أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 09 مايو, 2008 09:58:25 AM

تلك أشياء لا تشــتري

د.عبد الله حمدنا الله

 

حين يكتب قامة شعرنا ود المكي، فليس أمامنا إلا تعظيم سلام،وهل نملك غير هذا لرجل نسج الضياء من جدائل العطر ، منذ أن شعر بشئ فى قلبه كالأكلان فى يوم الجمعة بالتحديد إلى زمان الناس هذا ، يعانى لينظم الكلمات بشكة سهم ، والخرطوم تضمه آخر الليل مشرداً مع المفلس والصعلوك ، وحين اتسعت للمفلس والصعلوك أنكرته وقذفت به ، لا كأم موسى على اسم الله تكفله وباسمه ذهبت فى اليم تلقيه ، بل كالهرة التى تأكل بنيها ، لنردد بعده الله للشاعر وحده ، الله للشاعر وحده.

حسبنا مما كتبنا أن يجد فيه ود المكي بعض ما يقال حوله ، ولو كنا ندرى لكتبنا من الأوراق قدر ما كتب ابن حجر العسقلانى ، ليرفدنا قامتنا الشعرية يحسن بيانه،وأدب عبارته ، وسلامة قصده ، ولولا ذلك ، أو أن يظن عدم التحاور معه تجاهلاً ، ما كتبنا احتراماً ، وحسبي منه أن يتقبل حاشية على متنه دون غيره ، بعد أن عرفنا جعفراً وبنى ابيه وأنكرنا ....

ثم أما بعد –شاعرنا الخنذيذ –فلو ابتعنا أللآلي بمحمد وردى الفنان ما شروناه ، تلك أشياء لا تشترى ، وكل ثمن فيه مهما تكاثر وعظم ثمن بخس وما كنا فيه من الزاهدين ، أما وردى دون ذلك فقد فصلنا رأينا حوله ، ولا أود الوقوف حول ما فصلناه ، لأنه ليس القضية الأهم عندي .

 القضية الأهم كما بينتها فى المقال السابق ليست فى أوراق اليانكى وأين ذهبت ، القضية الأهم هي الجهل المطبق والادعاء الكاذب ، بحيث ما عادت دلالات الأشياء دلالاتها ، هذه هي القضية  الأهم التى لن ننصرف عنها ، وما أصاب محمد وردى منها أصابه بالحق المجاور لا بالحق الأصيل ، فأصل القضية مع من فر عنه ، وقد مهدت الحديث عن ذلك في المقال السابق حين قلت: أما من فرعن الفرعون فقد انتصف للشعب السوداني منه مصطفى البطل، وسأضيف للموشحة مصاريع لاحقاً ، فكتاباته منذ المبتدأ عندي خبرها المتم الفائدة كما يقول ابن مالك.

القضية أن رجلاً تولى تحرير إحدى كبريات الصحف قبل ثلاثين عاماً، وله قصيدة يتيمة يغنيها كمال ترباس ، ومن بعد أصبحت تستضيفه القنوات معلقاً على الأحداث ، ومع ذلك كله لا يضع الكلم مواضعه ، ولا يراعى العلاقة بين المشبه والمشبه به ، فلا الفرعون هو الفرعون ، ولا الأوسكار هو الأوسكار ، ومع ذلك يملأ الأرض سؤالاً وجوباً، ثم يتوسل بكل هذا ليهبر من الدولارات ما تملأ جيبه، حتى إذا ضاق عليه الخناق تسلل لواذاً مظنة النسيان، ولآت حين نسيان.

الجهل المطبق والادعاء الكاذب وكثرة السؤال والجواب، تصيبنا بما أصاب العقاد حين قال:

              ليس أدمي لفؤادي *** من عجوز تتصابي

             ودميم يتحالــي  *** و عليم يتغابـــي

            وجهول يملأ الأر  *** ض ســؤالاً وجـواباً

ولا أظنني علي ذات الضفة مع ود المكي الذي برر إطلاق لقب الفرعون على وردي ، بحجة أنها مثل الجبار والعملاق ، ونحو ذلك مما هو سـائر على الألسـنة من المنظوم والمنثور ، والحق أن الأمر مختلف جداً ، فلفظا الجبار والعملاق ونحوهما صفات بالعملقة والجبروت ، والصفة غير الموصوف ، وهي قد تقوم به أو لا تقوم ، ومن ثم لا حرج أن تصف بها كما وصف سعد زغلول العقاد بالكاتب الجبار ، أما الفرعون فتشبيه أو استعارة ، والاستعارة تقوم على ادعاء أن المشبه هو عين المشبه به ، إلا أن يراد منه الصفة (الفرعنة) فيكون المعني حينئذ أسـوأ .

أما الأعجب في ذلك فقول وردي إن الشعب السوداني لم يرفض لقب الفرعون ، لأنه لم يقل هذا الرفض في استفتاء ، والسؤال هل منحك الشعب السوداني هذا اللقب في استفتاء لينزعه عنك في استفتاء ، عندما قرأت هذا الحديث ضحكت ما طاب لي الضحك ، لأنه كلام خبيئ معناه أن ليس لنا عقول ، وتذكرت قول الآمدي في موازنته بين الطائيين وهو يعلق على بيت لأبي تمام فيقول : هذا الذي أضحك الناس منذ سـمعوه إلى زمان الناس هذا ، ووردي أيضاً يضحكنا وما يزال.

