|
أمدرمان هي عاصمة السلام ، هي مدينة المهمشين التي أحتوت الفارين من جحيم
الحرب ، وضمت إلي قلبها الذين يئن بالجراح ، جمع الذين تقطعت بهم سبل الحياة
في أطراف الهامش ، رمزية أمدرمان تكمن في قبة الإمام المهدي وليست في مقري
التلفزيون والإذاعة السودانية والذين دافع النظام عنهما حتى الرمق الأخير ،
أدرك كتشنر رمزية أمدرمان قبل الحكومات الوطنية ، أول ما بدأ به وهو يريد
السيطرة على البلاد هو قصف قبة الإمام المهدي ، فهو كان يعتقد أن ترنح الضريح
سوف يثبط العزيمة ،ويضعف الروح المعنوية ، دافعت المهدية بصلابة عن مدينة
أمدرمان ، أستشهد آلاف الناس في معركة كرري ، جلهم من غرب السودان ، أنهم نفس
الرجال الذين نطلق عليهم صفة تشادي أو مرتزق إذا رأيناهم إلي ربهم ينسلون من
المقابر ، عاقب الإنجليز أهل أمدرمان ، نقلوا العاصمة إلي الخرطوم ، فوضع
الخرطوم الجغرافي يعطيها ميزة أمنية أكثر من أمدرمان ذات الأبواب المفتوحة
للجميع ، وهذا هو الذي يفسر تمسك الأنظمة العسكرية في السودان بمدينة الخرطوم ،
فمجرد الشعور بالخطر ، يتم غلق الكباري وإقامة نقاط التفتيش وإقامة الحراسات
حول البيوت ، فالنيلين يمنحان الخرطوم حماية أكثر من الأرتال العسكرية ، أو
أنهما يمنحان الوقت للفرار إذا أدلهمت الخطوب ، وفي حادثة الأمس المؤسفة لم
يتواجد أي مسؤول أمنى في أمدرمان ، بقوا في الخرطوم وهم يتحدثون للفضائيات ،
ووجدوا متسعاً مع الأزمة اللبنانية التي سلبت منهم الأضواء الإعلامية ، أن كرري
ليست من ضواحي أمدرمان ، حتى ولو كان المقصود من هذا التوصيف هو التقليل من
خطر المهاجمين ، أنها كرري مدينة النضال ، أنها البرزخ الذي يفصل بين تاريخ من
أتى مع جيوش الإستعمار وبين تاريخ أول حكم وطني وصل إلي السلطة عن طريق الثورة
والتحرير
ما حدث بالأمس أدخل وجفة ، وذعراً كبيراً في قيادات الحزب الحاكم ، ففي
إحتفالات الثورة كنا نرى العروض العسكرية ، الطائرات والمدرعات ، والسودان هو
أول بلد أفريقي أنتج الصاروخ والدبابة كما يزعمون ، هكذا يقول القواد ، أنه
دولة عظمى إذا أردنا تضخيم الأمر ، فهو قادر على صنع خرائط الدول وخلق القادة ،
من الأفضل بأن لا نقول أن الذين هاجموا الخرطوم بالأمس هم تشاديون ، هذا فيه
فقد لماء الوجه للذين يحسون بالحياء والخجل – ولا أظن أنهم يشعرون بذلك ، فكيف
تتمكن فرقة تشادية التحرك من أنجمينا ، وتشق طريقاً تكثر فيه نقاط العبور التي
تجمع الأموال من الناس ، تعبر كل هذه المسافة الشاسعة حتى تصل إلي أمدرمان ،
لنكتشف عندها أنها فرقة تشادية .
