أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 10 مايو, 2008 08:14:03 AM


صناعة الشربوت من اللعوت: شجرة السودان المعجزة

بدر الدين حامد الهاشمي

alibadreldin@hotmail.com

كنت – و إلي وقت قريب-  أجهل سهولة إكتشاف دواء (سحري) في السودان يقضي علي البكتريا و الطفيليات و الفيروسات و الفطريات بالضربة القاضية الفنية، و كنت  دوما أخدع نفسي (الأمارة بالسوء) أن إكتشاف و تصنيع الأدوية من الصناعات التي لا يغامر أحد بالدخول في عالمها (الغويص) إلا و هو مدجج ببلاين الدولارات أو اليورهات، و كنت من السذاجة بحيث صدقت أن شركات الأدوية الضخمة كفايزر و ميرك و جلاكسو يمكن أن تستثمر في مادة كيميائية واحدة قرابة البليون دولار و تسلخ سنوات من الأبحاث المعمقة في كل الإتجاهات و يتمخض البليون فيلد صفرا كبيرا، إذ يفشل الدواء المرتقب في مقابلة الإشتراطات الكثيرة التي تضعها عليه الشركة المنتجة و الجهات الرقابية ذات الصلة... و هنا تنخفض أسهم و يفلس مستثمرون و تتخرب بيوت...و تعاود الشركة المحاولة مع مادة أخري و هكذا دواليك... ثم تعاود الحياة سيرها المحتوم في عالم المال و الإقتصاد و هو أساس الصناعة الدوائية. لحسن الحظ فإن سنوات سذاجتي وخداعي لنفسي آن لهما أن يأذنا بإنقضاء بعد أن توالت علينا أخبار تفضلت بإذاعتها برامج تلفزيونية و صحف مستنيرة و بروفسيرات و دكاترة و دعاة و معراقية و(حبرتجية) و غيرهم كثير...أخبار تفيض بالبشريات بأن في لبن الإبل الشفاء من السكري، و أن بولها فيه من المعجزات العلاجية ما ينوء عن الحصر، و أن عجوز هرمة في صقع نائي من البلاد تمكنت من "إكتشاف" دواء عشبي شعبي (موحد) يشفي من السل و السعر والأيدز والضعف الجنسي بجرعة واحدة. و بالأمس القريب تأكد لي أننا في السودان لن نحتاج بعد اليوم لشارع الدكاترة الشهير في كل مدينة... و ما حاجتنا بعد اليوم لكليات طب أو صيدلة أو بيطرة أو علوم... فعلام التعب و (بعزقة) الجنيهات العزيزة علي الكشف و العلاج و الحبوب و(الإبار) و العلاج لكل مرض ميسور و (في متناول الجميع) كما تجري العبارة المستهلكة... تأكد لي كل ذلك و أنا أطالع في عزيزتنا المستنيرة "الأحداث" (و ليس غيرها) إعادة لنشر النبأ العظيم (دون إشارة للمصدر الأصلي) عن سودانية تتحدي الأطباء بمستحضر "اللعوت" (و الخبر بالمناسبة منشور بذبابته الشهيرة علي النت في يوم 27 تشرين ثاني 2007!)  و رغم أني لست صحفيا مهنيا إلا أنني عجبت لمن صاغ الخبر: أيقصد الإثارة؟ إذن لكان عليه كتابة عنوان أكثر إثارة و جذبا للقراء، من نوع: "وداعا لعيادات الأطباء و قذارتها"... أو "شربة من لعوت تقيك شر كل الأمراض" أو غير ذلك. أم تراه يقصد التنوير (في عصر التجهيل)، إذن لكان لزاما عليه – مهنيا- محاولة معرفة مزيد من التفاصيل من المخترعة المكتشفة ذاتها، و سؤال أحد مرضاها الذين "شفيوا" و أحد الذين ذهبت دراهمهم لجيب الحكيمة و لم ينالوا خيرا. ثم الذهاب إلي "خبراء" في وزارة التعليم العالي و البحث العلمي و كلية الصيدلة و الطب و سؤالهم عن رأيهم في "مزاعم" الحاجة رقية أو "حقائقها" مع إعطاء فكرة مختصرة عن الشجرة (المبروكة) اللعوت و صورة لها – لمصلحة من لم تكحل عينيه رؤيتها-. 

