|
ألأحداث في السودان تتشابك وتتلاحق كهجمة "العَتّاب" وهو جراد
ساحق ماحق يزحف بقفزاتٍ رتيبة تبيد الأخضر واليابس وتزهق أسرابه. إستولت دبابات
الإنقاذ علي السلطة وأغتصبت إرادة الشعب للمرة الثالثة بعد الإستقلال المسنن
1/1/1956. لا نِنكر ممالأة شرائح رائدة من القيادات الدينية والسياسية لإنقلابي
عبود ونميري وإنقضاض إنتفاضتيِّ أكتوبر وإبريل علي تسلط
النظامين. لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين... فلماذا وكيف لُدغ
الشعب السوداني ثلاث مرات؟
واجهت الإنقاذ في عامها الثاني - بخلاف ما حدث للنظاميين
العسكريين السابقين – أعتي معارضة إنتظم في قيادتها رواد الزعامات الطائفية
والحزبية والنقابية والعسكرية وألتحمت في صفوفها نخب الحركة الوطنية شمالاَ
وجنوباَ وغرباَ وشرقاَ وتعاقدتْ علي أكثر المواثيق تقدماَ (ميثاق أسمرا). وعلي
الرغم من تصدع ُبنية مشروع الإنقاذ الحضاري، خاصة عقب مفاصلة النُخَب
المتأسلِمة, لم ترتخ قبضة الممسكين بمفاصل السلطة بل تسني للإنقاذ إطالة عمرها
– بفعل عوامل داخلية
وعالمية – والتحايل علي المعارضة بالنكوص عن العهود والمواثيق
(السلام الداخلي وجيبوتي ونيفاشا والقاهرة وأبوجا وأسمرا..ألخ).
أضعف قفز الأحداث العتًابي ذاكرة الشعب السودانى ومكَّن الزمر
الحاكمة من إلقاء قضايا البلاد فى سَلة المهملات وضرب طوب من التزييف على
مقابرها. توقيع إتفاقية نيفاشا، سقوط طائرة قرنق، أحداث الإثنين الأسود، تنصيب
سلفا كير، إعلان الحكومة الثنائية، عودة قيادة التجمع وتعيين ممثليها فى حكومة
الشريكين، توقيع أتفاقية أبوجا وتنصيب منى أركوى، أحداث المهندسين وإعتداء قوات
الأمن الإنقاذية على قوات مناوي ، حرق حسكنيتة ومهاجرية, إغتيال محمد أحمد طه,
الوليمة العربية/الدولية بمدينة سرت حول دارفور, تداعيات المؤامرة التخريبية,
مروراً بمؤتمرات المانحين العرب لإنقاذ دارفور, ومراوغات الهجين, والمواجهة
العسكرية فى أبيىِّ !
تواصل القفز العتًابي إلي أن بدأ التراشق بإتهامات خروقات
نيفاشا والفساد المالي والإداري بين الشريكين وإنفجار قنبلة تجميد مشاركة
الحركة الشعبية في حكومة المؤتمر الوطني والتراجع دون مكاسب أو وعود. وتواتر
إحتدام الصراع في بؤرتي السلطة الخرطوم وجوبا حول عائدات البترول وترسيم الحدود
والمراكز الوزارية. وفي الوقت الذي خرجت في الخرطوم مواكب إحتجاج علي زيادة
أسعار البنزين والسكر لم تنل مأساة دارفور غير البيانات ومناصحة أطراف النزاع.
دارفور ومواقِف العرب والمسلمين
تزامنتْ ندوة الأهرام بالقاهرة ومؤتمر سرت بليبيا والمؤتمر
العربي بالخرطوم للإستنجاد بفكر ومال العرب والمسلمين لإطفاء محرقة دارفور. في
ندوة الأهرام، أكد هاني رسلان - رئيس برنامج دراسات السودان وحوض النيل بمركز
الاهرام - في حديث جرئ حول المواقِف العربية من أزمة دارفور فقال:" إن الاهتمام
العربي بأزمة دارفور ينحصر في دول الجوار للسودان وهي مصر وليبيا والسعودية."
مؤكداً انه لا يوجد موقف عربي موحد يتعامل مع الازمة. وأضاف " أما موقف جامعة
الدول العربية هو الآخر يتسم بالتقصير نظراً لأن الجامعة تعبر عن إرادة الدول
الأعضاء بها وهذا يفسر حالة الشلل التي تمر بها." وأنتقد عدد من الخبراء
والمتخصصين في الشئون السودانية والافريقية حالة الضعف والتراخي العربي إزاء ما
يحدث في السودان."
إنعقد المؤتمر العربي لدعم ومعالجة الاوضاع الانسانية بدارفور
في الخرطوم بعد أربعة أعوام ... وذلك عقب ندوة الاهرام بعنوان "العالم العربي
وأزمة دارفور". في ندوة آفاق الدعم العربي ودوره في معالجة الاوضاع الانسانية
في دارفور التي إنعقدت قبيل لقاء سرت والمؤتمر العربي بالخرطوم أ كد مسئول
رفيع: د. مصطفي عثمان "أن
ازمة دارفور نتيجة لكارثة طبيعية وليست أزمة
عنصرية
(...) " قضية دارفور ليست عنصرية عرب او افارقة انما نتاج الجفاف."
لماذا إستنجدتَ النخبُ الإنقاذية المتأسلمة بالعرب والمسلمين
لإنقاذ دارفور بعد مواصلة دمارها طوال أربعة أعوام حسوما؟ بلاد السودان – جمع
أسود - تسمية أطلقها المهاجرون العرب علي منطقة جغرافية بأفريقيا واجهوا فيها
فصائل من مجموعات تميًزت ببشرتها السوداء، بينما أطلقوا علي أقطار شمال أفريقيا
بلاد البيضان – جمع أبيض (لون البربر). وقد أنسَنَتْ سلطات الإستعمار الأوربي
مسمي السودان وأطلقته علي مجموعة أقطار أفريقية. أطلقت فرنسا مسمي السودان
الفرنسي (le
soudan francais)
علي مجموعة من مستعمراتها في غرب أفريقيا ( تشاد ومالي والنيجر والسنغال...ألخ
). وتصادف أن كَوًشتْ بريطانيا العظمي علي رقعة بلادنا الحالية تحت مسمي
السودان الإنكليزي/المصري. وحيثما إستوطن العرب إنتشر الإسلام مشرباَ بالثقافة
العربية. السودان هو البلد الأفريقي الوحيد الذي تَشَظتْ فيه ثنائية الهوية
العربية/ الأفريقية ومزقت نسيجه الإجتماعي. ولا يتسع المجال للخوض في متاهات
علاقات السودانين بالعرب. كتب د. عبد الله علي إبراهيم مقالاَ رصيناَ بعنوان: "
إسلام
السودان وعربه: في مناسبة مرور 40 عاماً علي صدور
العرب والسودان (1967) للدكتور
يوسف فضل حسن."
لا تثريب علي من لم يتصفح هذا الكتاب من الأخوة العرب والأفارقة اللذين شاركوا
في المناسبات المذكورة أعلاه ولكن من المؤسي ان يتعمد الإنقاذيون مسخ تاريخ
بلادنا في محاولة يائسة لتبريئة نظامهم من تداعيات محرقة دارفور! دعونا نجتر
أقوال العرب حول أزمة دارفور وندلف فيما بعد الي أقوال أصحاب الأسية.
إنتقد عدد من الخبراء والمتخصصين في الشئون السودانية
والافريقية حالة الضعف والتراخي العربي إزاء ما يحدث في السودان وأبتلعوا
ألسنتهم في محاولة فاضحة لتبرير جرائم الإنقاذ في دارفور وذلك بإدانة فصائل
المتمردين وتآمرهم مع قوي الإستكبار الإمبريالي/الصهيوني . قال عمرو موسي – لا
فض فوهه – أزمة دارفور " نتيجة لكارثة طبيعية تسببت في كارثة إنسانية."
في خطاب إفتتاح مؤتمر الدعم العربي شدد السيد الرئيس علي أنه
"لابد
أن
نأخذ بعين الإعتبار الجذور الأصلية
لمشكلة دارفور
ببعدها الجوهري المتمثل في البعد البيئي والصراع علي الموارد الشحيحة أصلا
والواقع الذي أفرزته المشكلة من إنعكاساته
ونتائجه الإجتماعية والإقتصادية والبيئية
(...)
لذلك لا بد من ربط محكم بين الإغاثة
العاجلة وإعادة
تأهيل البنية الإقتصادية
والإجتماعية
والتنمية البشرية وبناء القدرات وتعزيز التنمية المستدامة!"
أصحاب الأسية
أصحاب الأسية هم د. مصطفي عثمان اسماعيل مستشار رئيس الجمهورية،
رئيس اللجنة العليا للمؤتمر العربي لدعم ومعالجة الاوضاع الآنسانية في دارفور
ود. إبراهيم محمود مادبو رئيس مفوضية التأهيل بالسلطة الانتقالية في دارفور
ووزير الدولة للشئون الانسانية في دارفور. تضاربت أقوالهم حول معلومات أساسية
وهي تعداد السكان وعدد القبائل في دارفور. ولم يتطرق أحد منهم بأدني حد من
الأمانة لحجم الخسائر البشرية والدمارالمادي.
قال د. مصطفي: السكان حوالي 6 ملايين وعدد القبائل 80 , بينما
أكد وزير الدولة أن جملة سكان دارفور 6.750 ينتمون إلي 100 قبيلة (نسبة
المتأثرين جراء النزاع 2,100 مليون نسمة، منهم 650 ألف نسمة في 21 معسكراَ).
