يهطل ثملاً فوق جروف الزمن العابر سقف الحين.. من ملك هواك امتلك الكوكب والأضواء بعين الوطن الساكن بيني وعداً يخطف برق الحرقة وهو رزين.. يا وطن العزة كن فنكون ، على أعتاب الحق أنين اللوعة سوف يهون ، وجرح النشأة والتكوين..

 

معز – البحرين