=============
وكأنما كان القوم في كتمة وحرمان شديد، وشوق للمظاهرات والاحتجاجات ...ثم هبت عليهم فجأة رياح الحرية ، فافرغوا كل ما في جوف من انفلات بعد أن أتاحت لهم الديمقراطية ذلك، وببلاش! وعندما نقول ببلاش ، لأن كل مظاهرة أو وقفة احتجاجية أو اضراب عن العمل، ولو كان محدودا، انما هو توقف للانتاج وفيه خسارة مادية لجهة العمل ومعنوية وتعطيل لمصالح الناس.. بل هي ( اجازة) مجانية وغصبا عن القانون..
ولو حسبنا عدد المظاهرات والوقفات الاحتجاجية والتهديد بها، ناهيك عن المسيرات المليونية في العاصمة والأقاليم. منذ الاطاحة بالنظام البائد، وحتي كتابة هذا المقال، لفاق عددها ، كل الاحتجاجات المشابهة لها منذ عهد الاستقلال.
أكتب هذا المقال، وأطالع علي صفحات التواصل الأجتماعي، وأعمدة الصحف المحلية، عشرات العناوين بالدعوات للاضراب أو الوقفات الاحتجاجية، وبعضها قد تم تنفيذه بالفعل.. ولعل أبرز ذلك:
• اضراب محاسبي ولاية كسلا يدخل يومه الثامن
• أصحاب الشاحنات بالبحر الأحمر يهددون بالتوقف عن العمل.
• لجان مقاومة كوستي تغلق الكبري.
• وقفة احتجاجية لأبناء منطقة نوري( وتتبرأ منها لجان المقاومة).
• تجمع المهنيين يهدد بالاضراب في حال عدم اجازة قانون النقابات الموحد.
• دعوة للخروج ضد القراي!!
تري...هل أدمن الشعب السوداني ( جانحة) المظاهرات والتوقف عن العمل ، حتي أصبح لها ( سلالات متطورة) كما نري في دعوة الخروج ضد الدكتور القراي، وكأنما القراي يمثل ذاته، وليس ضمن فريق عمل متخصص يتبع لوزارة التربية والتعليم ؟
يقول علماء النفس، عن الاضرابات، وأسبابها السايكولوجية، ومنهم رائد علم النفس التحليلي(سيجموند فرويد)، بأن الفرد عندما ينخرط في جماعة او جمهور معارض، سرعان ما يكتسب سمات مغايرة لم تكن موجودة فيه سابقا، أي أن سلوك الفرد يتغير وسط الكتل البشرية مما قد يكسبه الراحة النفسية والتنفيس عن متاعبه الحياتية، ولو مؤقتا.
ويصف( جوستاف لوبان)، عالم الاجتماع، وعلم نفس الجماهير ، الفرنسي، الحالة التي تطرأ علي الفرد المشارك في التظاهرات ،الشعور بعدم التمايز بين الافراد ، وعدم الخوف والتهرب من المساءلة عندما تحدث أعمال شغب أو تخريب للأبنية أو تدمير للممتلكات العامة.
وعموما، يتحدث علماء النفس، عن ثلاثة أسباب رئيسية تدفع الناس الي الاضراب او الخروج الي الشوارع احتجاجا...منها ( القيمة المتوقعة)..أي ما يتوقعه المتظاهرون في الحصول عليه اذا نزلوا الي الشوارع.
والسبب الثاني، ( الشعور بانهم يعاملون بأقل ما يجب) وبطريقة أقل انصافا. أما السبب الثالث فهو( التعاطف) مع الاخرين ، أو مع أفراد أو جماعات يشبهونهم أو يشعرون بضرورة الدفاع عن قضاياهم حتي ولوكانت ( الحالة) ليست تعنيهم بشكل مباشر.
وللأسف، والحديث لا يزال لعلماء النفس، غالبا ما تختلط تلك المشاعر مع بعضها البعض لتشتعل حرارة الدافع، سواء أكان اضرابا أو وقفة احتجاجية أو خروجا الي الشوارع ، فتبدأ موجة الغضب مع تراجع الشعور بالذنب، وارتفاع فكره أنه( لم يعد لدينا ما نخسره) !! فهل صحيح ، لم يعد لدينا ما نخسره عندما نقوم بتلك الاحتجاجات المتكررة؟ بالعكس تماما...فنحن نفقد المصداقية في مطالبنا...وفقد الاحساس بالمسئولية الوطنية...وربما نفقد ، بتلك الافعال، أهم مكتسباتنا بعد الثورة المجيدة...قد نقد الحرية...قد نفقد الديمقراطية..قد نفقد بناء الوطن...ونكرر بذلك نفس الأخطاء التي ارتكبانها بحق تجاربنا الديقراطية السابقة..بذات المعاول الهدامة ..وكثرة الاحتجاجات والمسيرات الشعبية في الصغيرة والكبيرة ، حتي أصبحت هواية لمن لا هواية له.
د.فراج الشيخ الفزاري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.