هذا فى الوقت الذي أورد فيه تقرير لهيئة الأمم المتحدة عام 2007
تقديرات إحصائية عن دارفور لا تتطابق مع المعلن من جانب الحكومة: عدد سكان
دارفور المتأثرين بالحرب 4.1 مليون, المشردون من ديارهم 2.1 مليون، اللاجئون
في تشاد 240 ألف، المعتمدون علي العون الغذائي 2.3 مليون، عدد منظمات العون
الإنساني غير الحكومية 74 بالإضافة الي 14 منظمة تابعة لهيئة الأمم (تقرير هيئة
الأمم المتحدة حول العون الإنساني لدافور – يوليو2007).
ورفع د. مادبو عقيرته مخاطباَ المؤتمرين "إن
حل الازمة (تنموي) وليس (سياسي)."
وأمن
علي حديثه مفنداً إفادات من يوصفون الأزمة بأنها بين الأفارقة والعرب.
وأستطرد قائلاَ
"أن
أزمة دارفور قَبَلية، إذ ضمتْ قبائل متعددة وظلت دولة إسلامية عاشتْ بمفاهيم
العقيدة الإسلامية تضم أكثر من 100 قبيلة وأكثر من 15 لهجة. العاملون فيها زراع
أو رُعاة وفي ظل النَِمَطين تصاهرتْ القبائل حتي أصبحتْ دارفور قبيلة واحدة
واستقبلتْ قبائل نازحة اُخري وكان لهذا التعايش نظم ادارية وإجتماعية قادها
زعماء إداريون:
الجودية- الراكوبة ومجالس الحكماء - التي إحترمها الظالم
والمظلوم وتركتْ تاريخاً ناصعاً جَلَبََ الإحترام من المجتمع الدولي."
أما وزير
الدولة للشئون الإنسانية
فقد أثار حديثه عن الوضع الإنساني في دارفور
دهشة المؤتمرين حينما أكد
أن المنظمات المسموح لها
(...)
قرابة 258 منظمة والعاملون فيها كانوا أقل من ألف واليوم أصبح عددهم 15500
يتحركون بـ 4 آلاف وسيلة وكل الجهود مجتمعة الي جانب
الامم المتحدة والمنظمات تحقق انجازاً جوهرياً وأصبحت
الأزمات في كافة المناحي صحة أم غذاء في حدها المقبول إلي جانب النشاط في
العودة الطوعية التي بلغ عددها 359 ألف نسمة في ولايات دارفور بالتركيز علي شرق
نيالا.
إستنجد الإنقاذيون ببورصة المبادرات العربية/الإسلامية بدعوي
صد الهجمة الإمبريالية /الصهيونية علي عروبة وإسلام السودان في دارفور وتوافد
ممثلو المؤسسات والحكومات بأياد مغلولة الي أعناقهم. لم يقتصر الإستنجاد علي
العرب والمسلمين بل تخطاهم إلي دهاقنة الإستكبار الديني. قال السيد رئيس
الجمهورية في حوار مع قناة العربية أثناء زيارته للفاتيكان "(...)
هذا اول لقاء مع البابا بعد تنصيبه وحقيقة الرسالة هي الآن
هنالك كثير من التشويش علي الأوضاع في السودان وعن الحرب في السودان سواء كانت
في الجنوب أو حتي في دارفور هي حرب بين المسلمين والمسيحيين علماً نحن في
السودان لا نعرف قطعاً الصراعات الدينية ولم يسجل التاريخ أي فتنة دينية في
السودان والحرب في الجنوب كا نت هي حرب سياسية بحتة أما دارفور طبعاً لا يوجد
مسيحي واحد في دارفور نحن جئنا نتكلم عن التسامح الديني الموجود في السودان
ونتكلم عن دور الدين عموماً في بسط الأمن والسلام بين معتقدي الأديان السماوية
جميعاً كلها رسالات الي المحبة والسلام."
(نقلاٌ عن
أخبار اليوم - الأحد 23 سبتمبر2007 المركز السوداني للخدمات
الصحفية - الخرطوم).
تعهدتْ
المؤسسات والدول
العربية بتوفير
دعم مالي لم يتجاوز سقف 250 مليون دولار لإعمار
الإقليم بينما أعلن رئيس المفوضية د.ابراهيم مادبو في مؤتمر
صحفي "أن المبلغ الذي جاء به مؤتمر العرب لا يتناسب مع حجم الدمار أو القيمة
المطلوبة. الأمر الذي يجعل الجميع يبحث عن مؤتمرات اًخري دولية وإقليمية
متشابهة لسد الحاجة (...) في حالة الفشل سنضطر إلي تمديد خطة بناء دارفور
إلي العام الميلادي 2020." وأفادت مفوضية إعادة التأهيل وإعادة التوطين أن حجم
الدمار الذي تعرضت له ولايات دارفور من جراء الحرب يتطلب إعادة بنائه حوالي 8
مليار دولار. هل يعني هذا القول أن إعادة إعمار دارفور سيكون وقفاٌ علي حصيلة
التسول من المانحين ؟
إذا كان الهدف من هذه المؤتمرات الإحتفالية الحصول علي دعم مالي
فقد جاءت المحصلة مخيبة للآمال لأنها جرعة لا تكفي لعلاج أسقام قرون من الدمار
الذي أحاق بإقليم دارفور من جراء نهب القوي الأجنبية والمحلية. ولو تسني لأي
قدرة إنسانية قرآءة ما إستبطن أي من المشتركين في مؤتمر الخرطوم لأدرك كوابح
سقف الدعم المالي وشح العطاء العربي. لم يتجرأ أحد علي طرح سؤالين بسيطين: من
دمر دارفور؟ ومن أوقف دمار الجنوب؟ أليس من المخجل أن يتسول الداعون لإنقاذ
دارفور في أسواق المانحين وينفقون الملايين في نفس ألأسواق لشراء أحدث الأسلحة
لدمارها؟
أخذ وعطاء العرب
لا يخفي علي إحد تنافس بل تكالب كل من شريكي سلطة نيفاشا علي
موائد المانحين بإزدواجية تفضح نوايا الإنفصال. ونسبة لإرتهان إنقاذ دارفور
بفيض النخوة العربية/الإسلامية, يلح علينا سؤالان ثاقبان: هل للسودان سوالف علي
العرب قبل وبعد الإسلام؟ وهل لهم ديِّن مُسْتَحق؟ سأحاول فيما يلي الرد علي
هذين السؤالين دون إسفاف:
توافدت شرائح من القبائل العربية إلي بقاع السودان بحثاَ عن
الماء والكلأ (في الشرق والوسط والغرب) أقتحموا مواقع في الشرق لإكتناز الذهب
والزُمرد وغزوها جلباَ للأرقاء (النوبا في الشمال والبجا في الشرق وأصقاع الغرب
والجنوب). وتصاهرتْ الأعراق السودانية عبر القرون مع القبائل العربية والعناصر
الوافدة وتكاثر الهجين في رقعة سُميتْ مجازاَ بشمال السودان. وقد كان التعريب
مِنْولاَ سريع الأثر في نسيج العلاقات الإقتصادية (التجارة) والإجتماعية
(المصاهرة)، بينما كانت الأسلمة ضرورة ملحة لدرء تداعيات الفتوحات الإسلامية
وإمتصاص صدام مصالح المتنازعين.
إستنزف العرب وغيرهم من المهاجرين والغزاة موارد السودان
المادية والبشرية وجرفوا ثروات طائلة الي خارج البلاد مما أدي الي تدهور
البنيات الإقتصادية البدائية وتهرئ نسيج العلاقات الإجتماعية والروحية. لم ترق
العلاقات التاريخية بين الوافدين والسكان الأصليين إلي مستوي"الأخذ والعطاء."
فقد أورثنا غزو الفراعنة - قبل دخول العرب - خضوعاَ لمراكز دويلاتهم وشيدوا
بسواعد ودماء أسلافنا مدافنهم وإهراماتهم وجيشوا شبابنا لقهر أعدائهم. ثم ماذا
ورثنا من الهجرة والغزوات العربية قبل وبعد ظهور الإسلام؟ دخلنا في الإسلام
زرافات ووحدانا وتعربنا وإرتوينا من معين الثقافة العربية الإسلامية حتي
الثمالة (... لا تشتري العبد إلا والعصي معه ... ومن علم الأسود المخصي
مكرمة...) وتطبعت علاقاتنا مع نسق مخيلة الإستعلاء العرقي والديني. أورثونا
قباباَ غبراء وأسفاراَ صفراء. تعاقبت علي بلادنا حضارات وثقافات دينية
(الفرعونية والمسيحية والإسلام) عبر عشرات القرون ظل الإنسان خلالها يجوس في
حلقة مفرغة قوامها الرعي الجائر والزراعة الإعاشية وتقنية الشادوف والساقية
وقوي الدفع الحيواني والبشري (الأقنان والأرقاء).
وصل السودانيون (سلالات الكوشيين والنوبيين) إلي قمة السلطة في
مصر القديمة غزاة وحلفاء. وإحتل الملك بعانخي مصر عام 725 ق.م، وأسس دولة إمتدت
من البحر المتوسط حتي الحبشة. وحينما صد رماة الحدق جحافل الفتوحات
العربية/الإسلامية وإكتفي الحكام المسلمون في قاهرة المعز بما كسبوا من
معاهدة
"البقط" (651 م) ألزم الغزاة المسلمون بلاد النوبا لمدة سبعة عقود بتسليم 360
رأساَ من الرقيق كل عام (ذكورا
وإناثاٌ) بالإضافة الي 40 رأساَ لمسح شوارب الأعيان من
المصريين. كان ذلك مقابل كميات من الحبوب والبقول وأصناف من النبيذ. وتراجع
أقوام بلاد السودان بعد الفتوحات العربية/الإسلامية لمستوي مرتزقة في الجيوش
وسلع في أسواق النخاسة (فقاسات لهجين عربي/زنجي وخسيان مرد لحراسة الحريم). ثم
إجتاح محمد علي باشا السودان وأخضعه للحكم التركي (1821- 1885) وجيّشَ الأرقاء
والمرتزقة – بالتعاون مع قبائل سودانية معروفة - لإصطياد العبيد السود لتقوية
جيشه ونَهَبََ ذهب الشرق لدعم خزانته وكرس قدارته العسكرية لإستنزاف القوي
البشرية (تجارة الرقيق) ونهب الموارد المنتجة (الضرائب والجبايات).
