اعلن الفريق البشير تخلي نظامه عن سياسة التطهير التي خربت بيوت الناس وشردتهم في الآفاق كما اضعفت الخدمة المدنية او بالاحرى قضت عليها قضاء مبرما إذ جاء عديمو الخبرة والموهبة ليجلسوا على مقاعد الخبراء والموهوبين من فطاحلة الخدمة المدنية والعسكرية  فتخبطوا يمينا ويسارا وبدا عجزهم وفشلهم وفسولة رأيهم لكل ذي عينين بما في ذلك عيون ذويهم وارباب نعمتهم .
لقد تأخر كثيرا هذا القرار ولن يذهب احد من اولئك المغتصبين او يحاسب بسببه اذ انهم قد ذهبوا قبل صدوره بسنوات الى التقاعد المريح فوق أكداس من المال المنهوب بل راح بعضهم يزين صورة نفسه بالوقوف – سرا او جهرا- ضد النظام وسياساته وذلك على مختلف الصور والاشكال متظاهرا بغيرة (كاذبة ومتأخرة عن موعدها) على مباديء الاسلام التي –حسب رأيهم- تلاعب بها الرمز السلطوي وزمرته ومؤيدوه وذلك كلام خارم بارم فقد ولغوا هم شخصيا في الضلال لعشرين عاما وبتلذذ تام والان لن  تشفع لهم توبة غير نصوح عمرها بضعة شهور وليس دافعها خشية الله بل خشية الحساب والرغبة في الانتقام من المحسن الذي انفتحت عيناه فأوقف عنهم إحسانه .
لا اتهم البشير بالعقوق او التنكر للرجال الذين خدموه عبر السنوات الطوال فانه لولا خدمتهم لظل مرهوب الجانب عزيز المكانة عند الناس وما خفض مقداره الا خدمات اولئك المتسلقين فقد قادوه الى مراقد الفتنة والضلال وباسمه ارتكبوا الموبقات الضخام ففتحوا بيوت الاشباح لايغار صدور الناس عليه وعلى حكمه وقاموا بتشريد كبار رجالات البلد من اهل العلم والموهبة وبلقنوا السودان الى دولتين متناحرتين لن يجف الدم بينهما الى يوم القيامة وأعملوا يد الفساد في البلاد والعباد فأصبح الحجر لو قلبته يصيح :آه من الفساد..ويتنهد قائلا: خيبة الله على هذا النظام.
قال أديبنا الاكبر في عنوان روايته "بندر شاه" انها حكاية ان الجد ضحية حفيده .وتنطبق هذه العبارة (بعد تعديلها طبعا) على وضعنا الحالي فهو حكاية ان الرئيس ضحية مؤيديه –ضحية حبهم لذاته العلية وتفانيهم في خدمته او بكلمة اخرى الرئيس هو ضحية الظلم الذي ارتكبوه باسمه. ولكنك لو انعمت النظر لوجدت ان معظم ما قام به اولئك الاعوان لم يكن خدمة للرئيس ونظامه وانما خدمة لانفسهم وارضاء لشهوة انتقامهم وطمع انفسهم ورغائبهم الوضيعة في القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وغيرها من شهوات النفس الامارة بالسوء. اما الان والنذر تتجمع في الفضاء وطوالع النحس تملأ الآفاق فانهم يرددون بلا خجل انه وحده يتحمل وزر ما جرى وليس ذلك فحسب بل يتحمل ايضا وزر ما لحق الحركة الاسلامية من مقت الناس واحتقارهم. وفي الخلاف الذي نشب اول الامر بين اخوان مصر واخوان السودان قال الجانب السوداني ان الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن ولذلك يجب الاستيلاء على السلطة واخضاع الناس عن طريقها لاحكام الدين وذلك بالحراك السياسي بدلا عن التربية الروحية وقال مشهور أحمد مشهور(المرشد العام الاسبق للاخوان المسلمين بمصر) ان فكرة الاخوانية تنهض على التربية الدينية الصحيحة وغرسها في ارواح الافراد وبدونها ستظل ترتكب خطأ بعد خطا اذ ان فاقد الشيء لا يعطيه. وبالفعل ثبت ان الافراد الذين لم تنغرس في ارواحهم مخافة الله وحب الخير لعباده سيفسدون في الارض ويسعون في مصالح انفسهم ويقدمونها على مصالح الجماعة المسلمة. ومصداق ذلك انهم بعد أن شبعوا من المناصب والمال المنهوب وغيرها من خيرات الدنيا وآثامها انقلبوا على بعضهم يتلاومون متخذين من الرمز السلطوي كبش فداء وأضحية تكفر عنهم ذنوبهم الجسام.
لا اعتقد ان التاريخ يتحرك بمشيئة الافراد وما نسميه دور الفرد في التاريخ هو في واقع الامر من عمل المحيطين باولئك الافراد من حاشية وبطانة واتباع ومتنفذين ومستفيدين يتحركون بنوازع انفسهم الخاصة بعد اقناع الرمز السلطوي بتبني  ما يصدر عنهم من افكار شريرة دافعها الحقد او التسلط او ضعف النفس امام المال والشهوات. واولئك هم الذين التفوا حول الرمز السلطوي واغتنوا باسمه وتسنموا المناصب التي ما كانوا بالغيها في ظل المنافسة الشريفة وفي سبيل ذلك لم يكن ضحاياهم من  خارج الحركة الاسلامية فحسب بل ايضا خيرة الموهوبين من ابنائها.وامامك امثلة محجوب عبيد وعلى الحاج وآخرون  الله يعلمهم.
ونظرا للكثرة العددية للمشتغلين بالسياسة فان الناس لا تدخل في مثل هذه التفاصيل فالمهم بنظرهم هو الرمز السلطوي الذي تتلخص في شخصه كل الاثام والموبقات ولذلك لن تجد من يتحدث عن اخطاء المائة وسبعين ألف وزير  اوالمائة  مليون حرامي وسيكتفي الناس بالتحدث عن الرمز السلطوي وحده اختصارا للوقت وتفاديا للتفاصيل.وبذلك المعنى فان بطانة السوء وقد تلوثوا بأقذار الدنيا يجرون الرمز السلطوي معهم الى الاوحال.
Better late than never يقولها السكسون تعزية للنفس عن الشيء يتأخر عن موعده فيقولون ان مجيئه ولو متأخرا خير من عدم مجيئه على وجه الاطلاق ولكن لهم قولة تناقضها تماما هي قولهم
Too late,too little عن الشيء يتأخر عن أوانه وحين يأتي يكون مقداره اقل من المتوقع فلا يشفي غليلا لأحد.فلو اشتمل القرار على الطرد الاجمالي للمتسلقين او التعويض الأدبي للمشردين والمبعدين من مناصبهم ووظائفهم لهان الخطب قليلا وما التصريح الحالي إلا مجرد اعلان لا تتبعه خطوات تنفيذية من أي نوع. ومع ذلك فقد وقع من أنفسنا موقعا ودعم دعوانا في ان ما جرى ما كان ليجري لوأنهم أبقوا علينا في مناصبنا واستمعوا الى نصحنا.وفي مأتم السودان الحالي لا نستطيع ان نقول شيئا سوى تلك الكلمة القديمة المتجددة:لله ما أعطى ولله ما أخذ وذلك رضاء بما يشاء المولى وما يختار.

Ibrahim ELMEKKI [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]