|
(3-1)
مقدمة :
هذه مقالة , من ثلاث حلقات , تلخص انطباعات هاوي عن الوضع
السياسي الراهن في تشاد واسقاطاته على السودان , وبالاخص على دارفور .
في الحلقة الاولى نتوقف مع صديق قديم نتناول معه بعضا من المقبلات والمشهيات.
في الحلقة الثانية نوضح ونسبب انعزالية نظام الرئيس دبي وانعدام شعبيته , بل
كراهية الشعب له , واعتماده على الدعم العسكري الفرنسي المباشر , والان الدعم
الاروبي العسكري كذلك , في الاستمرار في الحكم القراقوشي , وكيف ان كيجاب
( او حتى ندى القلعة ) , سوف يكتسح الرئيس دبي في اي انتخابات رئاسية قادمة .
فالوله بكل ما هو سوداني , لا يزال قويا في قلوب وعقول اهل تشاد . ثم نلخص
الاسباب الحقيقية لفشل غزوة 3/2 فبراير الماضي , وحتمية غزوة ثانية في القريب
العاجل , رغم وجود القوات الاروبية على الحدود السودانية/التشادية .
في الحلقة الثالثة نتناول موقف عبد الواحد وكيف اصبح في تشاد رمزا للمقاومة
الشعبية المسلحة في دارفور , رغم ان الطغمة الحاكمة في تشاد من قبيلة الزغاوة .
ولكن رغم ذلك تسمع التهليل والتكبير " الله واحد .... عبد الواحد " يتردد صداه
في تجمعات اللاجئين الدارفوريين , مما يضع مسؤولية ضخمة على اكتاف عبد الواحد
لتخليص هؤلاء البؤساء من محنتهم التي طالت واستطالت .
ونختم المقالة بلقاء مع سيدة سودانية/تشادية مهمة جدا ومتابعة للشأن السوداني
نتناول فيه عبقرية وابداعات , النجم الثاقب , هالة بابكر النور , وتجليات
المداحة المتألقة ندى القلعة , ضمن امور اخر ؟
مقبلات :
قطعا سوف تذكر صديقك وحبيبك الذي كان يعشق عنيزة , ابنة عمه ,
شرحبيل " ربما جد شرحبيل احمد صاحب الاسم " , وكان لا يحظى بلقائها ووصالها .
فترصد لها حتى ظعنت مع صاحباتها الى بركة قريبة للاغتسال . وهن داخل الماء ,
ظهر صديقك وجمع ثيابهن وجلس عليها . ثم حلف على ان لا يدفع اليهن ثيابهن الا
بعد ان يخرجن اليه عاريات . فرفضن بادئ الامر , ثم تتابعن في الخروج من البركة
, فرمى بثياب كل واحدة اليها . الا عنيزة فقد رفضت الخروج . فقال لها : يا ابنة
الكرام لا بد لك ان تفعلي مثلما فعلن . فخرجت اليه فرآها مقبلة ومدبرة . فلما
لبسن ثيابهن اخذن في لومه وقلن : لقد جوعتنا . فقال لهن : لو عقرت راحلتي ؟
تأكلن ؟ فقلن : نعم , فعقر راحلته ونحرها :
ويوم عقرت للعذارى مطيتي
فيا عجبا من كورها المتحمل
وجمعت الاماء الحطب وجعلن يشوين اللحم الى ان شبعن .
فظل العذارى يرتمين بلحمها
وشحم كهداب الدمقس المفتل
وكان معه ركوة فيها خمر من جهة الاندرينا ( اتذكر صديقك عمرو بن كلثوم ) في
الشام , فسقاهن منها . فلما ارتحلن , قسمن امتعته بينهن , وبقي هو وحيدا , فقال
لعنيزة : يا ابنة الكرام , لا بد لك من ان تحمليني معك . والحت عليها صاحباتها
ان تحمله على مقدم هودجها . فحملته . فجعل يدخل رأسه في الهودج , يقبلها
ويشمها.
