fadil awadala [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي هو مؤرخ مصري عاصر الحملة الفرنسية على مصر ووصف تلك الفترة بالتفصيل في كتابه المعروف إختصاراً بـ تاريخ الجبرتى والذي يعد مرجعاً أساسياً لتلك الفترة الهامة ، وقدم جده من قرية جبرت - والّتي تقع في ارتريا -  إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، واستقر بها .  وشيخنا الجليل بابكر بدرى هو (جبرتى) قرن كامل من تاريخنا المعاصر ورائد المؤرخين السودانيين ، فقد رصد لنا تاريخ السودان عبر سنوات عمره المديد الذى قارب المائة عام  بعيون مُعاصر وُمعايش لتلك الحقبة الممتدة منذ منتصف القرن التاسع عشر الى منتصف القرن الماضى ، عاصر فيها الثورة المهدية وأنخرط فى صفوفها مقاتلاً ومجاهداً وخاض معظم ملاحمها وحروبها ... فى حصار الخرطوم وتحريرها ، وفى توشكى حين سار مجاهداً هو وأمه وأبوه وزوجته وأخوانه وأخواته فى جيش ود النجومى وأنتهى به الأمر الى ذل الأسر فى صعيد مصر ، ثم أُفرج عنه وعاد للوطن ليشارك فى آخر ملاحم الثورة فى كررى . وبعد انكسار الثورة أدرك الشيخ بثاقب بصيرته أن سلاح العلم ليس أقل بأساً من السيف فى مقارعة المستعمر فنذر نصف قرن من عمره فى نشر التعليم بين أبناء وبنات الوطن .
والشيخ رغم مثابرته وصرامته وجلده فى المضى مع حُلمه التعليمى النبيل إلا أنه كان يتمتع بقدر عال من الطرافة والدهاء ، وّظفه بإقتدار لتحقيق ذاك الحُلم . ومن الطرائف التى تُنسب له - ولا أعلم مدى صحتها – أنه وفى أواخر الاربعينات من القرن الماضى عيّن فى مدارسه (مدارس الأحفاد) أستاذاً لللغة الإنجليزية شهد له الجميع بالكفاءة والإقتدار فى هذا المجال وهو الأستاذ (أ.ا.) . وكان الشيخ سعيداً بأداء الأستاذ ، إلا أنه فُجع فى مدرسه حين تناهى الى سمعه أن قلم المخابرات السرية بقيادة إدوار عطية على عهد الحكم الإستعمارى غير راض عن وجود هذا الأستاذ فى مدارس الشيخ نظراً لكونه من أبكار معتنقى الفكر الشيوعى فى السودان ، ومثل هذا الإمتعاض من قبل حكومة الأنجليز كان يمثل تهديداً ماحقاً وعراقيلاً متوقعة لمشروع الشيخ التعليمى . فكر الشيخ وقدّر وأخيراً أسعفه دهاء أهله الرباطاب بالحل المرجو للخروج من هذا المأزق ، ليس خوفاً من الإنجليز وهو الذى جالدهم بسيفه ولكن حرصاً على الحُلم الذى وهبه نصف عمره .
ذات صباح باكر وفى فناء المدرسة قطع الشيخ الطريق على الأستاذ (أ.ا.) وهو يتأهب للدخول الى فصل تلاميذه ليلقى عليهم درس الإنجليزى ، وباغته بأنه يريد  أن يحضر تلك الحصة معه فى الفصل ووسط التلاميذ . تعجب الأستاذ من الطلب وأوضح للشيخ أن درس الإنجليزى قد يتعذر عليه إستيعابه ، ولكن أمام إصرار الشيخ لم يملك سوى الرضوخ ، وبالفعل ظل شيخ بابكر يرمق شفتى الأستاذ وصوته طوال زمن الحصة بعين أرادها أن تبدو فاحصة وبأذنين متوثبتين ، وما أن إنتهت الحصة وانصرف التلاميذ حتى سارع الشيخ نحو الأستاذ وهو يقول : ( شوف يا ولدى ... أنا الإنجليزى ده سمعت رطانتو من سيادو الإنجليز ... وسمعتو من خشيم يوسف ولدى .. إلا جنس انجليزيك ده يطرشنى تب ما سمعتا بيهو ! ) ... وكان ذلك آخر عهد للأستاذ (أ.ا.) بمدارس الشيخ الجليل إذ إنصرف منها وهو يضحك ويتأمل فى دهاء الرباطاب بتقدير كبير .