أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 07 مايو, 2008 08:28:29 PM


حصاد زيارتي مني اركو مناى الى  امريكا

سليمان رابح/واشنطن

srabih@hotmail.com

لقد أصبحت العاصمة الأمريكية روما العصر الحديث، يؤمها الساسة والأكاديميون والمتسيسون من كل حدب وصوب ومن مشارق المعمورة  و مغاربها  فمنهم من يأتى طالباً للعلم أو مستجيراً من بطش ولاة الأمر ، وغالباً ما يأتى الساسة و المتسيسون شاكين للعم سام  قسوة الحكام  او متملقين  ليرضى عنهم . و هناك من يتم أستدعائهم من قبل ولى الأمر بواشنطن ليملى عليهم بعض الأوامر  حتى وان كانت لا ترضاها شعوبهم لا كرامة ولا انفه ، أو لتوبيخهم لنشوذهم.  و أكثر الآمين لوشنطن هم من الساسة و المتسيين السودانين حكومة و معارضة ، منهم من يٌُعلن عن زيارته و منهم من يتكتم عليها وذلك حسب المهمه والأهمية.

تدور فى هذه الزيارات الكثير من الطرائف والمفارقات الغريبة الشىء الذى يعتبره الامريكان فوضى وتخلف مما يثير استياؤهم

أود هنا ان اعرف القارئ السوداني  باحدى هذه الزيارات ليعرف القليل عن كيف يتصرف ساستهم فى دول العالم المتحضر ، وهنا  أشير الى زيارتى منى اركو مناى الى امريكا  , حيث  كانت زيارته الأولى بدعوة من البيت الأبيض لشكره على توقيع  أتفاقية أبوجا التى كانت وليدة ضغوط أمريكية بريطانية ، و قد رافقه فى تلك الزيارة  وفد من بعض النظار و أفراد من بعض  قبائل دارفور، ولقد استقبل الرئيس الأمريكى هذا الوفد ، علي الرغم من أحتجاج بعض القانونيين و ناشطي حقوق الأنسان بأعتبار ان مناوى متهم بانتهاكات صارخة  لحقوق الانسان و تجاوزات مشينة  ضد المدنيين و بما  ان الدستور الأمريكى يؤكد على عدم الاحتفاء بأى متهم بتجاوزات قانونية على حساب دافعى الضرائب حتى يتم تبرئته من التهم الموجهة اليه ، واعتبروا تلك الدعوة خطأ ارتكبه الرئيس الامريكي .

  و هنا أذكر ان احد المعلقين بالقناة ((MSNBC التلفزيونية وصف اسقبال الرئيس الامريـكي لأركو مناوى قبل أن يتسلم  منصيه رسمياً كمساعد و قبل أن  ُيبرأ من تهم انتهاك حقوق الانسان الموجهة اليه بأنها فعلة لم يسبقه عليها رئيس أمريكى و أنها أحد الأفعال التى يجب أن تعرض  على الكونقرس للمساءلة. وربما  لهذا السبب لم يتم الترحيب بمناوى فى البيت الأبيض اثناء زيارته الأخيره. و لقد ألتقيت أحد العاملين بالبيت الأبيض بعد مضى أيام قلأئل على تلك الزياره  و سألته، لماذا لم يصدر البيت الأبيض بياناً صحفيا مثلما يحدث عادة يوضح فيه نتائج الزيارة  و الغرض منها فرد على بابتسامة تخبئ من ورائها سخرية دبلوماسية قائلاً لم نفعل ذلك لأننا لا نعرف ماذا يريد منا صاحبكم ووفده المرافق لنقوم بمساعدتهم . و أردف قائلاً بان الوفد لم يقدم للرئيس ملف يحتوى على برنامج عمل واضح أو مطالب يمكننا أن نتدارسها معهم   .

ولقد اجتهد أعضاء حركة مناوى بأمريكا أنداك فى تنظيم لقاء بالجالية السودانية و كان الحضور متواضعاً و لم يحضر من أبناء دارفور الا نفٌر قليل نظراً لاعتراض الغالبية العظمى منهم على اتفاق أبوجا.  و الحق يقال لم أخرج من ذلك اللقاء بشئ ينم عن نظرة ثاقبة لقضية أهل دارفور المغلوبين على أمرهم على الرغم من حبى للحلول السلمية لمشاكل سوداننا المكلوم. كل الذى خرجت به من ذلك اللقاء   أنى أستمتعت بالجلوس الى السيد محمود مادبو الدى أتحفنا بالطرائف و النكات الساخرة التى كان يطلقها عن الزيارة منذ حضوره ضمن الوفد  وحتى لحظة الصور التذكارية مع  جنداى فريزر .                              

