|
الذين كتبوا عن عروس الرمال (الأبيض) كما يحلو للآخرين تسميتها تمييزاً لها عن
عروس البحر (بورسودان) .كتبوا عنها من ناحية تاريخية أوجغرافية..فمن الناحية
التاريخية تناولوا دورها المفصلي أيام الثورة المهدية حيث اختارها الإمام
المهدي منطلقاً لفتح الخرطوم وتحريراً لها من الإنكليز كما لم ينسوا ملحمة
شيكان الخالدة..
ومن
الناحية الجغرافية تناولوا موقعها الفريد حيث الريف الكردفاني الساحر..كلما كتب
عن الأبيض صحيح .فالذين تغزّلوا في مناظرها الخضراء الآسرة التي تأخذ بالألباب
في فصل الخريف وأنت على مشارف الأبيض وأشجار التبلدي الشامخة شموخ أهلها لم
يجانبهم الصواب..والذين تناولوا الحياة الإجتماعية والثقافية والفنية و
الرياضية..تلك الجوانب المندثرة أيضاً محقين.
فنحن أهل الأبيض لم يعد لدينا غير ذاك الماضي الجميل نلوكه ونجتر ذكرياته كلما
سنحت الفرصة فنتحدث عن ماضينا عن الفترة المنحصرة بين ثلاثينيات وثمانينات
القرن الماضي وهي العصور الذهبية للمدينة..فنفخر جداً عندما نتكلم عن أعلامنا و
رموزنا،،، الفاتح النور رائد الصحافة الإقليمية وأول من أصدر جريدة خارج
الخرطوم ..هذا العملاق يستحق تمثال عند مدخل المدينة الذي لم يبق من آثاره إلا
ذكرى و دار كردفان للطباعة والنشر التي تصارع من أجل البقاء.. زرتها قبل شهرين
..تألمت جدأً لما آل إليه حالها حيث هجر الناس هناك القراءة و نشر الكتب والصحف
فانحصر دورها في طباعة كروت الدعوات والمناسبات..محمد عوض الكريم القرشي ويا له
من اسم مشع في عالم الأدب و الشعر والفن .. كان كبار الفنانين من أمثال : عثمان
الشفيع ، علي إبراهيم اللحو, عبد العزيز داؤود،زيدان إبراهيم و غيرهم كثير
كانوا يتدافعون إلى منزله الكائن في سوق المدينة الغربي ناحية شارع النهود
يطلبون تعويذة الشهرة و النجاح ..فبدلاً عن المحافظة على هذا الكنز و تحويل
منزله الى ما يشبه المتحف الفني لما يحويه من محطات مهمة في مسيرة الأدب والفن
السوداني المعاصر، صار منزله وللأسف الشديد عيادة ومعمل طبي وحتى اللافتة
المميزة التي كتب عليها..منزل عوض الكريم القرشي.. لم تسلم من عبث العابثين
فنزعت..و غير هذه الأهرامات كثير في مجالات الأدب و الفن و الإعلام محمد المكي
ابراهيم ..صالح الضي،جمعة جابر،عبد القادر سالم . عبد الرحمن عبدالله، خليل
إسماعيل هؤلاء المبدعين على سبيل المثال لا الحصر وغيرهم كثرلا يتسع لهم المجال
جميعاً..أرجو أن يتولى ذلك من هم أدرى مني.
