"الاقتصاد هو العامل الأساسي في تشكيل الحياة" .. كارل ماركس!
في العام 2002م  كان تقرير برنامج الأمم المتحدة حول مؤشرات الفقر الإنساني في الدول العربية يضع السودان في ذيل قائمته (المرتبة العاشرة بنسبة 31%) بينما كانت المغرب في (المرتبة الحادية عشرة بنسبة 34% ) ..!
وبينما تقهقُر السودان، أصبحت تجربة المغرب نموذجاً في محاربة الفقر بعد أن تمكنت حكومتها من تقليص أعداد الفقراء فيها إلى النصف فقط، خلال أقل من عشر سنوات، بحيث أصبحت – اليوم - مضرب أمثالنا في مثل هذا المقام ..!
ماذا فعل ذلك البلد الذي فاق عدد سكانه الثلاثين مليون نسمة، مع افتقاره إلى أهم الموارد الطبيعية؟! .. لا شيء أكثر من أنه تعامل بواقعية وجدية وانتهج التخطيط، فكثف مشاريع البنيات التحتية، وتبني سياسة فعالة في ما يخص السلفيات الصغرى والمتوسطة (منح القروض والسلفيات الصغرى للجمعيات والمقاولين الشباب، واستحدث أكثر من مائة ألف وظيفة في المدن، فقلص بذلك نسبة البطالة وحرك عجلة التنمية في المجتمعات الفقيرة) ..
الحكومة المغربية دعمت مبادرات المجتمع المدني لمحاربة الفقر، ورشدت الإعفاءات الضريبية وتحرت العدالة في فرض الجبايات، ورصدت استثمارات كبرى لمشاريع أساسية بالمناطق الريفية (شقت الطرق بين القرى وأخرجت سكانها من عزلتهم الإجبارية فانتعشت بذلك أسواقهم المحلية) وهكذا استطاعت بذلك أن تقلص نسبة الفقر من 16.2 في العام 2000م - إلى 9 حتى مطلع العام الماضي ..!
والآن، بنظرة إلى الأمام، ما الذي يمكن أن تفعله حكومة السودان بعد تعاقب - ذات العقد من الزمان- لتقليص معدلات فقر وعوز هذا الشعب الصبور ..؟!
إذا سلمنا بأن أنظمة المعاشات لا تعني خروج كافة المشمولين بمظلتها من دائرة الفقر، (خصوصاً أن معظم الأجور التقاعدية في السودان، تضع الغالبية العظمى من المعاشيين تحت خط الفقر) فإنه لابد من رؤية واقعية لتقدير الأجر التقاعدي وتفعيل المشاريع الضمان الاجتماعي ..!
لا بد من التخطيط لبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية .. الدقة في إجراء دراسات الجدوى المتعلقة بمشروعات وبرامج مكافحة الفقر.. السعي إلى الاستفادة من تجارب الآخرين  .. التركيز على مشروعات التنمية الريفية وتكثيف التدريب المهني .. الجدية في دعم مشاريع المعاشيين وتبني أفكار الشباب، والوقوف مع محاولات النساء الكادحات لتحسين دخل الأسرة ..!
تقليص معدلات الفقر يكون أيضاً بزيادة الإنفاق العام على الصحة، واستحداث خطة إستراتيجية لمجانية علاج الطوارئ وتوفير الأدوية المنقذة للحياة في الريف قبل الحضر ..
والأهم من كل هذا وذاك أن تصل الدولة إلى قناعة حقيقية بدعم المصارف والمؤسسات التمويلية، وأن ترفع ضغوط سياساتها الكلية عن كاهل مؤسسات التمويل الأصغر، لا بد أن يخفت هاجس ضمان الربحية، حتى تتمكن البنوك من رفع السياسات المتعسفة في ضمان السداد عن أكتاف المقترضين/الفقراء .. لا بد من إعادة توجيه دفة سياسة تمويل الفقراء – بحيث تصبح وجهتها - نحو الدوافع قبل الضمانات ..!
إذا اشعل الشحاذون في هذا البلد  شرارة ثورة، فسوف تضرم نارها الأغلبية الصامتة عن ذل السؤال ..!
منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.