     أما زيارة مناوى الأخيرة ، فحسب ما هو متداول أنها جاءت بدعوة من جنداى فريزر مساعدة و زيرة الخارجية الأمريكيه . و قيل أن الغرض من الزيارة هو التعبير عن عدم رضى مناوى عن المعاملة التى يتلقاها من حكام الانقاد و عدم رضائه عن سير اتفاق أبوجا . اما الخارجية الأمريكية فغرضها من الدعوة هو ارسال اشارة الى الحركات التى لم توقع على أبوجا  بأن الرضى عنها والسماح بزيارة أمريكا سيكون بانضمامهم الى ركب سلام مناوى.  

المتمعن فى  زيارة مناوى الأخيرة يلاحظ العدد الكبير من المرافقين له  و غياب  ممثلين عن القبائل الأخرى من الذين كانوا بصحبته فى زيارته الأولى، حيث أن غالبية الوفد المرافق له كان من أبناء القبيلة التى ينتمى إليها مناوى . أما اللقاءات التى تمت مع المسئولين الأمريكيين، حسب ما أورده ممثل الحركة الشعبية فى واشنطن فلم تتجاوز وكيلة وزارة الخارجية و بعض  الشخصيات غير المؤثرة فى اتخاذ القرار ، و كانت بتنسيق من قبل مكتب الحركة الشعبية وبناءاً على توصية من السيد سلفا كير. كما أن الوفد لم يحظى بالحفاوة التى حظى بها فى زيارته الأولى ربما لأسباب منها إدراك  الأمريكان بالخطأ  الذى وقعوا فيه بإعتمادهم على شخص لايحرك ساكنا .              

  فى ختام زيارة مناوى ووفده الكثير العدد و القليل العدة و العتاد ، قام مكتب حركة تحرير السودان بواشنطن بتنظيم لقاء لمناوى بالجالية السودانية . و كالعادة غاب عن اللقاء معظم أبناء دارفور بأمريكا الا نفر قليل جاء بهم حب الاستطلاع  لمعرفة  ما طرأ  على طريقة تفكير مناوى بعد دخوله القصر. ومن باب اللياقة ، قلت لاحد أصدقائى من أبناء دارفور الذين حضروا اللقاء دعنا نذهب لنحى مناوى و نتحدث معه ، فأخبرنى بأنه قطع على نفسه يميناً مغلظة ألا تمس يده يد مناوى التى وقع بها أتفاقية أبوجا وقبض الثمن وسكن العمارات ، بينما أهله بدارفور لايزالون بمعسكرات النزوح  والهوان !

 كانت أول مشكلة فى اللقاء هى مراعاة الزمن !  وهو امر غير معتاد عليه منى ولا الوفد المرافق له ، حيث ترتب للقاء أن يتم فى الثانية عشر ظهرا ، ولم يظهر مناوى الا عند  الثالثة و اربعين دقيقة بعد الظهر ! هذا ، بالرغم من  أن مكان اللقاء هو ذات الفندق الذي يقيم فيه مناوى ووفده ! وعند وصولة  لم يتم تقديم مبرر مقبول لذلك التأخير فاصبح موضوعاً للتندر. و أذكر أن أحد الحضور ضحك متهكمأ قائلا ان السيد المساعد  كان نائما ولم يجرؤ احد على أيقاظه ! و قد آثر بعض الحضور عدم الانتظار باعتبار ان من لا يحترم الزمن لا يمكن أن يقدم ما هو مفيد ! واعتقد انهم كانوا على صواب . ليس هذا فحسب ، فقد علمت لاحقا بأن  السيد المساعد لم يتمكن من حضور اجتماع مهم تم ترتيبه له بوزارة الخارجية الأمريكة مع شخصية ذات ثقل فى قضية دارفور،  وأعتذر بحجة أنه كان نائما ! هذا بالرغم من أن توقيت اللقاء كان مقرراً فى تمام الثانية عشر ظهراًً !  يبدوا أن السيد المساعد لم يتمكن من تغيير عادته فى النوم إلى مابعد الظهيرة !

 كما هو متعارف عليه ، انه عقب كل لقاء سياسى يقوم الحضور بتوجيه أسئلة و استفسارات للمتحدثين ، ويتوقع الحضور إجابات شافية على إستفساراتهم وأسئلتهم، ولكن فى هذا اللقاء إنقلبت الموازين ! لقد إتسمت معظم ردود مناوى ومرافقيه بعدم سعة الصدر و الرد على معظم أسئلة الحضور بالتهكم أو بتوجيه أسئلة إعتراضية للسائل بدلاً من الاجابة المباشرة على استفساراتهم  مما يدل على ان السيد منى والمرافقين له ليس لهم برنامج وخطاب سياسي.