ثم حررتنا الثورة المهدية من براثن الحكم التركي وتلاحمت قوي
المجتمع لتأسيس بنية إقتصادية علي أنقاض خرائب النهب التركي/الخديوي ولكنها لم
تقو علي مواجهة الزحف الإستعماري والنزاعات والخيانات الداخلية. علي إمتداد
عمرها القصير أنهكت الثورة قواها بالإنكفاء علي ممارسات إقتصادية وإدارية سلفية
(الإعتماد علي الزكوات والصدقات والجبايات وتجارة الرقيق...ألخ). هذا بجانب
التناحر علي السلطة والإندفاع في مزالق إقتصاديات الحرب. كرسَّتْ الثورة جهوداٌ
خاصة لإستنهاض القطاع الزراعي وتوفير متطلبات الأمن الغذائي للجيش والسكان.
ويمكننا أن نؤكد أن نخب الثورة المهدوية: الصوفية والعسكرية والإدارية
والتشريعية والقبلية إنصاعت إلي عزلة مجيدة من قاعدتها الثورية بسبب إنكبابها
علي إعادة إنتاج سياسات البطش التي أدت الي إنفجار الثورة وأهمها مواصلة النهب
الضرائبي وتقنين تجارة الرق علي النسق الإسلامي .
منذ أن وطأت أقدام الوافدين العرب - قبل الإسلام - إجتاحت
قوافلهم وجيوشهم شرق ووسط وغرب السودان ... رعاة وتجاراَ وغزاة بعد ظهوره- لا
يكاد المنقب أن يعثر علي أثر أو إرث حضاري تركه العرب والمسلمون في أي بقعة من
أرضنا إستنهض قوانا للخروج من سياج تخلف القرون البائدة. خرج المسلمون والعرب
من الجزيرة العربية القاحلة وتلاقحوا مع حضارات سامقة في آسيا وأوربا وأفريقيا،
إستفادوا وأفادوا فماذا دهاهم في السودان؟ رفل المستوطنون من جيوش المسلمين
وسدنتهم في نعيم العراق والشام ومصر والمغرب وإنغمسوا في رفاه الحضارة الرومية
والفارسية وجلبوا إلي الجزيرة القاحلة ثروات طائلة وقوي بشرية خيرة (السبايا
والأرقاء والذهب والفضة والتين والزيتون). وحتي لا أقع في هوة التعميم لابد لي
من التنويه الي ضرورة الإلتزام بفواصل المراحل التاريخية لقرآءة إيجابيات
وسلبيات المواقف العربية أزاء السودان عبر متغيراته التاريخية والجغرافية. مثلا
: (1) تسرب العرب إلي السودان قبل الإسلام هروباٌ من النزاعاب القبلية وسعياٌ
وراء الماء والكلأ وتأميناٌ لعيشهم من قسوة العوامل الطبيعية، (2) دخولهم بعد
الإسلام سرايا لإعلاء كلمة الله ورسوله ... وتسلطهم - فيما بعد - كغزاة أو
مستوطنين تمكنوا من تغيير تركيبة المجتمع عرقياُ وعقائدياٌ ولغوياٌ وثقافياٌ
وجغرافياٌ. لتقصي الحقائق لابد من تصنيف كم ونوع الأخذ والعطاء خلال المرحلتين
المذكورتين. سنفرد لهذا التصنيف مساحة مميزة علَّها تقينا شرور آحادية الرؤي
وتداعيات ملاسنة المتأسلمين والمستعربين.
طفرة الحكم الثنائي
أحدث الإحتلال البريطاني/المصري تحولات غير مسبوقة في البنية
الإقتصادية وإدارة الشئون العامة مكَّنتْ بعض أقاليم السودان من الدخول في
نطاق السوق الرأسمالي عبر قنوات السيطرة القارية للإمبراطورية البريطانية. كما
أفسح تراجع الحكومات المصرية أمام المنافسة البريطانية وتقلص إسهامها في تمويل
وتنفيذ مشروعات هامة (السكك الحديدية ومشروعات الري والخدمات الأخري) أفسح
المجال لإنفراد بريطانيا بالترويج لمشروعات إنماء مرموقة شملت قطاعات الإنتاج
والخدمات الرئسية. وتمكنت بريطانيا من ترسيم حدود السودان الإنجليزي/المصري بعد
الإستيلاء عسكرياَ علي سلطنة الفور (1916). وشهدت بعض مناطق السودان خاصة الوسط
ومراكز حضرية أخري - منذ الربع الأول للقرن العشرين - طفرات إنمائية متسارعة
وشبت بعض الأقاليم عن طوق التخلف الإقتصادي لتكون أسواقاَ لصادرات أهم خامات
العصر (القطن) ومستورداَ للسلع الإنتاجية والإستهلاكية. هذا في الوقت الذي ظلت
فية مناطق أُخري عرضة للتدهور بفعل: (أ) منشارالنهب الإقتصادي: قوات الإحتلال
وتسلط الفئات الجهوية والإستعلاء العرقي, (ب) تفشي الإستلاب العقائدي وهيمنة
الطوائف الدينية, (ج) تحجيم نطاق التنمية الإنتقائية الإستعمارية قبل وبعد
الإستقلال (د) قصور الحركة الوطنية دون متطلبات التغيير الإقتصادي/اللإحتماعي.
ويخطئ من يتوهم بأن ألإستعمار البريطاني قد ضرب بقوانين المناطق المقفولة سياجأ
حول الجنوب دون غيره من أقاليم البلاد. فقد تعرَّضتْ أقاليم عديدة للعزلة
الإقتصادية والإجتماعية والعرقية والدينية تكريساٌ لمصالح المستعمرين وتوطيداٌ
لإستعلاء حلفائهم من المستعربين وإلمتأسلمين في مراكز الهيمنة بشمال البلاد.
كانت ولا تزال مناطق مثل دارفور وجبال النوبة وهوامش بقاع في الشرق والشمال في
عداد المناطق المتأثرة بالعزلة المزروعة بألغام التمرد الجهوي. أما ما أصاب
الطفرة الإستعمارية من ضربات قاضية بعد الإستقلال (الإهمال والإنصراف الي
الصراع حول إقتسام الثروة والسلطة)، يثبته إنحدار البلاد إلي هوة التدهور رغم
تدفق البترول. إنهارت الروح المعنوية للقوي المنتجة بفعل النهب والفساد المالي
وهدام الخصخصة الإنقاذية وتسمين الطبقات الطفيلية.
موازنات الأخذ والعطاء
إلتزاماٌ بمنهج تصنيف الأخذ والعطاء وفقاٌ للمراحل التاريخية
والحراك الجغرافي للوافدين إلي السودان نرصد فيما يلي ما تيسر راجياٌ الإضافة
والتصويب من القراء:
يعتز السودانيون بعلاقات القربي مع الفراعنة ويتفاخرون بإخضاع
ممالك فرعونية لسلطانهم (بعانخي عام
725قبل
الميلاد) ولكنهم لا ينكرون التلاقح مع عصور الحضارة الفرعونية وتجييشهم أحراراٌ
وأرقاء في دعم التوسع الفرعوني. أما المسكوت عنه في تاريخ السودان القديم فيشمل
التلاقح مع الحضارات الهندية واليونانية والرومانية. السؤال الذي يتطلب إجابة
شافية: لماذا حَرمنا الفراعنة من ثمار حضارتهم ( الهندسة المعمارية وتقنيات
الري والإنتاج الزراعي ووسائل النقل والطب البشري والحيواني ...ألخ) هل كان ذلك
لقصور في القدرات الإستيعابية للعقل السوداني أم إستعلاء من العقل الفرعوني؟ لا
يزال الجدل يتدافع حول تقنيات الشادوف والساقية لتحديد فرعونيتها او نوباويتها
!
سلفت الإشارة الي مغانم العربان الوافدين الي السودان قبل ظهور
الإسلام, بقي أن نحصر عطاءهم. أشار بعض المؤرخين إلي المعارف التي نقلها العرب
الي شرق السودان في مجالات التجارة والبحارة والزراعة والرعي. ولكن بعضها لم
يتخط سوابق الهنود والفراعنة والفرس والرومان. وربما يكون عطاءهم قد إمتد الي
مشارف ضفاف النيل (المصاهرة) حيث طاب لهم المقام في نعيم الزراعة المروية
والإستقرار الحضاري في ديار آمنة.
لم تقتصر الهجرة الي السودان بعد الفتوحات الإسلامية علي العنصر
العربي, نسبة لإنضواء عناصر غيرعربية تحت ألوية الجيوش الإسلامية بما في ذلك
شتات من القوميات التي دخلت في الإسلام بمختلف الدوافع. وتمتد حقبة هذه الهجرات
من عام الغزو العربي/الإسلامي لبلاد النوبة بقيادة عبداللة بن أبي السرح إلي
بداية الغزو التركي/الخديوي. نقصر تناولنا خلال هذه الحقبة علي كم ونوع العطاء
العربي/الإسلامي في إيجاز نرجو ألا يكون مخلاٌ .
