بتجرد



يؤخذ عليّ الاسهاب والتطويل  في كتابة العمود الراتب، مع الأخذ في الاعتبار أن الصحافة الغربية تطلق على العمود إسم عمود (الثرثرة) . حيث يتحدث الكاتب إلى القراء كما لو كان يتحدث إلى أصدقائه و معارفه. و لهذا فإن لهذه الأعمدة شعبية كبيرة لدى قراء الصحف . و غالبا ما يجنح كثير من كتاب الأعمدة إلى أسلوب السخرية اللاذعة.  فما عساي أن أفعل وأنا أحب الثرثرة والسخرية؟!.
ودوافع هذا الحب نابعة لكوني أعيش ضمن مجتمع لم يتبق له  إلا الثرثثرة  في  كل شيء دون أن يمد يديه إلى جيبه ليدفع مقابلها ، والثرثرة هي الشيء الوحيد المتاح له دون أن يسدد عنها رسوم جمركية، و لا ضريبة قيمة مضافة، ولا تحتاج للدولار  لفتح خطاب اعتماد مصرفي  لإستيراها!!
فالمشكلة التي تواجه أمثالي، ليس القدرة على الايجاز، بل عدم القدرة على تتبع الإيقاع السريع للأحداث  والشائعات  في  بلادنا، فيحاول أمثالي اللحاق بما  "يرشح" ( حلوة يرشح دي)  من أخبار  ليجد مادةً يكتب عنها ، فيظهر العمود " كالسلطة " فيه من كل لون، وعذرك أنك  لا ترغب في تتخلف عن  أي  شيء وأنا أمثل ( التخلف)  في أجلى صورة له وذلك على اعتبار أن الجمل لا يرى اعوجاج رقبته !! .
خذ  مثلاً التعديل الوزاري الذي نشرت كثير من الصحف عنه ما أسمته (تسريبات) والبعض الآخر  نشر  ما (رشح) من أسماء، كانت كلها تخمينات لم يثبت بينها خبرٌ  واحد مؤكد!!، وبلغ ببعضها تحديد موعد الاعلان  عنها بمساء الخميس قبل الفارط، فتسمرنا أمام التلفزيون بانتظار نشرة العاشرة، فكان انتظارنا كما انتظارنا  لظهور المهدي المنتظر!! .. وربما هذا تكتيك لزيادة توزيع الصحف !!، وفؤجئنا بأسماء  في  التعديل  لم  يذكر  منها إلا اسم أو اسمين فقط ،  وكانت التوقعات أصلاً  تشير  بتغييرها!!
يقول المرحوم  مصطفى  أمين صاحب عمود " فكرة": [ للعمود الصحفي خصائص أرى أنه يجب  أن  يكون  فيه  شيء جديد ... و أن يكون  مختلفا  و قصيرا ... و عندما أكتب العمود، لا أكتب ما يفضله القارئ و إنما أكتب ما أفضله أنا ... أكتب ما أتنفسه... يمكن أن يكون صرخة ...دمعة ...ضحكة ... همسة ]!!
ككاتب  عمود  اعترف  بأني (ثرثار) بامتياز، لأن كل شيء قابل لدينا للتخمين، وطالما ليس هناك شيء مؤكد فلا  بد من أن تثرثر عسى أن تقع  فيمن يدُلَّك على الحقيقة الغائبة ويقال في الأمثال  ( المُوَدِّر  يفتح خشم البقرة)!! . و(الثرثرة)  هي المدخل الرئيس لحب الاستطلاع، والأخبار  في بلادنا تستدعي  (الثرثرة)  مع  من  تعتقد  أنه  قريب  من المطبخ السياسي وخبير  ببواطن  الأمور، فتتوسم  فيه انفلات لسانه  في  لحظة  تجلي عندما  (يثرثر) معك بما تعتقد أنه الخبر اليقين من شدة إيهامه لك بقربه من دائرة اتخاذ القرار!! ، وفي النهاية تكتشف أن الأمر مجرد (ثرثرة) وبعيد عن الحقيقة بعد الثرى من الثريا!!
ولنأخذ مثلاً أخر ، فعادةً ما تستغرق الزيارات العائلية بين الزوجات، والمعروف عنهن (الثرثرة) "الشمارات"، ما ليس أقل من ساعة ، ولكن (الثرثرة) مابين الاستئذان بالانصراف والانصراف الفعلي  تستغرق ساعة ونصف أخرى،  يكون مسرحها المسافة بين غرفة الجلوس وباب المنزل.!!
والانسان ابن بيئته.. وأنا ابن البيئة!! ... وسلامتكم،،،،
( جريدة الصحافة)