أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 07 مايو, 2008 08:51:13 PM

التحية للمصور الفصيح سامي الحاج:

دلالات الأسر وفك الإسار..

د. محمد وقيع الله

waqialla1234@yahoo.com

ولقد بكيت على تفرق شملنا    زمنا وفاض الدمع من أجفاني

يا عين قد صار البكا لك عادة   تبكين من فرح ومن أحزان

طفح السرور علي حتى أنه      من فرط ما قد سرني أبكاني!

هكذا انطوت الحالة العاطفية الوجدانية لسامي الحاج على كثير من الدلالات التي عبر عنها بإنشاد أبيات من قول صفي الدين الحِلي آنف الذكر، فدمعه، دمع الكبرياء الجارف، كدمع الأسير الإسلامي والإعلامي المجاهد أبي فراس الحمداني، الذي ذاق الأسر في ظروف مماثلة، ولفترة مماثلة، دمع لا يمليه الضعف، ولا يبديه صاحبه لأحد، وإنما ينساب من عينيه إذا أضوتها الليالي بظلامها السابغ الوفير، وإذا ما انقلب إلى بلاده وارتمى في حضن الوطن الكريم. هذا هو دمع أستاذ الجهاد الإعلامي المصور الفصيح سامي الحاج، إنه من رهط المجاهدين الإعلاميين الأبطال الذين ضربوا من الأمثال ما قاد مسيرة أمتنا في مقاومتها لباطل الفرنجة بالأمس، ويقود مسيرة أمتنا في مقاومتها لباطل المحافظين الجدد اليوم، وما هو كفيل بأن يسدد مسيرة كفاح أمتنا في سبيل تسويد قيم الحق والخير والعدل في هذا الوجود.

الإعلام الساطع نقيض الدبلوماسية القاتمة:

 وقد دل هذا الإعلامي المصور الفصيح الأستاذ سامي الحاج على أنه كان خصما مبينا يقوض بأدائه الإعلامي الجهود السرية التآمرية التي تدير بها عصابة المحافظين الجدد العلاقات الدولية لعالم اليوم. فمن قبل أن يصل هؤلاء إلى السلطة في أمريكا كانوا قد أكدوا في تراثهم الفكري الذي أفرزوه في أدبيات العلاقات الدولية، على أهمية الدبلوماسية السرية والعمل في الخفاء بعيدا عن أضواء الكاميرات، فمؤامرات هؤلاء المحافظين الجدد لا تتكلل بالنجاح إلا إذا تمت في بؤر الظلام.

 وهذا هو أحد أهم أسباب إشكال سامي الحاج مع هذه العصبة الظلامية المتآمرة، إذ أنه أراد أن يسلط عليهم أضواء الكاميرا، ويكشف للدنيا ما كانوا يفعلونه في أفغانستان، وهذا هو سبب مأساة زميله الذي اغتالوه في العراق، فقداغتالوه لأنه كان يكشف للدنيا ما صنعوه بشعب العراق، وهذا هو عينه السر في أن زعيمهم فكر فيما هو أكثر من ذلك، عندما استشار زميله البريطاني ( في محور الشر) لكي يقوما بقصف المقر الأساسي لقناة الجزيرة بدولة قطر!

عقيدة استهداف الأبرياء:

ولقد اشتبه هؤلاء المحافظون الجدد في الاستاذ سامي الحاج  لسبب آخر، هو أنه شخص بادي التدين شديد الاعتزاز بإيمانه، وهؤلاء المحافظون الجدد يكرهون الإيمان الإسلامي، ويحسبونه رديفا للإرهاب، أو احتياطيا استراتيجيا له، فكل مسلم متدين هو عدو لهم بالضرورة كما تقرر عقيدتهم. وهكذااعتقلوا سامي الحاج، وأطالوا اعتقاله، تنفيذا لمقتضيات مبدأ آخر من عقائدهم، وهو مبدأ العمل الاستباقي والحرب الوقائية، وهي مبدأ معلن ومفصل في أدبياتهم الشريرة، وهو مبدأ يؤكد ضرورة التحرك الاستباقي، ضد أي شخص مسلم متدين (يحتمل) أن يكون ارهابيا خطيرا، وعدم انتظار هذا الشخص حتى يقررأن يعتنق أفكار الإرهابيين، وقبل أن يتجه أو ينوي أن ينفذ عملا إرهابيا، وبالطبع قبل أن ينفذ هذا العمل الإرهابي!

