fadil awadala [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
رغم إيمانى من منطلق علمى بأهمية مشروع الرقم الوطنى لكونه يمثل نواة لقاعدة بيانات يمكن أن تفيد فى ترقية إفادة المواطن فى الحفاظ على حقوقه وتحديد واجباته ، وفى تحقيق الإقتسام المشروع للثروة بين أقاليم البلاد وتحقيق التنمية المتوازنة ، إلا أنه هالنى  أن تحتوى إستمارة التقديم لهذا الرقم على سؤال يتعلق بالقبيلة التى ينتمى لها مقدم الطلب . إن هذا السؤال مهما تباينت مبرراته يمثل ردة مؤلمة لعهود لم يعرفها إلا أباؤنا وأجدادنا على عهد المستعمر ، وقد قاوموا هذا التوجه عبر وعيهم المبكر  إدراكاً منهم لخطورة أن يعلو الإنتماء القبلى على الإنتماء الوطنى وأن يُصنف أبناء الوطن الواحد تصنيفاً قبلياً . ولعل أبناء جيلى الذين وُلدوا قبل سنوات قليلة من الإستقلال لاحظوا أن شهادات ميلادهم لا تخلو خانة الجنسية فيها من مفردات على شاكلة جعلى .. دنقلاوى .. دينكاوى .. فوراوى .. هدندوى وغيرها ، وما لبثت تلك المفردات النافرة والمتنافرة أن تبخرت مع عهد الأستقلال لتستوى مكانها فى خانة الجنسية مفردة واحدة بهيجة هى سودانى ... سودانى وبس .
ولقد قادت نخب الحركة الوطنية بمختلف إنتماءاتها ومدارسها السياسية معارك باسلة فى إطار مؤتمر الخريجين ضد هذا التوجه السالب الذى تبنته حكومة المستعمر وقاومت تداعياته التى تقسم المواطنين حسب أعراقهم وقبائلهم ، تداعيات تمثلت فى سن قوانين سيئة السمعة مثل قانون المناطق المقفولة وقيام أجهزة سياسية صورية مثل المجلس الإستشارى لشمال السودان ، وراح الشعب بأكمله وبمختلف أعراقه وقبائله يتغنى بـ (فى الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوعى الوطن العزيز ... نحن للقومية النبيلة .. ما بندور عصبية القبيلة .. تربى فينا ضغاين وبيلة .. تزيد مصايب الوطن العزيز) .
إن القبيلة والإنتماء القبلى لا يصلحا كمعيار للمواطنة ، وحتى إن أُريد لهذا المعيار أن يصبح أداة فرز  للتداخل السكانى بين دولة الجنوب الوليدة وما تبقى من السودان ، فهى أداة خاسرة وغير عملية ، فماذا عن أبناء قبيلة الدينكا الذين يقطنون منطقة ابييى ، وغيرهم من قبائل التماس على سبيل المثال ؟ وماذا عن قبائل الشمال النوبية وقبائل البشاريين والعبابدة الذين يتداخلون بين شمال السودان وجنوب مصر ؟ وماذا عن قبائل الشرق الذين تتوزع بطونهم بين السودان واريتريا واثيوبيا ؟ والقبائل الدارفورية التى تتناثر ما بين السودان الغربى وتشاد وجنوب ليبيا ؟ إن التاريخ العالمى للبشرية يشير بجلاء ووضوح الى بؤس وخسران التجارب الشائهة لتأسيس الدولة وفق المنظور العرقى ودونكم نماذج النازية الهتلرية فى المانيا وفاشية موسيلينى فى ايطاليا ، ودونكم أيضاً النموذج الإيجابى للولايات المتحدة الامريكية التى إستمدت قوتها وبأسها من ثراء التنوع العرقى وانصهاره فى النسيج الأمريكى القومى .
إن السؤال عن القبيلة فى إستمارة الرقم الوطنى لا أجد له مبرراً منطقياً لا سيما وأن المستهدفين بهذا الإستبيان هم سلفاً سودانيون يحملون الجنسية السودانية ، وآمل ألا يكون الغرض من هذا السؤال المحزن هو وضع خارطة قبلية للمجتمع السودانى فتلك ردة اجتماعية وسياسية لا نرضاها لهذا الوطن العزيز .