يوم دخلت الخدر خدر عنيزة
فقالت لك الويلات انك مرجلي
وارتجل قصيدته التي سارت بها الركبان الى يومنا هذا . انشد هذه الرائعة , التي
تعد جوهرة الشعر العربي قاطبة , وهو محمول على مقدمة هودج عنيزة . يدخل رأسه
بين الفينة والاخرى , يقبلها ويشمها . وينشد بيتا او بيتين الى ان اكمل 81 بيتا
, كل بيت قصيدة بحالها .
ياللروعة , ياللعظمة , ياللعبقرية ؟
الا تسمعها , يا رعاك الله , تضحك بغنج , وهي سكرانة به وبخمور الاندرينا , وهو
ينشدها :
فقالت يمين الله مالك حيلة
وما ان ارى عنك الغواية تنجلي
يريد ان يقول : مالك عذر في زيارتي وما اراك نازعا عن هواك وغيك .
وقالت العرب هذا اغنج بيت في الشعر قاطبة . واستعارت جزءا منه الفنانة السورية
اصالة في احدى اغنياتها .
وعلقت العرب قصيدته على الكعبة اكراما لها وله .
وسوف نعود مرات لصديقك هذا في اطار هذه المقالة , فصبرا يبل الابرى .
خلفية :
ثلاثة من حركات المعارضة التشادية المسلحة اتحدت , وقررت قلب
نظام الرئيس دبي بالقوة العسكرية . وتحركت هذه الحركات من الحدود
السودانية/التشادية في يناير الماضي , ووصلت الى انجمينا , دون اي معارضة تذكر
, في الطريق الذي يمتد الى اكثر من الف كيلومتر , من الحدود السودانية/التشادية
الى انجمينا . واستولت على انجمينا يومي الثاني والثالث من فبراير الا المطار
والقصر الرئاسي . القوات الفرنسية , حوالي الف عنصر , الموجودة في انجمينا ,
حسب اتفاقية الدفاع المشترك بين تشاد وفرنسا , صدت القوات الغازية بنيران كثيفة
ومستمرة , ومنعتها من الاستيلاء على مطار انجمينا , ودخول القصر الرئاسي .
تجنبت القوات الغازية الدخول في مشاحنات مع القوات الفرنسية ولم تهاجم مطار
انجمينا , ولم تحاول دخول القصر الرئاسي . وهنا كانت غلطتها المميتة التي ادت
الى فشل الغزوة وتقهقر القوات الغازية الى خارج انجمينا. ذلك ان التموين
البترولي للقوات الغازية قد بدأ ينضب , ومستودعات البترول كانت داخل ساحة
المطار , الذي قررت القوات الغازية عدم مهاجمته لوجود القوات الفرنسية به . ثم
ارتكبت القوات الغازية الخطأ القاتل الثاني بعدم مهاجمتها للقصر الرئاسي
المحروس من القوات الفرنسية , وحيث تمترس الرئيس دبي ومعه حفنة من معاونيه ,
بعد ان هجرته معظم قواته ومعظم معاونيه . سقوط الرئيس دبي في ايادي القوات
الغازية , او قتله داخل قصره , كان يعني نهاية نظام الرئيس دبي ونجاح الغزوة .
ذلك ان النظام في تشاد يعتمد حصريا على شخص الرئيس دبي لانعدام المؤسسات في
تشاد .
