هو صديقي وزميلي وأخي الأصغر والأكبر..وهو مؤرخ حياتي الذي يعيد أصولي إلى جزيرة ناوا..وهو أيضا أستاذي وتلميذي..شريكي في محمد وردي ومحمد ميرغني وأبو عركي البخيت وكمال الجزولي والياس فتح الرحمن ..

ذكرياتنا تبدأ من قاهرة المعز وقت كان طالبا في جامعتها وفي سفرنا الأول إلى أوروبا توقفنا هناك لنزوره ]دون سابق معرفة) ومن بعد ذلك تمددت ذكرياتنا إلى باريس حيث جاء بعدنا إلى السوربون فلم يطب له المقام وكنا الأكثر تفهما لموقفه بحكم ما عشناه.ثم إلى اليمن حيث أحبه مبدعون كبار ولم يبخل علي رفاقه من أدباء السودان فقدمنا إليهم أحسن تقديم

هو الشاعر والقاص والسفير..هو القائل بلدي ياحبوب وهو أيضا صاحب القولة الرائجة:ملعون أبوكي بلد..يكتب بالعربية الفصيحة  وأيضا بالدارجة السودانية..سار على نهج نزار قباني في مطالع شبابه وتركه إلى شعر أكثر حداثة وعمقا..بدأ حياته الفنية عروبيا ناصريا وختمها سودانيا قحا بسروال ومركوب ويقيني أنه صار واحدا من أقرب الناس إلى تيار الغابة والصحراء سيء الحظ الذي أصابه انفصال الجنوب برصاصة الرحمة.

هو كل ذلك وأكثر من ذلك فقد ظل على الدوام قريبا إلى القلب بعيدا عن الادعاء لا يحدث عن نفسه ولا يتباهى بها  وبسبب من ذلك يعطي انطباعا بالبراءة والبساطة والفضول المحبب..هو أبو السيد والحردلو وهو ايضا سيد بن احمد بن حر ابن دللو كما ورد في إحدى  مداعباتي لشخصه الحبيب.

حين كتب نزار القباني هوامشه على دفتر النكسة تصدى له الحردلو بقصيدته الداوية(هوامش على دفاترهم) وكان أيامها ناصريا لا تأخذه لومة لائم.

وحين سأله احدهم ما يكون السودان رد عليه بقصيدته الأشهر :"نحنا" والتي جاء فيها إن اجداده ترهاقا وبعانخي ووالده المهدي عليه السلام

وهو الذي كتب تحت اسم وهمي قصيدة (من قتل الإمام ) وفيها تعريض كثير وانتقاد للمخلوع نميري حين لبس في أخريات  أيامه جلد الإمام أمير المؤمنين.وتعتبر تلك القصيدة عملا كفاحيا أسس للثورة التي عصفت بذلك النظام..وصبيحة الثورة في رجب/ابريل وقف ذلك الشامخ أمام رفاقه الثوار في الميدان الشرقي لجامعة الخرطوم ليعترف بأبوته للقصيدة ويلهب بها أكف الحاضرين  .

وفي بيت من أروع ما كتب السودانيون نظر الى خريطة السودان القديمة الجميلة فرأى أنها شبيهة بجناح فراشة تهم بالتحليق ولا شك ان إحساسه الرقيق لم يقبل بتشويه جناح الفراشة واختار الرحيل على العيش في جناح فراشة مقصوص.

وكان مقدرا لأبو السيد أن يكون روائيا كبيرا لولا ذلك الاستقبال البشع الذي قوبلت به مجموعته القصصية الأولى(ملعون أبوكي بلد) من قبل المتنطعين ضيقي الأفق الذين ظنوا أن للبلد أبا لا تجوز عليه اللعنة فانحصرت كل اعتراضاتهم في العنوان دون المحتوى.والآن وقد مرت السنون فقد أصبح نفس القوم يلعنون –جهارا نهارا- سنسفيل أجداد البلد.ولقد سمعت مالك عقار (أبو أنس الكلس في رأي أحبابه)يبدأ إحدى تصريحاته لبي بي سي بتلك العبارة وكررها ثلاثا:ملعون ابوكي بلد

وظني أنه كتب الكثير عن الكارثة التي دمرت وجداناتنا بانفصال الجنوب وتحوله إلى دولة أجنبية معادية وهي الكارثة التي زعزعت يقيننا وحولتنا من دولة بحجم قارة إلى دولة بحجم فارة.أما الآن فقد استحال اللقاء..واستحال علينا أن نسمع صوته الجميل يلقي علينا روائع الأشعار..فقد حمل جراحاته وحلق بعيدا بعيدا هذه المرة ملتحقا بالسماء والكواكب والنجوم ليحتل مكانته السامقة كواحد من رموز الثقافة والفن في بلد قليلة الحظ من الكواكب والنجوم.

السلام عليك يا أبو السيد في علياء مقامك بين رفاقك الميامين من أبطال الفن والحرية وإنا على دربك لسائرون فلا نامت أعين الجبناء.

Ibrahim ELMEKKI [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]