فتح الإسلام منافذ السودان لآفاق الثقافة الإسلامية/العربية
وأنتهل الحكام السودانيون والرعايا من معين التجارب الإقتصادية والإجتماعية
والتشريعية التي جاء بها المسلمون بعد أن أثروها بإجتهاداتهم المهجنة بمعارف
شعوب متعددة الحضارات والديانات. سبق التعريب الأسلمة إذ جبت اللغة العربية
اللهجات واللغات المحلية في المناطق التي أخضعها المسلمون لنفوذهم. كما وجدت
نظم الإسلام الإدارية والتشريعية والإجتماعية إقبالاٌ إرادياٌ من حكام ورعايا
بعض الدويلات السودانية. وكان نتيجة ذلك إنحسار العلاقات القديمة وتبني تقاليد
وممارسات عربية/إسلامية في مختلف مجالات الحياة الإقتصادية والإجتماعية. ولم
يخل عطاء الوافدين من السلبيات المتجزرة من هجين الثقافات العربية/ الإسلامية,
خاصة تطبيع العلاقات الإقنصادية والإجتماعية بما إستجد من مرجعيات الإسلام:
نظم الرق وتصنيف حقوق وواجبات الرعايا وفقاً لأوضاعهم الدينية والإثنية وقوامة
الرجل علي المرأة. نوه بعض المؤرخين إلي أن العديد من السلبيات لم تكن إفرازا
لإنتشار الإسلام بل جاءت تطوراٌ نوعياٌ وكمياٌ لمخلفات عصور ونظم وديانات
سابقة. ولكنهم لم يستبعدوا تلاقحها كهجين أفريقي/عربي. وعلي الرغم من إضمحلال
بعض اللهجات واللغات السودانية القديمة بفعل إنتشار لغة الوافدين (اللغة
العربية) لا يمكن إنكار دورهذه اللغة في إنماء العلاقات الإقتصادية والإجتماعية
وتسريع التواصل بين القبائل والأعراق . ولكن لماذا لم يستثمر الوافدون والغزاة
العرب منجزات الحضارة الإسلامية في بقاع السودان التي إستوطنوا فيها إسوة بما
فعلوا في عدة أقطار أخري؟ هل كان ذلك إستعلاءٌ دينياٌ أم عرقياٌ ؟ بالتأكيد لا
هذا ولا ذاك... فقد إستعرب وتأسلم بل تهاجن السودانيون مع العرب وغيرهم من
الوافدين. ربما كان تغلب غريزة الإستحواز لدى التجار والرعاة العرب سبباً
رئيسياً لشح العطاء وإنسداد منافذ التواصل.
لم يتخط عطاء المسلمين خلال فترة الإحتلال التركي/الخديوي نطاق
أستكفاء متطلبات هيمنة الإحتلال وتأسيس جهاز دولة ثيوقراطية (إسلامية) زيَّن
بعض الأدعياء إنحطاطها وسوء إدارتها بأقنعة الحداثة: لامركزية الحكم وبسط الأمن
وتوثيق الروابط ألإقتصادية والإدارية بين أقاليم البلاد وتحديث مرافق خدمات
التعليم والصحة والأمن... ألخ. وما زال بعض المؤرخين يتحججون بأن ما تعرض له
السودانين من بطش وإذلال خلال تلك الفترة, لا يمكن رصده في حسابات الوافدين من
العرب أو المسلمين، بينما يؤكد آخرون أن دوافع عدوان الغزو التركي/الخديوي لم
تتم بمعزل عن فتوحات الخلافة العثمانية حطام الإمبراطورية الإسلامية. ولكي لا
نؤخذ بجريرة التحامل ضد عطاء العرب والمسلمين نترك للعارفين رصد إيجابيات تلك
الحقبة.
قبل أن نتعرض لحسابات العطاء العربي/الإسلامي قبيل وبعد
إستقلالنا تقتضي موازنة الحسابات رصد العطاء السوداني. إستفاد العرب من أصالة
وعفة وأمانة وطيبة وتواضع السودانين العاملين ببعض مناطق الشدة وأعتصروا
قدراتهم ومؤهلاتهم في مختلف قطاعات الإنتاج والخدمات خاصة في مجالات الأمن
والتعليم والخدمات الطبية وخدمات المصارف والتدريب المهني. وعلي الرغم من تدفق
الكفاءات المهنية من كل القارات - عقب مغريات البترول - لم تنحسر مظلة
الكفاءآت السودانية عن أسواق الأيدي العاملة في أهم قطاعات الإنتاج والخدمات.
كان للسودانين أطول باع في الإخذ بيد العرب وتأهيل قدراتهم علي تحمل أعباء طفرة
البترول. وقد تواصل تدفق العطاء السوداني بعد الإستقلال ليشمل تفويج كفاءآت
متنوعة: أساتذة وأطباء وقضاة وعسكرين وعمال مهرة في مختلف القطاعات بما في ذلك
سباق الهجن.
ولا نخجل من الإشارة إلى معاناة السودانين رغم ما بذلوا ويبذلون
من تضحيات فى بعض مناطق الشدة حيث تتدنى الوفرة المادية والخدمات الحضارية بفعل
التخلف الأقتصادى والإجتماعى السائد فى بعض المناطق العربية. ولا تزال بعض
شرائح السودانين العاملين فى الأقطار العربية محرومة من إستحقاقات الأمن
والإستقرار والضمانات الخدمية الممنوحة بسخاء عربى لأكثر الوافدين بعداٌ من
الإسلام والعروبة. لماذا؟ باوع فى الرابط التالى:
http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=6760
ما إختط يراع الكاتب المقتدر شوقى بدرى حيث تسآءل هل السودانى إضينة؟
واللافت حالياٌ تداعيات الهجرة المعاكسة من بعض الأقطارالعربية.
عروبة وإسلام دارفور
هرولت النخب الإنقاذية لإستجداء نخوة الحكومات والمنظمات
العربية بإسلام وعروبة دارفورمستخدمة مِهْمَازي الدين
(الإسلام) والعرق (العروبة) في محاولات يائسة لإنكار جرائمها
وتمويه الجذور التاريخية لمأساة دارفور وزر المزيد من الرماد علي البصيرة
العربية.
ترسخت مرجعيتا الدين (الإسلام) والهوية العرقية (العروبة) - في
عقلية الإنسان الشمالي - منذ نشوء الحركة الوطنية إستناداٌ إلي مرجعيات الثورة
المهدوية. وإزدادت رسوخاٌ بصراعات القيادات الطائفية والحزبية بعد الإستقلال.
تزرعت الحكومات المتعاقبة علي إختلاف مكونات نظمها بمهام الحفاظ علي وحدة الوطن
وأضرمت الحرائق في الجنوب لنصرة الإسلام والعروبة. أبادت الحرب الأهلية
الملآيين من أبناء شعبنا الأبرياء في الجنوب بدعوي إستئصال شأفة المتمردين
بينما أزهت أرواح الأبرياء من مواطني الأقاليم الأخري الذين زبتهم الحكومات في
أتون الحرب بمعاول الدفاع عن الإسلام والعروبة. لم يجد الجنوبيون ملاذاٌ غير
اللجوء إلي دول الإستكبار الغربية والفاتيكان المسيحية ودول أفريقية وإسرائيل
(جوزيف لاقو- أسماء في حياتنا) لتدريب وتسليح قواتهم، بينما بددت الحكومات
المتتالية موارد البلاد في مشتريات المعدات والذخائر من أسواق نفس الدول لإزهاق
أرواح الأبرياء من مواطنيها. هذا في الوقت الذي لم تتوفور فيه معلومات موثوق
بها عن العون العربي (عيناٌ أم نقداٌ) للزود عن معاقل الأسلام والعروبة في
السودان طوال سنين تلك الحرب اللعينة.
لقد
تسترت القيادات السياسية والعسكرية علي دوافع النزاع والإحتراب
في الجنوب واطلقت عليها شرعية دولية بمسمي الحرب الأهلية، إلي أن جاهرت الإنقاذ
بإعلان الجهاد الإسلامى ضد الجنوب (دارالحرب) وأسطرت المعارك بهرطقات أعراس
الشهداء ونكاح الحور العين.
الجهاد الذي أعلنته دولة الإنقاذ الرسالية في
جنوب البلاد لم يكن حرباٌ سياسية بحتة. أما حرب دارفور فلا ينكر
أي مكابر أنها - كموقعة الجمل - حرب إبادة إستهدفت المستضعفين من المسلمين.
يقول رئيس حركة العدل والمساواة السودانية الدكتور خليل ابراهيم - وهو من
الخوارج علي حركة الإنقاذ الأم – " إن المطلب الرئيسي
للحركة هو إنهاء التهميش الذي تعانيه أقاليم السودان المختلفة (...) ليست لدينا
مشكلة دين فنحن مسلمون، وليست لدينا مشكلة هوية ولا قضية عنصرية. قضيتنا هي
قسمة السلطة والثروة بعدالة ومساواة في ظل سودان موحد."
عوداٌ للمسكوت عنه في تاريخ دارفور....توثقت علاقات العديد من
الدويلات في الرقعة المسماة حالياٌ بالسودان ومن بينها سلطانات نشأت في غرب
السودان مع حضارات عالمية قديمة، خاصة مع دول الجوار.
وإزدهرت
منذ
عام 2300
قبل الميلاد وشائج تجارية وحضارية بين دار سيلا (سلطنة داجو) مع فراعنة الأسرة
السادسة.
وحينما أسقط الغزاة من قبائل تنجر سلطنة دار سيلا (القرن الرابع عشر الميلادي)
إنفردوا بالسيادة علي الإقليم واقاموا أول دولة إسلامية دفعت القبائل الأفريقية
ومن بينهم أفخاذ قبيلة الفور إلي الإنصهار قي بوتقة الإسلام والعروبة. ولهذا
أجمع العديد من المؤرخين علي أن أسلمة
وعربنة دارفور لم تكونا نتاجاٌ لعمليات إقليمية آحادية معزولة من الحراك
والتفاعل البشري الذي تعرضت له بلاد السودان من الأطلسي الي البحرين الأحمر
والأبيض المتوسط . منذ القرن الرابع الميلادي بدأ تسرب العرب الي السودان -
رعاة
وتجاراٌ وغزاة ودعاة للإسلام -
من الشرق عبر البحر الأحمر ومن الشمال عبر درب الأربعين ومن
بلاد المغرب عبر غرب أفريقيا.