شنقلة الريكة :
يقول لك , مستهزئا ومستنكرا , وزير سابق تمت ازاحته في التعديل
الوزاري الاخير , بأن تانكر جاز واحد كان كفيلا بشنقلة الريكة وقلب الموازين
لصالح القوات الغازية . ذلك ان الصورة الان قد اصبحت اكثر وضوحا , والكتابة
ظاهرة على اللوحة , ولا تحتاج لدرس عصر لاستيعابها . تانكر جاز واحد كان سوف
يمكن القوات الغازية من الاستمرار في السيطرة على انجمينا , لمدة على الاقل
يومين اضافيين , ويمكن القوات الغازية من الالتحام بالقوات الفرنسية , اما في
المطار او عند القصر الرئاسي . فيلقى مصرعه في هذه الاشتباكات , على الاقل جندي
فرنسي واحد مقابل , دعنا نفترض , مئات من القوات الغازية . فتقوم القيامة في
باريس لموت الجنود الفرنسيين دفاعا عن الرئيس دبي , ويطالب الرأي العام الفرنسي
بسحب القوات الفرنسية من انجمينا , ولا تملك الحكومة الا الانصياع , لانها لن
تقبل بأن تضحي بأولادها لنصرة افريقي مهزوم من قواته وشعبه .
نعم . كان قرار القوات الغازية بعدم الالتحام مع القوات الفرنسية وتجنبها قرارا
خاطئا ادى الى فشل الغزوة , التي كان الشعب بكل فئاته يهلل لها .
ويختم صديقك الوزير السابق تحليله وتقريعه على القوات الغازية بالاية التالية :
" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة " . ( 7 البقرة )
" وتركهم في ظلمات لا يبصرون " ( 17 البقرة )
Toros – Boros
:
كلمة ال Toros – Boros
مستعارة بتصرف من جبال التورا بورا في افغانستان التي احتمى بها الشيخ اسامة بن
لادن واعوانه في عام 2001 تحسبا من ضربات القوات الامريكية . ويطلقها القوم في
تشاد على القوات الدارفورية الحاملة للسلاح والمتواجدة في تشاد , وهي في الغالب
الاعم , قوات حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل ابراهيم . ولقد لعبت
هذه القوات الدارفورية دورا مفتاحيا في صد القوات التشادية الغازية , ومات من
عناصرها المئات في المعركة التي دارت بين القوات الغازية وقوات الرئيس دبي خارج
العاصمة انجمينا في يوم الجمعة الاول من فبراير , وقبل دخول القوات الغازية
انجمينا منتصرة يوم السبت الثاني من فبراير . ومات في معركة الجمعة هذه القائد
الميداني لقوات حركة العدل والمساواة , ليس في سبيل دارفور بل لنصرة الرئيس دبي
. نعم لقد كان لقوات حركة العدل والمساواة القدح المعلى في صد القوات التشادية
الغازية , وحفظ نظام الرئيس دبي من السقوط . ولانعدام شعبية نظام الرئيس دبي ,
فإن الشارع في تشاد يعتبر القوات الدارفورية عدوه رقم 1 . ومن اسف , فان الكل
هنا يربط , وعن جهل , بين قوات ال
Toros – Boros
وعبد الواحد , رغم ان الاخير وقواته لا ناقة لهم ولا جمل في غزوة 3/2 فبراير .
ولكن عبد الواحد اصبح هنا الرمز لكل ما هو دارفوري , بل لكل ما هو سوداني , كما
سوف نوضح لاحقا بشيء من التفصيل .
حكومة انفتاح :
رغم ان الرئيس دبي قد كون مؤخرا حكومة انفتاح ووحدة وطنية ,
احتوت على عناصر وزعامات من المعارضة , ولكن منظر القصر الرئاسي , وهو محاط
حاليا بالمتاريس واكياس الرمل , يؤكد لك ان نظام الرئيس دبي لا يشعر بالاستقرار
والامان والدعم الشعبي , وهذه حقيقة تقرؤها على وجه رجل الشارع قبل ان ينطق بها
لسانه .