هنا أود أن أشير الى بعض الأسئلة من قبل الحضور و اجابات مناوى و صحبه ، فقد سأل  الصحافى  طلحة جبريل عن ما تم مناقشته مع الأمريكان وماذا يتوقع من زيارته ؟ فكانت إجابة مناوى محبطة للغاية حيث أوضح بانه سيخبر البشير بذلك عندما يعود  للخرطوم ! كما ساله السيد / أبوهريرة ' من حزب الأمة ' عن ماهى انجازات حركة منى ما بعد الاتفاق ؟ فكانت الاجابة بسؤال ساخر ماذا فعل حزب الامة؟ و القى بالائمة على  حزب الأمه لانه لم يحرر شهادات ميلاد لمن ولدوا  بالاصقاع النائية من أرض الوطن خلال العقود الماضية ! و سأل أحد الحضور عن كيفية صرف الأموال المخصصة لأقليم دارفور التى تسملها منى من حكومة الانقاذ ؟ أجاب مناوى بأنه لم يتسلم أية أموال من الأنقاد ! بالرغم مما أوردته جريدتى الأيام و الصحافة السودانيتين  فى عدديهما الصادرين بتاريخ31/3/2008 و 1/4/2008 من خبر مفاده وجود فساد مالى واهدار لاموال ابناء دارفور خاصة و الشعب السودانى بصفة عامة ، وذلك بمليارات الجنيهات ! وفى هذا الشأن  يمكن  للقاري  الرجوع  لما نشر بسودانيز اون لاين على لسان شاهد من أهلها اختلف مع مناوى! ويبدو الامر جليا اذا نظرنا الى كثرة عدد وفده الزائر!   و هناك اسئلة  اخرى من الحضور لم أستحضرها  و لكن جلها تم الرد عليها اما بأسئلة مضادة او اجابات تهكمية تنم عن ضيق صدر و افق !  الحق يقال أن المهندس دوسة كان لبقاً عندما عطر اللقاء ببعض الاجابات المنطقية التى لولاها لجزمت كما جزم احد أصدقائنا ساخرا بأنه خرج من الاجتماع بذات البضاعة  التى جاء بها و جزم بانه اصيب بدوار  من شدة الجهد الذى بذله محاولا فهم ماقيل و ماجرى فعاد إلى داره  نادما على كل ثانية قضاها يستمع للغو الحديث !

بدورى قد توجهت الى أعضاء الوفد ببعض الأسئلة و لم اجد لها اجابة منطقية ! من بينها، لماذا يتكون معظم الوفد المرافق لمنى من ذوى رحمه، و هل تخلى عنه من رافقه فى زيارته الأولى أم تخلى هو عنهم؟ و هل لدى رئيس السلطة الأنتقالية سلطة حقيقية يستطيع من خلالها إصدار قرارات أو محاسبة الولاة او المتجاوزين باقليم دارفور؟  فاجاب مناوى بطريقة لم أفهم منها شيئا ، فحاولت الاستعانة باحد الحضور ليعيننى على فهم اجابات  مناوى و لكنه أجابنى بأنه معى فى ذات المركب وعبر عن ندمه الشديد على الحضور و اهدار وقته الثمين فى الاستماع لمثل هذا الحديث الفج.                                                                          

  كما أنني  سألتٌ عن رؤية الحركة للتعداد السكانى و هل لصندوق اعمار دارفور  دور يمكن أن يقوم به فى اعادة النازحين أم يأتى دوره بعد عودة النازحين؟ وهل سيقوم الصندوق بانشاء مشاريع تنموية متوازنة ينتفع بها جميع أهل الاقليم أم يقتصر دوره فى اعمار مناطق قبلية بعينها؟  لكن يبدو أن أسئلتى لم ترق لأحد من وفد الخيبة فرد المهندس دوسة متهكماً و مستغرباً من ان شخص مقيم بأمريكا يسأل مثل هده الأسئلة  وحسبما فهمت من أجابتة أن أسئلتى هذه تنم عن عدم المام ببدهيات ما يقوم به أعضاء حركته و مايدور فى عالمهم المجهول  فأن كان ذلك مقصده فهو محق، و أن كان يقصد من أسئلتى بأنها ساذجة و ضحله فذاك حكمه الشخصي و لقد تعاملت معه بصدر منشرح احتراما للحضور و حاولت إعادة سؤالى ليتم فهمه بالطريقة الصحيحة ولكن لا حياة لمن تنادي !  و للأمريكان مثل اعمل به دائماً حتى لو لم يعجب قوم مني يقول المثل 'لا توجد أسئلة  عبارة عن قمامة  لابد من  إلقائها في سلة المهملات ولكن احياناً تكون الردود ضحلة لامكان لها الا سلة المهملات . '         