لكن ما مناسبة هذه المقدمة الطويلة؟ وما علاقتها بالعنوان؟ عندما نتحدث عن
وضع الأبيض الآن تأتينا الإجابة مؤلمة على تلك التساؤلات.. لم تعد العروس اليوم
حالمةً في أبهى زينتها مادةً ذراعيها تحتضن كل من يهرع إليها من العاصمة أو
غيرها طالباً راحة النفس وهدوء البال فهي الآن كم هائل من المعاناة اليومية
فبالإضافة لأمراضها المزمنة التي استعصت على كل من جاء قائماً على أمرها وهي
الكهرباء و الماء هناك أشياء أخرى تنكد على الناس حياتهم أفقدتها نضارة شبابها
فحوّ لتها إلى عجوز شمطاء.. فالمدينة تفتقد الى الإرادة السياسية التى تأخذ
بيدها وتنتشلها مما هي فيه فدائماً ما يقول الناس هناك أنهم غير محظوظين فلم
تمر عليهم حكومة تملك (عصا موسى) كما ملكتها ولايات القضارف و البحر الأحمر على
سبيل المثال،ً فحولت المستحيل هناك الى واقع يمشي بين الناس فالتنمية والخدمات
بادية للعين انحسرت معها معاناة الناس كثيراً.. هذا ما ينقص مدينتنا الأثيرة
الى النفس وباقي مدن وأرياف الولاية ..فالمتجول في سوق المدينة ربما يصاب
بالغثيان أو الاكتئاب.. فوضى عارمة ضاربة بأطنابها في كل مكان روائح كريهة تزكم
أنفك مصدرها زنك الخضار و اللحوم جرّاء الأوساخ و بقايا اللحمة المتعفنة و
الناس يبيعون الرغيف و الخضار و غيرها حولها ..المدينة مكتظة بالباعة المتجولين
الوافدين إليها من الريف وولايات أخرى، جاءوا يحملون معهم سلوكهم وقناعاتهم
فتأريفت معهم المدينة تماما فربما سبب الأذى لعينيك منظر من يتبوّل أو يتغوّط
في رابعة النهار( شراع النهود بالقرب من سوق ابن مسعود وسور المستشفى والسوق
الغربي مجرد أمثلة) ..شوارع السوق قديمة غطت عليها الرمال المتحركة( سرطان
المدينة) فلم يعد يظهر من الأسفلت شئ.. الكل يستغل هذه الطرق البائسة من عربات
وكارو وبهائم وناس ! لأن حركة السير على جانبي الطريق أصبحت صعبة للغاية إن لم
تكن مستحيلة بسبب الرمال الكثيفة والتي أكدت فشل السلطات وعلى رأسهم محلية
شيكان في التصدي لها رغم أن هناك محاولات خجولة أحياناً لسحب التراب من الطرق
لكن تظل المشكلة باقية لأن التراب يتكوّم على جانبي الطريق سرعان ما يرجع
لمكانه...ليس هناك إصحاح للبيئة.. الأوساخ و المخلفات أصبحت تشكل أحزمة حول
البيوت والأحياء السكنية مسببة كثير من الأمراض في مقدمتها الملاريا...لا توجد
في المدينة حدائق جميلة و منتزهات لترفيه الأسر والأطفال..كان هناك منتزه بائس
في وسط المدينة يسمى البستان شمال سينما عروس الرمال تم التغول عليه فصار
فضاءً تقف عليها العربات والمتسكعين ..محلية شيكان لا همّ لها إلا جباية
المال...هذا الوضع يتطلب وقفة صادقة من كل من يعنيه الأمر، مسئول أو مواطن غيور
لتصحيح الصورة بالمساهمة حتى ولو بالرأي والمقترح..فعليه هذه بعض المقترحات
المتواضعة التي يمكن أن تساعد في إعادة صياغة المدينة من جديد:
إزالة التراب من شوارع الأسفلت بالجرافات و عمل ردميات على جانبيها تجلب من
الجبال المحيطة بالمدينة وترش بالمياه حتى لا تتحرك.
ضبط عربات الكارو وتقييد حركتها وإن دعا الحال منعها من التحرك في الشوارع
الرئيسية لأن منظرها يشوّه وجه المدينة ويعرقل حركة السير و ربما تسببت في
الحوادث.
ضبط وتنظيم حركة سيارات الأجرة (الأتوز) وتحرير مخالفات مرورية لمن يستخدم
الطريق خطأ.
العمل على تنفيذ حدائق ترفيهية للأسر وهذه دعوة لأبناء الولاية عامةً و الأبيض
خاصةً للاستثمار في هذا المجال مع الوعد بتقديم تسهيلات من جانب الحكومة.
توجيه برامج توعية من وسائل الإعلام بضرورة العمل على إصحاح البيئة و النظافة.
استنفار طاقات الشباب في نظافة الأحياء مع تقديم المعينات اللازمة من قبل
المحليات كما كان يفعل في السابق.
ضبط و تنظيم الحركة التجارية في السوق ووقف الفوضى.
لا شك أن هناك أفكاراً ومقترحات أخرى أرجو أن يساهم بها الآخرون من أبناء
الولاية الحادبين على مصلحتها.
سنواصل الحديث عن الأبيض في مرات قادمات إن شاء الله. |