أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 07 مايو, 2008 09:02:48 PM

وداعاً لصداع حمى الوادي المتصدع

الطاهر محمد هارون

eltahirharoun@hotmail.com

جاء في الأخبار أن وفداً فنياً سعودياً زار البلاد هذا الأسبوع للتأكد من صحة قطيعنا القومي من الأبقار والأغنام ، الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة (فوراً) كما يقول مذيعو الفضائيات مشهد اللواء قلواك دينج – وزير الثروة الحيوانية وقتها – وهو يتحدث بحماس بالغ مدافعاً عن صحة قطيعنا القومي وخلوه من ذلك المرض الذي اختلف عليه الأطباء والبياطرة اختلافا كبيرا إبان تلك الاندلاعة الوبائية (لذلك المرض) والتي حدثت قبل عدة شهور . وقد كنت أشفق كثيراً من أن يجد البعض منفذا للتشكيك في إفادات سعادة اللواء قلواك والنيل من مصداقيتها ..

فالمسألة ليست خلافا علمياً مجرداً حول تشخيص مرض من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان  ولكن لها جوانب أخرى لا يعلمها كثير من الناس. وقد أتيحت لي الفرصة لأشهد بعض التجارب التي علمتني أن تجارة المواشي العالمية مجال لمعارك شرسة يستعمل فيها المتنافسون أسلحة مشروعة وغير مشروعة للوصول على الأهداف .. ومن الأسلحة غير المشروعة إثارة الإشاعات بأن الحيوانات التي تأتي من الدول المنافسة مصابة بشتى الأمراض التي تثير الهلع في النفوس .. ولعلى أذكر بالخير أيضاً في هذه السانحة الأستاذ إدريس عبدالقادر الذي كان يدافع في ساحات كثيرة عن صحة قطيعنا القومي عندما كان نائباً للسفير بالرياض وكان يستعين بالدعم المعلوماتي من البياطرة .

نحمد الله أن انقشعت الغيوم وانتهى ذلك الوباء كما أعلن السيد الرئيس في افتتاح الدورة الحالية للبرلمان .. وبدأ السودان يستعيد أسواقه من جديد كما ذكر الدكتور بشير طه  وكيل وزارة الثروة الحيوانية والسمكية.. وخاصة السوق السعودي (الذي تظهر أهميته إذا علمنا أنه يحتاج إلى أكثر من مليون رأس من الأنعام لمقابلة متطلبات الهدى والأضاحي فقط في أيام التشريق الأربعة) .. ولكن الحكمة تقتضي أن نتحسب ونستعد دائما للأسوأ ،خاصة إذا علمنا أن الاندلاعات الوبائية لحمى الوادي المتصدع تظهر في المناطق التي يتوطن فيها المرض بشكل دوري وعلى فترات يمكن أن يتراوح طولها بين 5 و 25 سنة حسب الظروف المناخية.

وقد سمعت الدكتور التيجاني صالح فضيل وزير التعاون الدولي يقول قبل أسابيع في إحدى النشرات الإخبارية أن في استطاعته توجيه 400 مليون دولار في مشاريع مشتركة مع السوق الأوروبية المشتركة لمكافحة أمراض الثروة الحيوانية في السودان ... الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة مشروع مكافحة مرض الطاعون البقري والذي نفذته حكومة السودان بالتعاون مع منظمة الوحدة الأفريقية والسوق الأوربية المشتركة في السبعينات وحقق نجاحاً باهراً .. أنتهز هذه الفرصة لأقترح على الجهات المعنية أن تتبنى دعوة الدكتور التيجاني وتعد مشروعاً للوقاية من حمى الوادي المتصدع بالاشتراك مع السوق الأوربية المشتركة فقد يندلع الوباء في أصقاع بعيدة عن السودان ولا نسلم من آثاره إذا لم نتحسب له .. فالمعروف أن هذا المرض يوجد بشكل متوطن في منطقة الوادي المتصدع بكينيا وقد شخص لأول مرة في مزارع الأغنام التي تقع على ضفاف بحيرة نيفاشا سنة 1931 بعد أن تسبب في موت الآلاف من الحيوانات وإجهاض  آلاف أخرى .. ولم يمض وقت طويل حتى ظهر في الصومال وأثيوبيا ثم شخص في زيمبابوي وزامبيا وجنوب أفريقيا وموزمبيق ..وما لبث أن شخص في السودان سنة 1973 وفي مصر سنة 1976 ووصل إلى موريتانيا والسنغال عام 1987م ثم خرج عن نطاقه الجغرافي في أفريقيا وعبر إلى آسيا حيث ظهر عام 2000م في اليمن والمنطقة الجنوبية الغربية من المملكة العربية السعودية .

