|
والحاويات هي حاويات أميركية كانت محتجزة في
بورتسودان الميناء البحري الرئيسي بالسودان ولا يعلم إلا الله
وحكومتي السودان
والولايات المتحدة ما بها لكن الأميركان يقولون إن مواداً
للبناء أُرسلت على متنها
منذ عام بغرض تشييد مبنىً للسفارة الأميركية جنوبي الخرطوم، ثم
انتقلت الحاويات من
كونتينات تحمل ما تحمل إلى ملف يتربّع بين ملفات مهمة كالقضايا
الخلافية بين الحركة
الشعبية والمؤتمر الوطني شريكي الحكم في السودان وقضية دارفور
يُتفاوض عليها بين
السودان والولايات المتحدة وتعتبر تسويتها شرطاً للتطبيع بين
البلدين في لقاءاتهما
التي بدأت بشكلها الرسمي في منتصف الشهر الماضي بروما، ومهما
ارتفعت قيمة ما بداخل
الحاويات المادية لن تضعها بين هذه القضايا، فالولايات المتحدة
التي تنفق أربعة
آلاف مليون للمساعدات الإنسانية بدارفور ومناطق سودانية أخرى
وتسهم بـ(80%) من
نشاطات برنامج الغذاء العالمي بالسودان كما جاء في بيان
الخارجية الأميركية الأخير
عن عقوباتها على السودان لن تكون في حالة عوز يضطرها للتفاوض
حول مواد بناء مع دولة
ظلت تصنفها منذ فترة ليست بالقصيرة وحتى آخر تقرير لوزارة
الخارجية الأميركية في
الأسبوع المنصرم، بأنها إحدى أربع دول ترعى الإرهاب في العالم،
وذلك ما يدعو للتوقف
إما حول ماهية (مواد البناء) التي تحملها الحاويات أو العقلية
الأميركية في التعامل
مع مصالحها وإن قل شأنها أو الإثنين معاً.
ويبدو أن اجتماع روما سيشكل علامة
فارقة في تاريخ العلاقات السودانية الأميركية، فقد كانت أولى
ثماره إطلاق السلطات
السودانية لسراح حاويات (مواد البناء) الأميركية وبدأت الخارجية
السودانية تتحدّث
عن أنها لم تفرج عن الحاويات بسهولة وأنها تنتظر المقابل، ثم
يومان وتحط إحدى
طائرات القوات الجوية الأميركية بمطار الخرطوم وعلى متنها ثلاثة
من السودانيين
الذين قضوا فترات تتراوح من خمس لست سنوات لكل واحد منهم بمعتقل
غوانتانامو بكوبا،
حالهم وهم يغادرون الطائرة الأميركية كحال الدول التي تغادر أو
يغادرها الإحتلال
الأميركي، بعضها يخرج قوياً متماسكاً كحال أمير يعقوب أحد
المفرج عنهم الذي خرج من
الطائرة مطمئناً وكأنه أكمل لتوّه صلاة الفجر، ثم هوى على الأرض
يسجد شاكراً لله،
وبعض الدول تخرج منهكة متعبة لا تقوى على الوقوف حتى وإن مدّ
لها المحتل يد العون
كحال العراق الذي لا استطاع الأميركان الخروج منه ولا استطاع هو
أن يعود دولة من
جديد، ودول أخرى تُخرج المارينز عن أرضها فيغادرون كسيرين وتبقى
هي أبية رغم جراحها
كما حدث في الصومال عندما سحل المواطنون الجنود الأميركان في
شوارع مقديشو.
فارق
اليومين بين الحدثين يجعل من الصعوبة تجاوز العلاقة السببية
بينهما. نعم، إن
لمنظمات حقوق الأنسان العربية والإقليمية وتنظيمات الصحافيين في
كل أنحاء العالم
دوراً في التذكير بمظلمة سامي الحاج مصور قناة (الجزيرة) أحد
الثلاثة المفرج عنهم
وكذلك للاتحاد الأوروبي جهود في متابعة قضيته كأشهر سجين
بغوانتانامو، ولا ينسى أحد
الوقفة الوفية لقناة (الجزيرة) مع مصورها طوال سنوات اعتقاله
الست وابقائها لقضيته
ساخنة، ثم منظمات حقوق الإنسان العالمية ودعواتها المتكررة
لإغلاق معتقل
غوانتانامو، وقد قالت جينفر واسكال كبيرة مستشاري مكافحة
الإرهاب في منظمة هيومان
رايتس ووتش في أحد تقاريرها إن إغلاقه سيساعد في إحياء السلطة
الأخلاقية التي
تحتاجها أميركا لمحاربة الإرهاب، وكأنها تقول بعبارات أكثر
تشذيبا أن أمريكا بوجود
معتقل غوانتانامو تسقط يومياً في امتحان الأخلاق، لكن وكما يقول
المثل السوداني (البرقص
ما بغطي دقنو) فأميركا لا تعتبر الأخلاق أصلاً جزءاً من مقومات قوة الدول
وفي عالمها الذي تحكمه لغة المصالح لا صوت يعلو فوق صوت مصالحها.
ولأن أميركا
وإسرائيل تنتميان لذات المدرسة الأخلاقية أو فلنقل اللاأخلاقية،
فالطريقة التي
يتعامل بها حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين مع إسرائيل
تدعو للإعجاب وتنم
عن فهم حقيقي للطريقة التي يفكر بها العدو، فإسرائيل لن تلتفت
لصراخ الأبرياء وهم
يلفظون أنفاسهم تحت الأنقاض، لكنها تركض حد الهرولة إن وقع أحد
جنودها في الأسر
لذلك اجتهد حزب الله في حربه مع إسرائيل لأسر ما يمكن أسره من
الجنود وتنظم حماس
حملات لاصطياد الجنود الإسرائيليين متى ما سنحت لها الفرصة
وبذلك يضمنان وضعاً
تفاوضياً مميّزاً يمكنهما من وضع شروط اللعبة وإدارتها على
طريقتهما.
بذات
العقلية تعاملت الولايات المتحدة مع قضية الحاويات فقطعاً لا
يهمها سامي الحاج الذي
اعتقل بلا ذنب مضرباً عن الطعام لمدة (475) يوماً ولا يهمها
تدهور وضعه الصحي ولا
ست سنوات تنقضي من عمره سدىً، ولن تلتفت لمعاناة رفيقيه وما
يلاقيانه من ظلم وقهر
بل ولا يهمها حتى معتقلي غوانتانامو الخمسمائة (وفقا لهيومان
رايتس ووتش حتى مايو 2006)،
تهمها فقط حاوياتها وما حوت حتى أنها تجاهلت انتقادات لجنة العلاقات
الخارجية بالكونغرس وأصوات جماعات الضغط بسبب تقاربها مع
الحكومة السودانية في
اجتماع روما.
ولعل ما نخلص إليه من هذه الحادثة ونضيفه لسوءات أميركا الكثيرة
أنها وفي سبيل مصلحتها يمكنها أن تفعل كل شيء وأنها بذلك تكون
قد أدخلت (دبلوماسية
الحاويات) كنوع جديد من طرق التعامل بين الدول علَّ بعض الجهات
الأكاديمية تجد في
تدريسه ما يفيد الشعوب المضطهدة حول العالم ويوضح لها خارطة
الطريق للوصول إلى
طاولة مفاوضات أميركا، فقط أتمنى أن تكون الحكومة السودانية قد
احتفظت بعدد من
الحاويات لتفاوض بها على إطلاق سراح السودانيين المتبقيين في
غوانتانامو وأخرى
لتسوية قضية دارفور.
صحيفة الصحافة |