ولا
شك ان كثافة الإستيطان العربي في بعض المناطق من شما ل وشرق ووسط وغرب السودان
قد كانت ولا تزال عاملاٌ رئيسياٌ في ترسيخ أسلمة وعربنة الحكام والرعايا. يضاف
الي ذلك ما أحدثته تجارة الرقيق من إستنزاف وإفراغ لمناطق السكان الأصليين
وإستيطان قبائل عربية. دخلت القبائل العربية ومن بعدها المسلمون في شرق
السودان قبل تسربهم الي غرب أفريقيا ثم إلي دارفور. وكان الأجدر بنا أن نستجدي
عطاء العرب بإسلام وعروبة الشرق لإنقاذ قبائله من الفقر الماحق والجوع الساحق
الذي دفع شبابها وشيبها لرفع السلاح. فقد إستجارت بقبائل الشرق في طريق هجرتها
الي الحبشة ثلة من المهاجرين المسلمين نعمت أهلاٌ وسهلا وأشادت أول مسجد رفع
فيه الآذان علي مسمع الأعاجم وعبدة الأوثان. من مئذنين (إستيريو) الأولى تجاه
مقام إبراهيم بمكة والثانية تحاه المقدس.
من همش ودمر دارفور؟
يتفاخر البعض بتاريخ دارفور ويتباهي كثيرون بأن سلطنة الفور
نشأت كإمبراطورية أفريقية وسادت كسلطنة إسلامية مستقلة قبل الغزو التركي
والثورة المهدوية ثم تسلط عليها الحكم الثنائي بضمها عام 1916 إلي خارطة
السودان الإنجليزي/المصري. قد يكون في هذا أسطرة لدور الفور وعشيرتهم أو تمويه
غير مقصود لأدوار قبائل وسلطنات أخري، كان أهمها سلطنات داجو ومساليت وزغاوة ..
ألخ. إرتوت الرقعة المسماة حالياٌ "بدارقور" بدماء الغالبين والمغلوبين ودارت
رحا الحروب القبلية في أرجائها ولكنها لم تمزق نسيج المجتمع بفرز ديني أو
بتطهير عرقي، بل تصاهر السكان الأصليين مع الوافدين من الافارقة والعرب وإنصهرت
الرقعة المسماة حالياٌ بدارفور في بوتقة أفريقية/عربية تمازحت فيها أعراق ولغات
وديانات وحضارات.
لقد تسني لي أثناء كتابة هذا المقال إجلاء نظري من غشاوات
الإستعلاء العرقي والديني الأمر الذي مكنني من سبر غور المسكوت عنه في تاريخ
غرب السودان، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان. وركزت علي بعض المحاور التالية
حول دارفور:
يخطئ من يورخ "لأزمة دارفور" بإندلاع المواجهات العسكرية بين
النخب الإنقاذية وفصائل المتمردين كما درج الإعلام الرسمي المحلي والعالمي علي
توصيف الأحداث وأطراف النزاع. ويجانب الصواب كل من شرْعََنَ حرب الإبادة
الإنقاذية (
(2003
بدعاوي صيانة وحدة البلاد ولزوم صد هجمات الإمبريالية والصهيونية عن معاقل
الإسلام والعروبة. أما المبررات الأخري المزعومة وصايةٌ من المنظمات العالمية
والمُسْتَغلة ببغاوياُ من جانب النخب السلطوية فنجملها في: (ا) النزاعات
القبلية والتكالب علي الموارد الآيلة إلي الإضمحلال: الأرض والمرعي والماء,
(ب) التداعيات البيئية: شح الأمطار والجفاف والتصحر وإنحسار الغطاء النباتي
وتدهور قطاع الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني, (ج) النزاع المتواصل
بين السكان المعتمدين علي الزراعة التقليدية والرعي الترحالي (الأبالة والبقارة
والغنامة) وأخيراٌ (د) تكالب القوي الإمبريالية علي كوامن ثروات الإقليم:
اليرونيم والبترول. كل هذه المبررات والعوامل ما هي إلا مشاجب تاريخية تراكمت
عليها إجتهادات العاجزين والمتسترين علي مرتكبي جرائم الإبادة في دارفور. ظلت
بعض هذه العوامل مكوناتٌ ملازمة لنشأة وتطور ومتغيرات الأوضاع في معظم أقاليم
البلاد. كان الأجدر بكل الحادبين علي إنقاذ شعوب دارفور أن يطرحوا السؤال
المفتاحي: لماذا لجأت نخب اليمين واليسار
في دارفور إلي السلاح بعد أربعين عاماٌ من إستقلالنا المسنن؟
ولماذا علقت وسائط الإعلام علي أعناق المطالبين بحقوق مشروعة لصاقات "متمردي
دارفور" بعد أن دبجت نيفاشا بطاقات " شركاء" بديلاٌ للصاقات متمردي الجنوب؟
شنقلي توباي تلقي دهباي
إهتداءٌ بموروثات الأقوال الفوراوية شنقلتُ طوب عدة وثائق عن
تاريخ وأحداث دافور في محاولة مضنية لإزالة غشاوات جهلي المتراكمة بفعل تربية
الإستعلاء العرقي الزائف وقصور الرؤي الموروث من الإنكفاء الذاتي القبلي
والجهوي والديني والإستلاب (فقدان الذات) القومي. حاولت كي "غيرغان" الوهم
العنصري المتفشي في كيان إنتماءآتي القبلية – أولاد جعل سلالة العباس - إذ كان
دامر المجدوب مسقط رأس أبي من غلاة يحلفون "برب الإمام المهدي." ويرددون من
أدعية راتب الإمام "اللهم لا تجعل فى قلوبنا ركوناً الى الدنيا يا أرحم
الراحمين...آمين" قضي بعضهم نحبه في موقعة توشكي وعادت فلول الناجين منهم
لإدمان قات الأنصارية وأنقرضوا في سبيل الله وفاءٌ لمقولة المهدي المنتظر: جئت
لخراب الدنيا وعمار الآخرة. و مهد أمي. كان ديم القراي إنحدرت من أسلاف ينشدون
"شي لله يا مرغني" ويتضرعون لأجيال المراغنة لينالوا رضاهم في الدنيا والآخرة
ولم يقبضوا غير المسغبة والسفايات إلا من رحم الله بفتات عطاء المغتربين في
الخليج.
دعوة لعصف ذهني
قبل عام واحد من إستقلالنا المسنن: 1/1/1956 إندلعت نيران أول
حرب إقليمية في بلادنا لم تكن وليدة صدف عابرة إذ تواصل أوارها نصف قرن من
الزمان إلي أن أخمدتها مطافئ نيفاشا. لم نع الدرس ولم نستقرئ تداعيات الاحداث
في الغرب والشرق. ولم يدر بخلدنا أن أدروب سيرفع السلاح كما رفعه مجوك وأن
الدومة سيستبدل شنقا منقا والسفروق بالكلاشينكوف والجيم, كما لم يع الغافلون
منا أن شرارات ما أسمته الإنقاذ "النهب المسلح" ستتشظي حرباٌ جهوية ثانية بل
إقليمية علي نطاق غرب أفريقيا. وبعد إتفاقيتي أبوجا والشرق تعانقت نخب متشرزمة
مع شريكي نيفاشا وكأن شيئاٌ لم يكن! ولنبدأ العصف الذهني بالآتي:
ما حدث في دارفور فيروس ترعرع في حضانات نظم بشرية عبر قرون من
الزمان. تعرض خلالها الإنسان في هذه الرقعة لإبتلآت عديدة (1) قهر عرقي/قبلي
فرضته سلطنات متعاقبة تزامنت مع إنظمة قهرية مماثلة في أقاليم البلاد والأقطار
الأفريقية المجاورة (2) تسلط إنظمة وثقافات وافدة منذ القرن الثاني عشر
الميلادي علي إمتداد عهود التوسع الإسلامي في شمال وغرب أفريقيا (3) إجتياحات
الخلافة العثمانية وما نتج عنها من تمزق لنسيج المجتمعات القديمة (4) تداعيات
إخضاع سلطنة الفور لمركزية الدولة المهدوية (4) إحتلال الإقليم وضمه عام 1916
للسودان الإنجليزي/المصري تحت الحكم الثنائي (5) ترسيم حدود الإقليم تحت إسم
مديرية دارفور في خارطة السودان المستقل. وعلي الرغم من إنصهار سكان إقليم
دارفور في بوتقة الثقافة الإسلامية العربية لم يق ذلك معظمهم من شرور وقهر
وإستغلال النخب الممسكة بمفاصل السلطة. ففي فترة الحكم التركي وطوال سنين
الثورة المهدية أمتهنت كرامة
الإنسان بتفشي النخاسة ونهب الثروات الطبيعية.