يشفع لإعراضنا عن الكتابة عن حسن ساتى بعد أن كنا فيها راغبين ، ما وجدناه من كتابنا في بيان ما عليه وردي الفنان ، ومقدار قامته في الوجدان السوداني ، بيد أننا لم نجد كاتباً واحداً يتصدي لما كتب عن حسـن سـاتي ، فهو لا يشكل شيئاً ولا يضيف شيئاً ، مما يجعلنا نسأل عن القيمة التي يضيفها على الحياة السودانية ، بحيث تفتح له الأبواب المغلقة ، ويجمع الملايين ، ويمد لسـانه للشرفاء من الكتاب ، متهما أيا هم بالوغادة والسفالـة .

أي وزن سياسي ، بل أي وزن فكرى أو جماهيري ، ليجد كل هذه الأبواب مفتحة أمامه ، وهل كسبت الإنقاذ به شيئاً لم يكن لها من قبل ، وهل كانت تخسر شيئاً لم يكن لديها لو لم يحضر ؟ لا أظن ذلك ، بل لعلها تربح  .

لا أحب بناء القضايا على مستوى الأشخاص ، لكن يجد المرء أحياناً نفسه مساقاً حين تنبهم الأسئلة حول أنشطة كأنها في مسرح اللامعقول ، عفواً أخي ود المكي فانبهام بعض الأسئلة ليس كانبهام الحنين لو حاول الشعاع أن يطوق شطوطة ما استطاع ، يدركه الوني وينبهر .

ومن بعد أجدني معك على حب في ثلاث القضايا التي أثرتها ، فمن حق الفنان الثراء ، ومن حق الدولة والمجتمع معاً أن يضمنا لكل فنان التأمين الاجتماعي ليصيب بعدها من لديـه الموهبة المثقفة قدر جهده ثراء ، هذا حق لا ننكره ولا نمارى فيه ، لكن من حق المجتمع على الفنان أن يتحرى الشفافية وعدم الاشتراك في أوجه كسب غير مشروعة ، وفي هذه الحالة لا يصبح حسـن سـاتي وحده مطالباً بالرد على كل الاتهامات ، بل يصبح وردى أيضاً مطالباً بالرد على كل الأسئلة حول مشاركته وامتداحه للدولار مع عيب الخشب والدلاقين ، لأن الاشتراك في نشاط مشبوه يجر إلي ذات الشبهة .

وأجدني معك على حب في ثقافة الغفران لسبب مبدئي ، فثقافة الغفران هي ثقافتي وأنا أتدبر القرآن الكريم ، فالله الواحد الأحد غافر غفور ، لكن لكي لا يصير الغفران صكاً يبيح لكل محتال ضعيف النفس الاعتداء على حق المجتمع ثم الكف بعد ذلك ، فللغفران شـروط وحدود يحولان بيننا وبين الغفلة والسذاجـة .  

بقيت كلمة أعتذر لك خاصة عنها ، وعشمي في كرمك يجعلك تعدها نيراناً صديقة ، فحين تحدثت عن مديح وردى في عهد الإنقاذ كنت أعلم أن القصيدة المادحة من شعرك ، وأنك نظمتها قبل الإنقاذ بسنوات ، وهي منشورة في دواوينك منذ ذلك الحين ، وفاض بها وجدانك في مدينة الرسول ، وهي قصيدة صادقة لا تستغرب ممن نشأ ودرج بين تراتيل وأهازيج وأمداح السادة الإسماعيلية ، إنها حقاً شنشنة أعرفها من أخرم ، كما قال سيدنا عمر لابن عباس .    

أما وردى فلم يعرف بمثل هذا الضرب من الوجدان ، لا قبل الإنقاذ ولا بعدها ، وكنا نعذره لو أودع المدحة في الإذاعة القومية التي حفظت لنا تراث المديح منذ الشيخ أبوضرس وحاج التوم وبشير الحضري ، ولم تسـع إلي تطوير يطمر القديم كما فعلت إذاعـة الكوثر التي كتبنا عنها من قبل متقربين إلى الله بكتابتنا عنها ، وقلنا أنها باسـم الحديث تدابر أصول المديح النبوي في تراثنا ، بل إن المديح فيها يتجاوز قلة الذوق إلى ضعف الوجدان العامر حين يخاطب المادح الرسول((ص)) بما لا يليق ، وقديماً عاب الجاحظ على الكميت بن زيد الأسـدي مخاطبته للرسول ((ص)) كما يخاطب الملوك ، فما بالك بما تبثه إذاعـة الكوثر .  

في هذه الإذاعـة التي هي في نظرنا حرب على المديح النبوي سـجل وردى مدحته ، فهي ترفده عطاء لا يجده في غيرها ، والعجيب أنه بعد اسـتلام الكاش عاد فانقلب عليها ، وقال فيها فوق ما قلناه ، وردي يفرق بين أرائـه وبين مشاركاته ، يقبض ويلعن ، فعل ذلك أيضاً مع الخرطوم عاصمة الثقافـة .

عفواً أخي ود المكي ، إذا كنت تري أن الإذاعـة التي أسـهم من خلالها وردي تقدم مديحاً نبوياً هو من صميم تراثنا السوداني ، وليس من المديح في عهد الإنقاذ فأنا لا أرى ذات الرأي ، وقد أوردت كل ذلك في موضوعات سـابقة عن إذاعـة الكوثر ، وأختها قناة سـاهور التي كتبت عنها تحت عنوان ((الفيلة جابت ليها أخت )) .

ومن قبل ومن بعد ، تعظيم ســـلام .