أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 09 مايو, 2008 10:12:44 AM

 تناسخ العقلية الأمنية!!

عدنان زاهر

elsadati2008@gmail.com

 كثير من الأحداث الجارية و الواردة فى الاخبار فى الآونة الأخيرة، تستحق الاهتمام و التناول بالتحليل لمادتها، لكن فى أغلب الاحيان الوقت لا يسع و لا يكفى. بالرغم من ذلك هنالك بعض الاحداث تدفعك دفعا للكتابة عنها ، بالطبع لا تجد مناصا غير فعل ذلك. من بين تلك الشاكلة من الأحداث خبر قامت بنشره صحيفة الشرق الأوسط الصادرة بتاريخ 17 أبريل 2008 يتحدث عن هروب تسع سجناء من أحد السجون بالمغرب. تم الهروب بطريقة تشابه الى حد كبير الطريقة التى هرب بها الممثل المشهور " كلنت استوود " فى فيلم عرض فى سبعينات القرن الماضى بأسم " سجين الكتراز ". و الكتراز لمن لم يشاهد الفيلم سجن شيد فى جزيرة فى امريكا، توجد به اجراءات استثنائية لا توجد فى سجن آخر داخل الولايات المتحدة. السجن تم قفله من قبل السلطات بعد الهروب الذى حدث فيه. و اكتشاف أحداث من العنف كانت تمارس بداخله ، و تحول الآن الى متحف.

السجناء الذين فروا من السجن المركزى بمدينة القنيطرة " شمال المغرب "، و المدانين على خلفية الارهاب ( اثنان بالاعدام )، و اربعة بالسجن مدى الحياة و ثلاثة ب 20 عاما. هؤلاء السجناء قاموا بحفر حفرة بعمق مترين فى مرحاض داخل السجن، فى زنزانة عرضها 60 متر مستخدمين الادوات المنزلية المتواجدة داخل السجن، ثم شقوا نفقا طوله 22 مترا قادهم الى الحرية خارج السجن!!

وزير العدل المغربى فى تعليقه على ذلك الحدث، استند فى تبريره لهروب المساجين" المدهش" على نظرية المؤامرة،  اضافة الى قلة عدد الحراس ، و ازدياد عددالمسجونين الاحتياطيين. والمقصود بالمسجونين الاحتياطين- فى حديث الوزير-  هم اولئك النفر من المواطنين الذين يتم اعتقالهم، و يسجنون لفترات طويلة، دون تقديمهم للمحاكمة، وفى العادة يتم ذلك الاعتقال دون تقديم الاسباب لذلك الاجراء التعسفى غير القانونى، المخالف للقانون الدولى!!!

بعد ذلك التبرير " الفذ " طالب وزير العدل المغربى بزيادة عدد السجانين، دعمهم بالعتاد، و بناء سجون عصرية " متطورة "!! .

 المعالجة التى طرحها وزير العدل المغربى هى " الروشتة " المعتادة التى دأبت الانظمة الدكتاتورية و اشباهها ، على  تقديمها لحل قضايا ذات طبيعة سياسية، قانونية و اجتماعية. مثل هذه الانظمة تتجاهل عمدا جذور الاسباب المؤدية الى المشكلة ، تقفز فوقها لتغبيش الرؤى ، والالتفاف حولها. لتبيان وجهة نظرنا نأخذ مثالا واحدا من حديث الوزير المغربى ونناقشه. الوزير يقول أن احد الاسباب التى أدت لضعف الرقابة على المسجونيين هو ازدياد عدد المعتقلين احتياطيا، و تلك مشكلة تحل سياسيا و عدليا وليس عن طريق زيادة القوة الامنية و بناء سجون حديثة و متطورة!

الحل يتمثل فى توفير الحرية و الديمقراطية، دعم المؤسسات العدلية بالكفاءت، تسهيل الجراءات القانونية، ومن ثم بعد ذلك توفير الضمانات الاجتماعية المتمثله فى توفير فرص العيش الكريم و فرص العمل.

حديث الوزير المغربى يقودنى بشكل مباشر و دون جهدا للاستدعاء لما يدور فى سودان اليوم. سوف الجأ الى أخذ عينات متفرقة من احداث وقعت، مع عرض المنهج الذى عولجت به.

-  وزير الداخلية السابق و المحول الى وزارة أخرى و ابان رئاسته لوزارة الداخلية و تحت دعوى محاربة الجريمة فى المجتمع ، الانفلات الحادث،  طالب بزيادة عدد الشرطة و دعمها بالعتاد و السلاح.و بسند من السلطات العليا فى الدولة،  تم تسليح الشرطة حتى اصبحت قوة ضاربة موازية للقوات المسلحة. اول الاعمال " المجيدة " التى قامت بها الشرطة بعد هذا التسليح ، هو اطلاق الرصاص على مظاهرة سلمية فى بورتسودان و قتل العشرات. استخدمت الاسلحة الثقيلة و القوة المفرطة فى مسألة لا تستوجب كل ذلك العنف المنفلت تجاه تنظيم موالى للسلطة ، حتى أضحت مدينة المهندسين بامدرمان ساحة للقتال. توجت اعمالها بضرب الجماهير العزل فى كجباروهم يعارضون بالهتافات قيام خزان فى منتقطتهم،  شيد دون رضاءهم ليموت العشرات.

- وزير العدل الجديد – الذى كان البعض يعتقد بانه سوف ينحاز الى سيادة حكم القانون باعتباره رجل قانون- كان أول اعماله بعد تبؤا مقعد الوزارة هو فرض الرقابة على الصحف و مصادرتها ، ثم اعتقال الصحفيين.

- نائب رئس المجلس الوطنى فى مؤتمر صحفى قامت بنشره صحيفة السودانى الصادرة بتاريخ 7-5-2008  فى تعليق له على قانون الامن الوطنى الذى سوف يعرض ليجاز- دون معرفة الجهة التى قامت باعداده-  حول الجزئية التى تتعلق بصلاحيات جهاز المخابرات،  ذكر ( فى ظل وجود قوات أجنبية و أشكال اخرى من الوجود الاجنبى .......منح صلاحيات الشرطة لتمكينه من ممارسة عمله، موضحا ان الاعتقالات التى تمت من قبل جهاز الأمن فى الفترة الاخيرة عرض فيها المحتجزين للنيابة خلال 72 ساعة منبها بضرورة ادخال تعديلات على بعض مواد القانون الجنائى التى يمكن استخدامها بصبغة سياسية كالمادة 50 المتعلقة بتغويض النظام الدستورى ) ذلك يعنى ببساطة أطلاق يد الأجهزة الأمنية دون كابح لتفعل ماتشاء، فى وقت تتحدث فيه السلطة عن كفالة الحريات، سيادة حكم القانون و احترام الدستور!!

مما قمنا بسرده وعرضه يتضح أن الانظمة الديكتاتورية تلجأ بعقلية أمنية لتكميم أفواه المواطنين، و قمعهم مستغلة فى ذلك كل التراث المكافيلى لتبرير أفعالها.

عندما نقوم بتفكيك العقلية الامنية لدى السلطات الحاكمة فى الأنظمة الديكتاتورية و هى تقوم بمعالجة القضايا السياسية، الاجتماعية و الاقتصادية، نجدها عقلية واحدة،  مهما كانت الشعارات التى تتشدق بها و الحدود المكانية و الزمانية التى تمارس فيها سلطاتها. كان ذلك فى المغرب، السودان او الواق الواق!!!