وحينما إجتاحت قوات الإحتلال الثنائي بمؤازرة قبائل عربية
سلطنة أبوزكريا هرول الإنهزاميون من زعماء القبائل والعشائر والطوائف والطرق
الدينية إلي موائد الإدارة الأهلية خدماٌ مطيعين لسلطات الإحتلال. عجبت لتباكي
بعض ابناء الغرب علي زوال الإدارة الأهلية وأثارت دهشتي سذاجة من يتفاخرون
بسوالفها ويدعون للإستنجاد بها لتعود دارفور إلي ما كانت عليه! أليس هذا قصور
في الرؤي وتقزيم لتطلعات ثوار دارفور؟
كان لمحاربي قبائل الغرب اليد الطولي في إنتصارات الثورة
المهدية فكرياٌ وعسكرياٌ كما كان لهم شرف التصدي لقوي الطوائف الدينية والطرق
الصوفية التي إستعْدَتْ قوي العداء الداخلي والخارجي لهزيمة دولة أسسها
السودانيون علي نسق سلطنات إسلامية سابقة. هنالك أحداث مسكوت عنها تفضح زعامات
طوائف إسلامية وعشائر عربية معروفة لمواقفها المخزية في كسر شوكة الثورة
المهدية وإستئصال شأفة أول دولة سودانية مستقلة. ولا يخفي علي جميع أحفاد
وأبناء قبائل الغرب ما إرتكب الحكم الثنائي وسدنته من جرائم بشعة ضد كل ثائر
تصدر هبة مسلحة لصد هجمة الأحتلال الأجنبي. وقد كانت إغلب تلك الهبات ذات طابع
ديني جَيِّشَتْ ثوارها بأسانيد ومرجعيات عيسوية/مهدوية.
ثم ماذا؟ ...تعرض إقليم الغرب للدمار الذاتي بفعل الصراعات
العرقية والقبلية كما تأثر بالحروب السجالية في مواجهة الإعتدآت الداخلية
والخارجية. وتفادياٌ للإدانات الجزافية من أطراف النزاع حول ما آل إليه الإقليم
من تهميش ودمار لابد من تقصي بعض الحقائق المريرة المتعلقة بالقوي البشرية
والأسباب والدوافع التي أنتجت وتعيد إنتاج الكارثة . سعياٌ للتركيز علي العناصر
الرئيسية, نتخطي مرحلتين: التركية والمهدية إذ كان لكل من هذين العهدين سلبيات
متباينة دَشنَتْ التهميش والعوائق في مسار الإقليم. ونوجز فيما يلي آليات
التهميش والدمار المسكوت عنها والقوي التي إستخدمتها وتوارثت مغانمها وواصلت
إعادة إنتاج وسائلها حتي يومنا هذا:
تركزت طفرة إستثمارات الحكم الثنائي في الإقليم الأوسط
(مشروع الحزيرة) بجانب البنية التحتية (السكك الحديدية والنقل النهري) لأغراض
عسكرية وتجارية. وبعد إطاحة حلف القبائل العربية وجيش الإحتلال بسلطنة علي
دينار أخضعت مديرية دارفور لسلطة الخرطوم تحت قبضة إدارية من زعماء القبائل
والعشائر والمتنطعين من رجالات الطرق الدينية (الإدارة الأهلية). ثم أنشأ الحكم
الثنائي مراكز إدارية وعسكرية لبسط هيمنته علي الإقليم وأفسح المجال لطفيليات
القطاع الخاص من الأجانب والوافدين من الشمال لإستنزاف المتاح من موارد
الإقتصاد الإعاشي (الماشية والحبوب الزيتية والصمغ والمنتجات الزراعية الأخري).
وهكذا بدأ التهميش بإستنزاف ثلاثي الأذرعة: نهب السلطة المركزية (ضرائب وعشور
...ألخ), إستيلاء شرائح الإدارة الأهلية علي مستحقات النفوذ القبلي والعشائري,
وجرف المتناقص من الفائض الإقتصادي لدي فقراء الإقليم الي سايفونات المستثمرين
الأجانب والمحليين, خاصة أثرياء التجار في مدن الشما ل. ولهذا لم تحظ أقاليم
الغرب بنعم طفرة الإنماء الإنتقائية التي حصرها الإحتلال الثنائي في مناطق
الشمال, بل حوصرت القوي البشرية في سياج الإقتصاد الإعاشي تحت رحمة الطبيعة
والكوارث البيئية.
"(...) الصراع في دارفور منذ القدم وحتي نهاية سلطنة الفور في
1916 كان في الغالب الأعم صراعاً حول السلطة وهو امتداد للصراع القبلي الدائر
ومحاولة القبائل الاستقلال بذاتها أو السيطرة علي القبائل الأخري
وإخضاعها،(...) دارفور كما ذكرنا من قبل ظلت محافظة علي استقلالها وظلت عصية
علي المستعمر الأجنبي حتي في العصر الحديث رغم أنها كانت تقع بين فكي كماشة
المستعمر الانجليزي في السودان والاستعمار الفرنسي في تشاد وظلت علي هذا
المنوال حتي دخلها الاستعمار الانجليزي بعد مقتل السلطان علي دينار في عام 1916
(أنور يوسف عطا المنان "آلية الصراعات القبلية المسلحة بجنوب دارفور." ولا شك
أن عوامل التخلف الحضاري والتدهور الإقتصادي/الإجتماعي لم تتمحور حصراٌ في
إقليم دارفور إذ تعرضت كل أقاليم البلاد لعوامل مماثلة بفعل النمو غير المتوازي
والأنماط الإستغلالية للأنظمة الحاكمة المتعاقبة قبيل وبعد الإستقلال.
صكت قيادات الفصائل المناهضة لهيمنة النخب الشمالية شعارين
لواجهتي عملة واحدة الأول "تحرير السودان من المندكورو" في الجنوب, والثاني
"تحرير السودان من الجلابة" في دارفور. ولمن لا يعلم فإن مندكورو + جلابة = نخب
الشمال العروبية الإسلامية. طفح هذان الشعاران في معظم أدبيات الفصائل المسلحة
في إقليمي الجنوب والغرب. وإنداح رجع صداهما في الشرق وأقصي الشمال. وقد كان
المنطلق التاريخي لنعرة عداء "أولاد البحر" من البقعة (أمدرمان) بعد مآلها
محورا لمراكز قوي "أولاد الغرب" دعماٌ لسلطة الخليفة عبد الله التعايشي. كانت
شرارة أشعلت نيران حرب بين المسلمين لإعلاء كلمة الله ورسوله بدعوي إبادة
المنكرين ولم تكن – في واقع الأمر - سوي إحتراب علي السلطة. أعاد التاريخ نفسه
في الجنوب ويعيد الكرة آنياٌ في دارفور.
أُواصل هذا العرض بقوة مناعة كسبتها بعد جهد جهيد لرفع جهالتي
وإزالة غشاوات الأسطرة التاريخية والغرور العرقي وقصور الوعي وإستلاب الإستعلاء
الديني وقد كان هدفي الرئيسي الخروج من غيبوبة الإنكفاء الذاتي. وتسني لي
التزود بحقائق سبقني الي إجلائها رواد مرموقون, أختصرها في اللآتي:
طوال سنين الأحتلال الثنائي إستثمرت كل من دولتي الأحتلال (مصر
وبريطانيا) أقصي قدراتها لإستزراع قوي موالية إقتصادياٌ وعقائدياٌ وسياسياٌ
تخضع لنفوذ إحداهما وتقلص نفوذ الأخري. بدأت العمليات بإستقطاب زعامات القبائل
(الكبابيش والشكرية والشايقية ...ألخ) والبيوتات والطرق الدينية (آل المراغنة
والشريف الهندي وآل المهدي ...ألخ) . ثم أنشأت بريطانيا فقاسات (كلية غردون
وبخت الرضا ... ومعهد أمدرمان العلمي) لتدجين فئات إدارية وسيطة اوكلت لصفوتها
تسيير دفة السلطة في قطاعي الإنتاج والخدمات وموآءمة التوجهات الدينية
والإجتماعية. وتوازي تكامل هذه العمليات مع بناء هياكل مادية وعقائدية لطائفتين
مواليتين تمحورت تحت الرعاية الروحية لآل الميرغني والشريف الهندي كترياق مضاد
للمهدية, وتمكنت بريطانيا - فيما بعد - من إستدراج أتباع المهدية الحديثة
برعاية آل المهدي للتعاون معها في إطار تحالفات إستراتيجة لتقليص نفوذ الأعداء
التاريخين للمهدية بعد إستشراء النزاعات المصلحية فيما بين زعماء الطوائف
والقبائل. وتمحورت في الثلاثينيات الفئات المتطلعة للتحرر من الحكم الثنائي حول
قطبين متنازعين الختمية والأنصار وحركتين سياسيتين: الداعين للوحدة مع مصر (آل
الميرغني وفصائل الإتحاديين) والداعين للإستقلال بالتعاون مع بريطانيا (آل
المهدي والإستقلالين). وقد أدي ذلك الإستقطاب إلي إنقسام في فئات الطبقة
الوسطي والطوائف الدينية والتابعين في كل أقاليم البلاد. ولهذا جاء إستقلالنا
عربوناٌ لوعود تبعية متعاقد عليها بين كل من دولتي الحكم الثنائي وزعامات
الأقطاب الموالين.
قرأتُ الكتاب الأسود أول مرة حينما أصدرته ثلة من مثقفين - ذوي
توجهات إسلامية عربية - تحت وابل من التهم والإدانات كان أهمها: رفض ما طفح
علي صفحاته من الغلو في كراهية الشمال بمسوح إسلامي ترابي النكهة. جنح البعض
إلي إعتبار هذا الكتاب تلموداٌ لإثارة الفتنة بين المسلمين ومنفستو لإستنهاض
"الزُرقة" ضد العرب في جميع أقاليم السودان. عاودتُ قرآءته عدة مرات وهالني ما
بُذِلَ فيه من جهد مقدر لرصد معلومات دقيقة عن بنية السلطة عرقياٌ وجهوياٌ.
جاء في مقدمته: (...) يعكس هذا الكتاب بشاعة الظلم الذي مارسته الأنظمة
السياسية المتعاقبة علي البلاد منذ الاستقلال الي اليوم بصرف النظر عن توجهاتها
وألوانها.. علمانية كانت أم إسلامية, ديمقراطية مزعومة كانت أم دكتاتورية. هذا
الظلم البشع المتمثل في محاباة جهة واحدة من السودان علي حساب باقي جهاته.