انجمينا :
كانت القبائل عندما تصل الى هذه البقعة تلقى برحالها ( وتنجم ) ,
اي تستريح من وعثاء السفر , فسار عليها اسم انجمينا اي استرحنا . وكنت , يا
طويل العمر , تنجم نفسيا عندما تزور هذه المدينة في الماضي , فهي العاصمة
الوحيدة في العالم التي تنظر للسودان , ولاهل السودان , ولثقافة اهل السودان
بإنبهار واعجاب يقارب الوله . وكنت تلبس الجلابية والعمة والشال والمركوب
الفاشري (وتقدل) في شوارعها , والكل حولك ينظر اليك في محبة واعجاب , ويخيل
اليك انك السلطان عبد الحميد يتبختر في شوارع اسطنبول . كانت تلك ايام نضرات
كما يقول المعلم ! اما الان وبعد حوادث 3/2 فبراير الماضي فقد تبدلت انجمينا في
نفسها وبالنسبة اليك كسوداني . فكيف كان ذلك ؟
سقط اللوى ( بين الدخول فحومل )
نعم , لقد ضربت اكباد الايربص الى انجمينا . فلم تجد الانجمامة التي كنت تسعى
لها , بل على العكس لقد وقفت مع صديقك اعلاه , على اطلال انجمينا , تبكي ذكر
حبيب ومنزل . اما الحبيب فقد كانت الاشجار الضخمة الوارفة الظلال المئوية (عمرا
وعددا ) والتي كانت تظلل الشارع التجاري الرئيسي في انجمينا ( شارع شارل
ديحول ) . والتي امر الرئيس دبي بقطعها كلها , حتى لا يختبئ فيها مستقبلا
المتمردون والمرتزقة كما فعلوا في حوادث 3/2 فبراير الماضي . لقد اصبحت سقط
اللوى , المعروفة في انجمينا بشارع شارل ديجول , خالية من الشجر , جدباء , في
طريقها للتصحر السريع . وكذلك الحال ببقية الاشجار الضخمة في انجمينا , التي
امر السيد الرئيس دبي بقطعها كلها لنفس السبب اعلاه . وفي الجانب الشمالي من
سقط اللوى تقع الدخول , المعروفة محليا بفريق القرعان , حيث معظم السكان من
قبيلة القرعان . هنا تجد مئات المنازل وقد تم نهبها وحرقها وهدمها انتقاما من
القائد محمد نوري القرعاني واحد قواد تمرد 3/2 فبراير الفاشل . لم يكتفي الرئيس
دبي بنهب وحرق وهدم منازل القرعان , بل ساقهم زمرا الى معسكرات التعذيب .....
رجالا ونساء واطفالا وشيوخا ...... ابادة جماعية ليس فقط لقبائل القرعان , بل
لكل من هلل وصفق لغزوة 3/2 فبراير الماضي .
وتسأل نفسك مرات ومرات : ولكن ما ذنب سكان هذا الحي المسالمين ؟ ذنبهم انهم من
القرعان ؟ وهذا يكفي في بلاد قراقوش .
وطال النهب والحرق والهدم حتى بيوت عناصر القبائل الاخرى , التي خرجت مرحبة
بالقوات الغازية في 3/2 فبراير الماضي . اطلال فريق القرعان وعشرات الفرقان
الاخرى , تذكرك يا طويل العمر , بسقط اللوى التي وقف عليها صديقك يبكي ذكرى
حبيب ومنزل . وفي الجانب الاخر من الدخول تجد حومل , المعروفة محليا بالخلاء ,
وقد تحولت الى مصرف طوله اكثر من اربعين كيلومترا , وهو يحيط بانجمينا احاطة
السوار بالمعصم . يقول لك مرافقك : هذا المصرف تم حفره قبل شهر بامر السيد
الرئيس دبي لتصريف مياه الامطار . ولكنه يهمس لك فيما بعد بأن السبب ليس ذلك ,
وانما لصد اي هجوم مستقبلي للمتمردين والمرتزقة القادمين دوما من الشرق .....
من دارفور .
لم تملك يا طويل العمر الا ان تقف , والاسى يعتصرك , على مطيتك , ذات الدفع
الرباعي , امام هذا المصرف الابارتيدي , الذي يعزل انجمينا عن بقية العالم ,
وانت تسمع صوت صديقك يأتيك من الماضي السحيق :
وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك اسى وتجمل .
الحلقة الثانية تتبع ........ |