بتجرد


بُعيد إنتخابات 1986 التي أجراها المشير عبدالرحمن سوارالدهب - رئيس المجلس العسكري الانتقالي- باراً بقسمه بتسليم السلطة إلى لحكومة المنتخبة في أجلٍ حدده، طُلب منه الإستمرار  بتصريف أعمال الدولة حتى يتم تشكيل الحكومة الجديدة، فرفض الرجل الكبير في إصرار، فيا للهول أيوجد بيننا سودانياً يرفض أن يستمر حاكماً لمليون ميل مربع ويجثم فوق أنفاس كذا ثلاثين مليون سياسي، كلهم طامع بالحكم!!، فإن كانت سطوة السلطة وشهوتها قد تمكنت منه فلن يلومه أحد إن تمسك بها، لأنها واتته وإذا عمل بالمثل القائل>> إذا أتتك رياحك فاغتنمها<<، ولكن الرجل كان زاهداً في الأبهة والبهرج وحُب السلطة وسحر السلطان فركلها!!. ثمّ تلت فترة حكمه الإنتقالي الحكومة المنتخبة وذاق الناس ويلاتها خلال ثلاث سنواتٍ عجاف، ولكن قَدِّر أيها - القاريء العزيز- أنهن كن سبع!! - نحمد الله- على أنهن لم يكن كذلك، وأن ذلك حدث، فمن أين لنا بسيدنا يوسف الصديق لتأويل رؤيا فرعون؟!، فيكفينا شر الثلاث بقراتٍ العجاف التي عشناها بُعيد تسليم المشير سوارالدهب الحكم، للذين أتوا عبر صناديق الإنتخابات التي ظننا أنهم سيحيلون شظف عيشنا إلى رغدٍ، فحدث العكس؟! ، فقد عشنا يومها أسوأ أيام حياتنا، سنوات لم يكن يدانيها إلا مجاعة سنة 1906!! ، ولولا لطف الله لكنا لطمنا الخدود وشققنا الجيوب وقلنا ليت المشير سوالدهب إستمر في الحكم!!، وليتنا ترجيناه فينزل عند رغبتنا فيستمر، ولكن سبق السيف العذل فنطّ الإمام الحبيب في رئاسة الحكومة مؤتلفاً مع حزب رجلٍ من أندر وأغلى الرجال والذي أعلن عن كفره بالديمقراطية وقال قولته الشهيرة التي يذكرها الجميع!!، الإمام الحبيب يعتقد بخيار واحد هو الرئاسة،  وإلا فالمعارضة إلى أن تحل آجال الله ، لكنه لن يترجل بأخوي وأخوك!!
ولما كان الشيء بالشيء، ، وسأتطرق لأحد العبر بطلها السياسي الفرنسي الداهية "كيلمنصو"، ألقى يومها خطبة عصماء قبيل مغادرته الكرسي، ،  والحقيقة كانت خطبته مستفزة ، عبارة عن درس في الكبرياء والغطرسة، المهم راح "الداهية" يعيش عند شاطيء البحر مستعيضاً بأمواجه المتدافعة عن تدافع بني البشر على المثل العليا الكاذبة!!، فذكر أنه قد دخل على "كيلمنصو" رجل أمريكي وأخذ يحييه بحرارة ويقبل يديه، فاستغرب " كيلمنصو" من هذه المفاجاة، وشكر الرجل على لطفه المتناهي!!، وأردف الأمريكي قائلاً: الماثل أمامكم فلان، وهو من المعجبين بكم، وقد جئت لفرنسا لأعرض عليكم فكرةً، فقد أنعم الله عليّ بالمال الوفير، وقد سمعت الكثير عن وطنيتكم وتجردكم وجرأتكم في كل مضمار، والآن بعد أن إعتزلتم السياسة إرادتكم لتتركوا فسحة لجيل غيركم ليحكم، أحببت أن أدعوكم إلى أمريكا فأبني  لكم قصراً يليق بكم، وأضع بتصرفكم سيارة فخمة بسائقها، وذلك كله على نفقتي الخاصة، ودون أي مقابل سوى وجودكم في بلادي التي ستعتز بأن يكون " كيلمنصو" من سكانها!!. فإبتسم النمر الفرنسي وقال: أشكر لك سيدي  على هذه العاطفة النبيلة، وأعتذر  عن القبول لأني أريد أن أقضي أخر أيامي في فرنسا!! .
وعاد الأمريكي إلى الإلحاح وقال: ثق سيدي بأنه لن يعرف أحد من الناس سر هذا الإتفاق بيننا، فصاح " كليمنصو" في وجهه: ويحك أيها الرجل، وأنا .. ألن أعرف به!! . نعم، شهوات الدنيا كثيرة، فمن منا لا يفضل أحدها؟!  كرسي الحكم مثلاً ، حب الوطن  ،  حب المال والسلطة معاً ، أو  المال فقط ، أو  المغامرات النسائية، و أمجاد الفن والشعر والأدب، أو يحب الستر مع الكرامة وعزة النفس على كل ما في الوجود!!
ترى ماذا يحب قادة أحزابنا - التقليدية التي تجاوزها الزمن - من هذه الخيارات ، سواء كانوا قادة أحزاب حاكمة أو موالية أو معارضة؟! .. ومن منكم يعتقد أن بينهم من يختار خيار " كيلمنصو" الذي إعتزل السياسة، فمن منهم سيرفض عرض الثري الأمريكي ورفضه "كيلمنصو"؟! وكلهم قد بلغ من العمر عتيا،  لماذا لا ينطق سن المعاش على الساسة في بلادنا العزيزة؟!! ..
وسلامتكم.. عوافي،،،

المصدر :جريدة  الصحافة


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.