(...) لقد جعلتْ الحكومات المختلفة, من الحكم أداةٌ لتكريس سلطة الإقليم
الشمالي (ولايتي نهر النيل والشمالية). (إقرأ النص في الرابط التالي:
http://www.sudanjem.com/sudan-alt/arabic/books/black_book/black_book_first/kitab.htm
بعد التدقيق عدة مرات في محتويات الكتاب الأسود توصلتُ إلي
قناعة لا يبددها الشك أنٌ شرائح وفئات من مدن وقري الشمال تمكنت بمختلف
الوسائل من إحتكار
مراكز السلطة بنسب تراوحت بين %50 - %60 في تركيبات الحكومات
المتاعقبة بعد الإستقلال. وتبين لي أن المعيار الإحصائي للتصنيف الجهوي كان
محصوراٌ في إنحدار الشخص من الإقليم دون إعتبار للإنتماء العرقي أو العقائدي أو
السياسي. ربما يتسع المجال لقرآءة التفاصيل في دراسة منفصلة. إن القرآءة
المتحيزة للرصد الإحصائي – حسبما جاء في الكتاب الأسود - قد أسَسَتْ لقناعات
ترسََّّختْ في وعي قطاعات واسعة من الشعب السوداني ، أهمها: أن الشماليين
(الجلابة) فرضوا سلطة إستعمارية بعد جلاء قوات الإحتلال الثنائي وأن التهميش في
أقاليم البلاد بدأ وإستشري بفعل هيمنة وإستغلال الشماليين. وأنطلقت إستناداٌ
إلي تلك القناعات شعارات متعددة الأهداف لتحرير السودان من أُخطبوط الإستعمار
الشمالي. لم أعثر في أدبيات الفصائل المسلحة الرائدة في الغرب حتي يومنا هذا
علي أي تصحيح لثوابت القناعات المذكورة أعلاه ولا منحي لمراجعتها في ضوء
تداعيات الأحداث في الجنوب والغرب والشرق , خاصة بعد إشتراك فصيل ونخب دارفورية
في تشكيلة السلطة السيادية والإدارية. لقد هزًّتْْْْ مأساة دارفور كيانات
الوعي القومي والديني والسياسي وبددت غشاوات خداع الطائفة والحزب والقبيلة
والعرق والنخبة.
شكلت الإدارة البريطانية قبيل الاستقلال أول هجين حكومي أسندت
حاكميته للحاكم العام وتعاقبت بعد الإستقلال ثلاث حكومات (ختمية/إتحادية)
برئاسة إسماعيل الأزهري ثم حكومة (أنصارية) برئاسة عبدالله خليل سلَّّمتْ
السلطة لأول نظام عسكري هجين (ختمي/أنصاري) حُظي بمباركة زعيمي الطائفتين.
وتعاقبت علي دَسَتْ الحكم - فيما بعد - تشكيلات سلطوية يمكن تصنيفها - كما يحلو
للبعض – وفقاٌ لأنماط شمولية أوديمقراطية. وبمزيد من التدقيق تبين لي أن الكتاب
الأسود لم ينفذ الي التركيبة الطبقية والفئوية لبنية السلطة مكتفياٌ بالتصنيف
الجهوي والإقليمي للنخب و/ أو الشرائح التي أُتيحت لها فرص السيطرة علي المراكز
السيادية والإدارية في مختلف أجهزة الدولة الموروثة من النفوذ الأجنبي. لم
يتستر الكتاب الأسود علي دور الطائفية في دعم النخب الشمالية وإشراكها في
عمليات إستلاب الوعي وإستغلال الأتباع توسيعاٌ لنطاق التهميش. ولا شك أن هذه
ضربة لازب وجهها الكتاب الأسود الي نخب الأحزاب المشدوهة بالولاء الطائفي
والمتشرزمة حول المصالح الذاتية. وعلي الرغم من صحة الرصد الإحصائي والنتائج
التي تأكد بموجبها إحتكار شرائح من الشمال لمراكز السلطة منذالإستقلال، لا يمكن
إنكار حقيقة هامة وهي: "أن مسلسل نشأة وتطور بنية جهاز الدولة منذ حكومة
الهجين البريطاني/السوداني وتعاقب الحكومات المسماة بالوطنية وإنحدارها إلي
هيمنة النخب الإنقاذية,إنحصر في تدوير تركيبة إنتقائية ظلت البيوتات الطائفية
ممسكة بمفاصلها إقتصادياٌ وعقائديا وسياسياٌٌ مستقطبة تحت نفوذها شرائح من
الطبقة الوسطي (متعلمين وتجار) وزعماء قبائل وعشائر ومستفيدين من التابعين."
رصد الكتاب الأسود بدقة متناهية التركيبة الهرمية لمراكز السلطة
: الأسماء والإنتماء الجهوي مؤكداٌ سيطرة الشرائح الشمالية دون محاولة لنزع
أقنعة إنتمآت الشرائح الديكورية التي إستقطبتها نخب الشمال من الأقاليم الأخري.
كما لم يتطرق لتشابك تلك الشرائح في لحمة وسداة البنية التاريخية للطبقات
والفئات الإجتماعية. ولا يخفي علي المتابعين لنشأة وتطور الحركة الوطنية أن
الطوائف والأحزاب والنقابات والهيئات المهنية وأجهزة الدولة الموروثة من
الإحتلال الثنائي قد إنحصرت بشكل رئيسي في مدن وأرياف الشمال والوسط. هذا في
الوقت الذي طال فيه الإستقطاب العقائدي والمهني والسياسي شرائح من مختلف
الأقاليم. لقد أغفل الكتاب الأسود تشخيص أعراض الإنقسام الطبقي وغَضََ النظر عن
تضاريس الفرز العرقي في تناوله للمسألة الدارفورية ومن ثم شرع في إستنفار قوي
الغرب الوطنية للتخلص من هيمنة الإستعمار الشمالي.
إصطحب الإنقسام الطبقي والفرز العرقي نشأة وتطور التكوينات
البشرية في تاريخ السودان وتوارثت النظم السلطوية أدوات ووسائل القهر
والإستعلاء عبر القرون حتي باكورة الألفية الثالثة. كانت ولا تزال النزاعات
الإقتصادية والإجتماعية محاور للصراعات الطبقية والفئوية المتسترة بمختلف
الدعاوي الدينية والسياسية والجهوية والعرقية والقبلية ...ألخ. وكان النمو
الإنتقائي غير المتوازي سبباٌ رئيسياٌ في تشديد الحصار علي قدرات الإنسان
وإعاقة تطلعاته الحضارية والروحية في كل أقاليم البلاد, كما ظل إكتناز الثروات
المادية وإستنزاف القوي البشرية تُكأةً للإستعلاء العرقي والديني ومِِهْمازاٌ
لإستشراء النزاعات الجهوية والقبلية. ومن المعلوم أن الإستعمار الأجنبي (التركي
والبريطاني/المصري) وجه إستثماراته الإنمائية إلي مناطق توفرت فيها عناصر
الإنتاج الزراعي (الأرض والماء) وركًّزَ علي البنية التحتية الداعمة لهذا
القطاع (السدود والنقل). وفي واقع الأمر لم تُخصصْ إستثمارات الإستعمار
الإنتقائية جزآءً لسكان الشمال أو الوسط ولم تكرس لرد جميل العملاء الذين
إستنجدتْ بهم جيوش الإحتلال. ولو لم يكن مخطط الإحتلال مكرساٌ لإستنزاف خيرات
البلاد وتقوية الإمبراطورية العجوز لوُجهتْ الإستثمارات إلي ديار القبائل التي
زغرد نساؤها لكتشنر بعد مجزرة كرري, عِلماٌ بأن العديد من أفراد الطوائف
والبيوتات الدينية – علي إختلاف توجهاتها - لم يردعها وازع ديني أو وطني من
التكالب علي فتات موائد الإحتلال.
مشروع الجزيرة وهوأكبر وحدة إنتاجية لزراعة الأقطان في العالم,
لم تخططه الشركة البريطانية من أجل سواد عيون رعاة الجزيرة, فقد أنجز حفرياته
صعايدة الريف المصري وأَشتد عضد عمالته بالوافدين من نيجيريا, وهرع الي سهوله
فيما بعد فقراء وتجار الشمالية سعياٌ وراء الرزق ولكنهم لم يفلتوا من كماشة
التهميش. لقد عاشت أقاليم الغرب أحوالأٌ أفضل من أوضاع أقاليم الشرق والشمال
والجنوب المرزوءة حتي يومنا هذا بتدهور الموارد الطبيعية ونهب الشرازم المحتكرة
لمراكز السلطة. أما معاناة أقصي الشمال - مهد أقدم حضارة بشرية - والشرق أول
حاضنة للعروبة والإسلام فلا يتسع المجال لسرد أسبابها ومآلاتها. تعرضت كل
أقاليم السودان للإستنزاف الإقتصادي والإجتماعي بنسب متفاوتة, خاصةٌ بعد
الإستقلال وتعاقب الحكومات المسماة بالوطنية علي مراكز السلطة. لا تحرير ولا
تعمير ... بل تدمير, طالت معاوله ما إنتزعه الشعت من فك الإحتلال الثنائي
(مشروعات الري الحديث العامة والخاصة, ومؤسسات النقل والمواصلات والتعليم
والخدمات والصناعات الوطنية اليافعة والمناشط الإعاشية بمناطق الريف). الملاحظ
ان الصراع العقائدي والإقتصادي والإجتماعي بين طائفتي الختمية والأنصار لم يلجم
قوي الطبقات المستنيرة فحسب, بل بدد طاقاتها في تطاحن شل تطلعاتها الفكرية
والإنتاجية.