ينتقل الفيروس الذي يسبب المرض بواسطة الحشرات وخاصة البعوض .. وعندما تتوفر الظروف المناخية التي تساعد على تكاثر البعوض تزداد فرص ظهور المرض .. فقد تحمل الرياح البعوض المصاب إلى مسافات بعيدة .. وقد يظل الفيروس كامنا في بيض البعوض الذي يكون مدفوناً في التربة في مواسم الجفاف حتى تتوفر الظروف الملائمة مثل الأمطار الغزيرة أو الفيضانات أو السدود وشبكات الري التي توفر أجساماً مائية كبيرة توفر البيئة الصالحة لتكاثر البعوض .. ويجب الانتباه إلى أن العوامل التي تهيئ لانتشار حمى الوادي المتصدع تساعد أيضاً على ظهور أمراض أخرى تنتقل بواسطة الحشرات مثل حمى الضنك وحمى القرم والكنغو الترفية ولعل ذلك من العوامل التي تؤدي إلى اشتباكات تشخيصية مثل التي رأيناها عندما اندلع (ذلك الوباء) في بعض مناطق النيل الأبيض .

أخلص إلى أهمية أعداد مشروع يقودنا إلى أفضل السبل للوقاية من مرض حمى الوادي المتصدع وقطع الطريق أمام أي فرصة لظهوره أو ظهور الأمراض المشابهة له والاستفادة من التقنيات الحديثة التي تساعد على فهم العلاقة بين البيئات الطبيعية والظروف المناخية التي توفر الظروف المحتملة للاندلاعات الوبائية وذلك مثل تقنية الاستشعار عن بعد والتي يتم فيها الاستفادة من صور الأقمار الصناعية لمراقبة التغيرات المناخية وكميات الأمطار المتوقعة وكثافة الغطاء النباتي وبالتالي التعرف على الأماكن المحتملة لحدوث المرض الأمر الذي يعتبر إنذارا مبكراً يتيح فرص الاستعداد للتعامل مع الاندلاعات الوبائية المتوقعة .

وفي مجال التشخيص المبكر للمرض يمكن النظر في أمر استخدام قطعان الحيوانات الكاشفة للمرض sentinel herds والتي توضع في أماكن مختلفة في القطر .. وخاصة الأماكن التي يتوقع أن ينفذ منها المرض مثل حدودنا مع دول شرق أفريقيا حيث يتوطن المرض (وعليه لا يزال اللواء قلواك دينج -وهو في أعالي النيل- على ثغرة من الثغور).

ومن العناصر التي أدعو إلى أن يتضمنها المشروع تحديد أنواع اللقاحات التي يمكن أن تستخدم بطريقة فعالة وآمنة لتحصين قطيعنا القومي ضد هذا المرض ..وتحديد أفضل الوسائل لمكافحة الناقل .. كما أدعو إلى تقوية أقسام الفيروسات والوبائيات والحشرات الطبية والبيطرية لتأهيل أعداد كافية من المتخصصين في هذه المجالات. وتأهيل المختبرات وتجهيزها بكل ما تحتاجه من أجهزة تمكن من استخدام التقنيات الحديثة في الدراسة والتشخيص .. لنستغنى عن الاستعانة بالآخرين في مجال كان الجيران يلجأون إلينا فيه حتى زمان ليس بالبعيد .