لا أعتقد أن أحدا يستطيع أن ينكر عقلا أن تتمكن المرأة المذكورة في الخبر من إختراع / إكتشاف دواء (أو حتي أي شئ آخر) فحكمتنا الشعبية تعلمنا أنه "يضع سره في أضعف خلقه" و "كل شئ في الحياة جايز" بيد أن هنالك إحساسا خافتا و صوتا هامسا ينكد صفاء نفسي و عقلي و يقول لي: "جاء في خبر "الأحداث" المنقول أن دواء الحاجة رقية في جرعته المتكاملة لمدة أسبوع يقضي نهائيا علي كل الأمراض التي تستقر في البطن" وتتسبب فيها الديدان، وذكرت الدسنتاريا المزمنة والقارديا والكوليرا وحتى قرحة المعدة..." الديدان حسب ما درسنا في الثانوي (قبل إصلاح المناهج) لا علاقة لها بمسبب الدسنتاريا (و مسببها أسمه علي ما أظن Entamoeba histolytica) وهو طفيل أولي (بروتوزوا) لا يري بالعين المجردة و القارديا لا تسببها دودة و إنما يسببها طفيل أولي لعل إسمه هو Giardia lamblia (و له تحت المجهر وجه مهرج!) أما الكوليرا (أين أنت يا ماركيز؟) فمسببها بكتيريا و ليس لها – حسب تقليبي في الشبكة إياها- علاقة بالديدان، و هي وباء خطير أشهر من أن يعرف ولكن علاجها سهل ميسور. أما مسبب قرحة المعدة فيزعمون – و منذ نحو عقدين - أن لبكتريا أسمها Helicobacter pylori اليد الطولي فيها (و كان عالمان من أستراليا قد أعادا إكتشاف هذه البكتريا و حصلا علي جائزة نوبل في الطب قبل أعوام قليلة بسبب هذا الإكتشاف). ما أريد أن أقوله هنا إننا هنا بصدد علاج تقول مكتشفته أنه يقتل البكتريا التي تسبب القرحة المعدية المعوية (بينما يستعمل الطب "الغربي" ثلاثة أو أكثر من المضادات الحيوية مجتمعة ليقضي علي تلك البكتريا) و هو أيضا دواء يقضي كذلك علي الديدان و الطفيليات الأولية. إنه بالقطع - إن صدقت مزاعم المكتشفة -  دواء فريد ذلك اللعوت (سفوف لحاء اللعوت المخلوط بالعسل) و لا أدري إن كان للعسل (الذي فيه للناس شفاء) دور في العملية العلاجية أم أنه محلي مستعمل فقط للتغطية علي طعم اللعوت (المر). و هل للعوت من سيقان تؤخذ من لحاها كمية تكفي لآلاف المرضي (و منهم مثقفون وأساتذة جامعات و أطباء كما ذكر الخبر)، بينما أفادنا "خبير" في مداخلة  له في إحدي المنتديات السودانية أن: " اللعوت لا ساق له عبارة عن أغصان فى شكل أقرب للدائرى تبدأ من داخل التربه وتتسع الدائره كلما إرتفعت الشجيره"!؟

أعتقد أنه من الضروري أن تتم ملاحقة مثل هذه الإدعاءات و التي يؤجج نهارها المستعرة أهل الإعلام و الصحافة بدوافع شتي لا تخفي علي عاقل، و لا أقصد هنا الملاحقة القانونية (رغم أن القانون – رغم إنتقائية تطبيقه عند من بيدهم القلم أحيانا- يجرم التطبيب دون ترخيص رسمي)، و إنما قصدت الملاحقة العلمية بأن يعكف أستاذ شغوف من ذوي الخبرة و الدراية و طالب نجيب علي دراسة ذلك النبات (صاحب المثل المشهور: سراره اللعوت تتلاقا فى الحرق والموت) و "كشف" أسراره أو فضح زيف مروجته... أما سكوت العلماء علي هذه الإدعاءات فهو عندنا "علامة الرضا" و في رواية علامة "رفع الراية البيضاء" و الأستسلام التام للموت الزؤام  والعمل بمقولة سعد زغلول الشهيرة: "ما فيش فائدة"!

_____________________________________

نقلا عن "الأحداث"