لا يمكن إنكار هيمنة النخب المنحدرة من الإقليم الشمالي علي
مراكز السلطة منذ الإستقلال الي عهد الإنقاذ, علماٌ بأن نخباٌ جهوية وعرقية
وقبلية متعددة التوجهات الدينية والسياسية سعت بكامل وعيها وإرادتها للإستحواذ
علي مراكز في تركيبة السلطة. كما لا يمكن درء إدانتها(النخب الديكورية) بمبررات
التبعية, أو بإدعاءآت سعيها لحماية مصالح المهمشين الذين بادروا برفع السلاح ضد
هيمنة النخب الشمالية. تأسيساٌ علي هذا الفهم يقتضي الأمر إدانة جميع النخب
الأقليمية التي إرتكبت جرائم تهميش وتدمير مقومات الحياة في بلادنا. وهنا لا
مفر من إعمال مِبضع التشريح الطبقي والفئوي للتعرف علي طبيعة وأبعاد التجزر
الإقتصادي/الإجتماعي للنخب التي هيمنت علي مراكز السلطة قبيل وبعد الإستقلال.
الجنوب أول ضحايا التهميش والدمار والتطهير العرقي بحرب جائرة كان وقودها
المسحوقون من جميع أقاليم البلاد. تزامنت حروب مدمرة في بؤر النزاع بجبال
النوبي وفي دارفور وشرق البلاد, يستعر - تحت الرماد - وميض نيرانها في الشمال
والوسط . وفي الوقت الذي تتدافع فيه حشود المسحوقين لرد المظالم وإنتزاع
الحقوق, تتعالي من رحا المعارك أصوات تتسآل: التحرر مِنْ مَنْ ؟ وإنتزاع الحقوق
مِنْ مَنْ وردها لِمَنْ؟
هنا تلح ضرورة تسليط الأضواء علي عدة عوامل تاريخية وخلفيات
عقائدية وسياسية لا يمكن بدونها الوصول إلي إجابات شافية علي الأسئلة المذكورة
أعلاه, نُوجزها في الآتي:
مآلات أهداف التحرر من الإستعمار وإنتزاع الحقوق من مؤسساته
وتفكيك أجهزة نفوذه وتجريد عملائه من المكاسب التي أنتهبوها, تجسيداٌ للإستقلال
السياسي والإداري والإقتصادي. ماذا حدث بعد مضي نصف قرن من الزمان؟
تطلعات القوي الوطنية لبناء وطن موحد متعدد الأعراق والديانات
والثقافات والأعراف يكفل الحقوق ويحدد الواجبات لمختلف الفئات والطبقات
الإجتماعية. ماذا حققنا من هذه التطلعات ومن أسقطها من حسابات الحركة الوطنية؟
تداعيات مجابهة المهمشين بسلاح الدولة المركزية وإبادتهم بدعاوي
صيانة الوحدة الوطنية وحماية الإسلام والعروبة. من أورث البلاد حصاد الهشيم:
دمار في الجنوب والغرب والشرق وتدهور في الشمال.
تبديد قدرات البلاد وكبح توجهاتها الساعية للإنسلاخ من منظومة
الإستعمار القديم وإباحة مواردها الطبيعية والبشرية - علي غرار زواج المتعة -
لقوي العولمة وطفيليات الرأسمالية العربية والأسيوية.
مثل كثير من المجتمعات المسماة تأدبا بالنامية - تستراٌ علي علي
أوضاعها المؤسية – يعيش السودان أزمةً يستعصي تناولها بمنحي آحادي أو معالجتها
بحلول جزئية أو إجتثاث جزورها بضربة قاضية. ونسبة لتعدد العوامل التاريخية التي
أنتجت هذه الأزمة بكل أبعادها الجغرافية والبشرية يصعب توجيه إدانات جزافية لكل
المنتمين لمجموعة عرقية أو لإقليم جغرافي أو لطائفة دينية. وإذا ما تسني للقارئ
التدقيق فيما أورد الكتاب الأسود من تشخيص ومحصلات إحصائية عن بنية السلطة منذ
الإستقلال حتي اليوم, لتبين له أن:
"نخباٌ وشرائح من بيوتات الطوائف
والطرق الدينية والطبقة الوسطي والقبائل والعشائر إستأثرت بمراكز السلطة
وتوارثت مغانمها علي إختلاف تشكيلاتها الجهوية والعرقية وتباين بطاناتها
المدنية والعسكرية. ظلت هذه النخب والشرائح تجوس في حلقة صراع مفرغة للهيمنة
علي السلطة إما بصندوق الإنتخابات أو علي ظهور الدبابات. لا مناص من تحميل
النخب والشرائح الشمالية الوزر الأكبر من مسؤلية تفاقم الأزمة, بينما تصب
محاولة تبريئة الشرائح الديكورية
)المستقطبة
من الأقاليم الأُخري) في خانات ستر العورة والتحيز الجهوي وتمويه تقصي الحقائق.
كل ما تعرض له الإقليم الشمالي من تدهور مريع في مقومات
الحياة: إضمحلال القطاعات الإنتاجية والخدمية, والتدني في
مستويات المعيشة, والحرمان من تدفقات الإستثمار, والإضطهاد الإداري, يستدعي
إعادة النظر في حيثيات التهمة الموجهة في الكتاب الأسود
إلي الغالبية المسحوقة من مواطني أقاليم الشمال والوسط. تمكنت
الحكومات المتعاقبة طوال سنين النزاعات الداخلية من التستر علي ما كَبَدتُ
البلاد من خسائر أهمها إبادة القوي البشرية وإهلاك أصول الإقتصاد القومي,
الأمر الذي أدي إلي رصد عشوائي لهذه الخسائر وإستخدام النتائج لأغراض عسكرية
وسياسية. ولا يخفي علي أحد أغراض التعتيم الإعلامي الذى ضربته النخب الحاكمة
حول الخسائر المادية والبشرية في الإقليم الشمالي درءاٌ لروح الهزيمة المتفشية
في صفوف المجَيشين عسكرياٌ ودينياٌ. ولا شك أن نزعات البغض والكراهية المصوبة
ضد الملايين من المهمشين في الشمال ستؤدي الي إعادة إنتاج الأزمات وتبدد جهد
الساعين لتخليص المهمشين من براثن التخلف الإقتصادي والإجتماعي.
إن جزور شعاري التحرر من المندكورو والجلابة ضاربة في أعماق
تاريخ بلادنا ولا يمكن إجتثاثها بتجريف ذاكرة الأجيال أو بالإعتزار الى الضحايا
أو بالتسامح بين أطراف النزاع. هل يجدي الإعتزار عن ممارسات الرق القبلي
والديني وترسب أنماطه المتداعية في مختلف المجتمعات العرقية بأقاليم البلاد؟
وماذا
يفيد العزاء في فقد الملايين بتدبيج البيانات وتوقيع المواثيق؟
لإزالة الحواجز بين المهمشين في جميع الأقاليم وتوحيد قواهم
وترشيد جهودهم, لا مناص من التوافق علي برنامج متكامل لإستنهاض القوي المقهورة
ولم شتاتها وتأهيلها لتفكيك البني المؤسسية للنظام الإقتصادي والسياسي
والإجتماعي والعقائدي الآيل الي الإنهيار. هل يسعفنا الإنكفاء علي حلول مشاكل
جزئية في أي إقليم دون أن نتصدي لأم المشاكل أزمة نظام الحكم في السودان؟
من أين نبدأ وبماذا نهتدي وإلي أين نتجه؟ نواصل بعون العارفين والمقتدرين دون
فرض وصاية أو إستعلاء.
ملحوظة:
بذلت قصاري جهدي للحصول من مصادر متعددة علي أكبر قدر من
المعلومات عن دافور وإعترافاٌ بجميل الذين زودوني بمساهماتهم الثاقبة رأيت رصد
المراجع التالية:
1 احمد ضحية: "دارفور حول جذور
الازمة و أسبابها ومآلاتها"
2005 / 4 / 25
http://www.ahewar.org
-
الحوار المتمدن
2 د. عمر مصطفي شركيان<
shurkian@yahoo.co.uk>:
"دارفور حقيقة الصِّراع ومآلاته (1 من 8 ) يناير – ابريل
2008
sudanile"
3 سليمان صالح ضرار
bejawino1@hotmail.com
"كتاب البجه للاستاذ"
4 أحمد ابراهيم دريج: حوار
sudaneseonline.com
9/7/2005 م
5 شوقي بدري: "هل السوداني إضينة؟
tp://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=6760
ht"
6 د. عبد الله علي إبراهيم: "
إسلام
السودان وعربه: في مناسبة مرور 40 عاماً علي صدور العرب
والسودان (1967)
للدكتور يوسف فضل حسن."
7 جمال
حسن احمد / الامارات<alagied@hotmail.com
"الزعامات القبلية بدارفور عبر القرون."
8 الدكتورخليل إبراهيم محمد رئيس حركة العدل والمساواة "حوارات
صحيفة أخبار اليوم السودانية."
9 ألكتاب الأسود : الجزء الأول والثاني
http://www.sudanjem.com/sudan-
alt/arabic/books/black_book/black_book_first/kitab.htm
10 أنور يوسف عطا المنان "آلية الصراعات القبيلة المسلحة
بجنوب دارفور "مركز الدراسات السودانية: 21-09-2006
11 يوسف تكنة وزير الاستثمار السابق "لقوميات السودانية
والإنتماء الحزبي: تحليل تجربة حزب الأمة القومي", –
صحيفة
الأيام ورقة قدمت لورشة العمل التي عقدها حزب الامة حول قضية مشاكل السياسة
السودانية وافاق المستقبل
12
حوار
حول دافور: " التهميش الاقتصادي، الفقر والغبن
عوامل أدت لاشعال فتيل الأزمة! / اغلب النزاعات في
دارفور سببها الصراع حول الموارد" - صحيفة
الخرطوم
Feb/5/2008
13 معتصم
عوض :"النظام السياسي الداخلي السوداني وأزمة دارفور": مجلة السياسة
الدولية 5/3/2008 |