أما زميل الدراسة المحامى سام و مستشار مناوى القانونى فكان رده على الأسئلة التى طرحت كان أكثر تهكماً فقد اكتفى بوصفى بعدم المواكبة و التخلف  ووعد بإرسال مادة تعليمية لكى أتمكن من خلالها تطوير نفسى على حد قوله !  وأنا بدورى ما زلت فى انتظار المادة التعليمية التى و عد بها ! فإن كان صادقا فى و عده فسأكون شاكراً و مقدراً لأنى دائماً أبحث عن الحقيقة و سبل التعلم و التطور من كل المصادر و هذا هو السبب الرئيسى الذى حدا بى لعدم مقاطعة اللقاء كما فعل معظم ابناء دارفور بامريكا .

حضرت لأستمع لمني و دوسة و سام ومن معهم  و من قبلهم أستمعت لبوش و غيرهم من القادة الذين اتت بهم أقدار من يؤتى الملك من يشاء و ينزعه ممن يشاء، آملاً ان أتعلم شيئا أطور به افكارى. واقر باننى قد تعلمت الكثير واكتشفت بان دارفور ستعانى الامرين ان كان  هؤلاء هم من القائمين على قبرها اقصد امرها

كان الزميل  سام قد عبر فى مستهل الندوة خلال الكلمة التى القاها عن اعتزازه بنفسه و بأن لديه المقدرة على استدعاء الصحفيين الى مكتبه بالخرطوم  و تمليكهم الحقائق فمنهم من ينشرها و منهم من يخشى بطش الحكومة فيكتمها ! كما عبر عن ندمه الشديد و حسرته على الزمن الذى اهدره من حياته لكى يتعلم اللغة العربية من أجل الدخول الى المدارس السودانية (وهذا امر يطول شرحه ساتعرض له فى مقال لاحق) و لكن على الرغم من ذلك لم يشأ السيد سام أن يخاطب الحضور بلسان قبيلته بالرغم من و جود مترجمين  لرطانة الزغاوة و لم يتحدث بألأنجليزية التى تحدث بها ممثلى الحركة الشعبية بطلاقة ، و تحدث بها رئيس مكتبهم بامريكا بركاكة مما حدا بمقدم الندوة برفع الحرج و السماح لأى شخص بالتحدث باللغة التى يفهما بلا تكلفة  و عندما حاول أحد أعضاء و فد مناوى تقديمه للحضور بالأنجليزية قاطعة مناوى و أمره باستخدام العربية بالرغم مما قاله سام عن العربية !  

  فى هذه السانحة ، اطلب من الزميل  المحامى سام  ان يشرح معنى عدم المواكبة الذى وصمنى بها ! وأنا فى إنتظار مساعدته الثمينة ووعده بارسال معلومات تساعدنى على تطوير نفسى و افكارى كما قال فى ذاك اللقاء الغريب. و بهذه المناسبة فانى اهدى زميلى المحامي سام هذا الموجز عن معنى التطور الى حين ان تصلنى منه التحف.  التطور يعنى النمو البطئ المتدرج الذى يؤدى الى تحولات منتظمة و متلاحقة تمر بمراحل مختلفة يرتبط سابقها بلاحقها كتطور الأفكار و العادات و هو فى الجملة انتقال من المختلف الى المؤتلف و من غير المتجانس الى المتجانس و من اللامحدود الى المحدود، و لا يتضمن التطور فى ذاته فكرة التقدم او التقهقر، و انما يعبر عن التحولات التى يخضع لها الكائن العضوى او المجتمع سواء كانت ملائمة او غير ملائمة و أصل الكلمة فى اللغة العربية التى لا يحبها سام' طور و جمعها أطوار'  و هى تعنى حالات شتى و منها قوله تعالى: 'وقد خلقناكم أطوارا '  أى ضروبا مختلفة. 

فى الختام أقول كما قال  الكاتب و الروائى الدكتور احمد خير فى مقاله عن ندوة منى ووفده  أنه ' لا هو منى ولا أنا  منه . '