ما جرى بالأمس كشف خللاً أمنياً في آلة النظام العسكرية ، لذلك تعثروا في
الإجابة عندما سألتهم الفضائيات عن سبب هذا الخلل ، وبدرت منهم تفسيرات مضطربة
لحدث واحد ، وتحول المدنيين في الحزب الحاكم إلي محللين عسكريين ، د.مصطفى
عثمان يقول أن الجيش السوداني قصد جر المتمردين داخل الوطن ليلاقوا حتفهم داخل
أمدرمان ، أما د.مضوي الترابي ، وهو عضو في مجلس الأمن القومي يقول في راديو
فرنسا : أن الأجهزة الأمنية حدث لها
Relax
بسبب صلاة الفجر !! ، ورواية الناطق الرسمي للقوات المسلحة تقول بأن المهاجمين
كانوا يتحركون ليلاً ويتخبئون في ساعات النهار مما صعب رصدهم ، أما عبد الباسط
سبدرات فيقول أن سحنة المهاجمين المشابهة لأهل السودان خلقت صعوبة في التعرف
عليهم ، لكن السؤال لا زال قائماً أين موقع الجيش السوداني من هذه الأحداث ،
حتى صور الجنود السودانيين الذين عرضهم التلفزيون السوداني وهم يتصدون
للمهاجمين أشبه بقوات الدفاع الذاتي ، خلاصة القول أن معظم وحدات الجيش
السوداني تم نشرها الآن في مناطق البترول ، وباقي الوحدات يتمركز في الخرطوم
لحماية مؤسسات الدولة ورموزها ، وقد أعتمد حزب المؤتمر على الجانب الجهوي في
تأمين حماية مدينة الخرطوم ، مستغلاً الإنقسام الحاد بين أهل الغرب وأبناء
الشمال النيلي في تغطية فاتورة الحرب ، فهو جرب هذا الأسلوب في حرب دارفور ،
فترك مسألة حفظ الأمن للمليشيات . لذلك كل الجنود الذين رأيناهم في شاشة
التلفزيون السوداني وهو يتوعدون بالرد على المهاجمين في دارفور هم يمثلون جهوية
واحدة .
أيضاً كشفت أحداث الأمس سقوط نظرية الأمن المركزي ، وهو نوع من الأمن قادر على
الحروب في مناطق الهامش لكنه يوفر الأمن للمركز فقط ، فصورة الحرب النمطية في
السودان أنتقلت مشاهدها إلي الخرطوم ، فالسودان ليس هو الفاشر والجنينة والأبيض
، السودان هو الخرطوم فقط ، ولو وقع هذا القتال في تلك المدن لما أهتم أحد بذلك
، حادثة الأمس جعلت رموز المؤتمر الوطني يُجلدون في وسائل الإعلام العربية بسبب
نقص التفسير لكيفية حدوث ما جرى ، وكشفت أن النظام لا يحظى بأي دعم عربي ، وفشل
رهانه على مصر على وجه التحديد ، حيث كان أحد قادة الحركة يتحدث من القاهرة وهو
يعلن سيطرة حركته على مدينة أمدرمان ، وحسب متابعتي لم يصدر الإتحاد الأفريقي
بياناً حتى هذه اللحظة ، حادثة الأمس سوف تلقي بظلالها الثقيلة على أهل دارفور
المقيمين في الخرطوم ، فربما يتعرضون لحملات تفتيش ودهم غير مسبوقة ، وقد ذكرت
سابقاً أن حزب المؤتمر الوطني لن يهدأ له حتى يقود الشعب السوداني نحن الشواطئ
الرواندية ، وما يقلق النظام في حقيقة الأمر ليس الدم الذي سال في الشوارع ،
بل تراجع الإستثمار الأجنبي العربي الذي يوفر لهم العوائد الجزيلة ، وحزنهم
دائماً على ضياع المكاسب والمال وليس الأرواح .
أعود إلي دراسة ما قامت به حركة العدل والمساواة ، فالتركيز هنا يأتي حول
شخصيتين ، هما الدكتور خليل إبراهيم ود.الحاج حسين آدم ، فهما خرجا من رحم هذا
النظام ، وشاركا في كل حروب النظام ضد الجنوبيين ، إذاً النظام غير مبرأ عن كل
ما يفعلانه ، وما حدث الأمس ليس ببعيد عن تداعيات التصدع داخل جسم الحركة
الإسلامية ، وتجربة غزو الخرطوم بدأتها الحركة الإسلامية في عام 1976 ، وشارك
فيها الغازي صلاح الدين والشيخ السنوسي ، إذاً التاريخ يعيد نفسه .
سارة عيسي |