وحسب هذا المبدأ الظالم فإن معاقبة ألف برئ بزجهم في أعماق السجون، وإرهابهم بالاستنطاق العنيف، والتعذيب المهين، خير من أن يتمكن (مجرم) ارهابي واحد من أيديهم، وينفذ عملا ضدهم. فهذا هو المبدأ الجديد التي يريدون أن يحملوا أمريكا على قبوله واعتناقه، وهو ذات المبدأ الذي كان يعتنقه سفاح الاتحاد السوفيتي السابق ستالين، وقد استخدمه ليبرر به إزهاقه لأرواح الملايين التي حصدها في ثلاثينيات القرن المنصرم!

الاقتحام لا الاحتواء:

        وما كان احتلال كل من افغانستان، والعراق، وإنشاء معتقل جوانتانامو، إلا تنفيذا لهذه لنقطة الأساسية في فلسفة المحافظين الجدد، الذين قفزوا إلى الحكم في أمريكا على ظهر الرئيس الأمريكي  الحالي، الذي لايمكن ان يقال إنه يحمل فلسفة من أي نوع، ولكنه يحمل نفسية مماثلة لنفسية أولئك المحافظين الجدد، وهي نفسية التوتر، والتهور، والاندفاع في المغامرات الخطرة، مع عدم المبالاة بالنتائج المترتبة عنها، حتى ولو جاءت تلك النتائج تسجل خصما على مشاريعهم التوسعية، ولذلك اتخذوه أداة تنفيذ لما تقرره فلسفتهم من ضرورة استخدام العنف ضد الأبرياء.

لقد كانت السياسة الخارجية الأمريكية تقوم في الماضي على فكرة الاحتواء والردع لمن يتعدى حدوده (الحدود الأمريكية بالطبع)، وهي فكرة متفرعة عن فكرة توازن القوى الاستراتيجية، التي تقضي بضرورة الحفاظ على الوضع (الراهن) قدر الامكان. ولكن بزوال الخطر السوفيتي ظن هؤلاء المغرورون أن الكون قد خلا، أو يجب أن يخلو ممن يتحداهم كائنا من كان، وان ارادتهم السياسية ينبغي أن تمضي على الجميع، وأن تصبح إرادة ماضية  كإلإرادات المطلقة لأباطرة العصور السابقة. وبالفعل فقد جمع مفكرو المحافظين الجدد، بتوجيه من نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، كتب التاريخ القديم، التي تتحدث عن تصرفات الأباطرة والامبراطوريات، بغرض الاحتذاء بذلك السلوك السياسي الطغياني في حكم عالم اليوم، وهذا ما كشفت عنه قبل سنوات إحدى دوريات العلوم السياسية التي تتابع النشاط العقلي لهؤلاء الأشرار!

الجهود الصامتة للحكومة السوداني:

وقد توعد ديك تشيني كل من يعرقل المشروع الأمريكي للقرن القادم بالملاحقة والضرب الاستباقي وتحريض الدنيا كلها عليه. ولكنه في حالة سامي الحاج فشل فشلا ذريعا وانفضح انفضاحا مريعا، إذ قادت قناة الجزيرة، كما قادت الحكومة السودانية حملات إعلامية ودبلوماسية قوية من أجل فك إساره من ذلك المعتقل البغيض.

 لقد كانت حملة قناة الجزيرة واضحة على شاشاتها، أما الحكومة السودانية فقد فضلت الصمت وعدم الكشف عن تفاصيل جهودها التي استغرقت وقتا طويلا في معالجة الأزمة ولذا غدت تستحق جزيل الشكر. ولكن العجيب أن صمتها هذا قد أغرى البعض بتزعم الأمر، والزعم بفضل جهود لهم فيه، كما أغرى بعض الشانئين من القائمين على العمل الصحفي المعارض بالتخرص والقول بأن  حرية سامي الحاج جاءت منقوصة، فقد كان ذلك هو عنوان التغطية الخبرية لصحيفة يومية في الخرطوم لم تجد إلا هذه التغطية الخسيسة لهذا الخبر السعيد.

  وأما الجهات الخارجية التي أبدت قلقها من أن تقوم الحكومة السودانية باعتقال الحاج بعد وصوله إلى السودان كما جرى لأضراب له في أوطانهم، فسرعان ما تبدد خوفهم مع تصريحات وزير العدل الحالي الأستاذ سبدرات ووزير العدل السابق الأستاذ محمد علي المرضي الذي زاد فكشف أن حكومة الإنقاذ رفضت أن تنصاع لشروط المسؤولين الأمريكيين الذين يظلمون ويأمرون الناس بالظلم، وهي الشروط التي نصت على أن تقوم الحكومة السودانية باعتقال الحاج ومصادرة جواز سفره السوداني، وقد ذكر مسؤولون آخرون من قادة الإنقاذ منهم مصطفى اسماعيل وكمال عبيد معلومات أخرى أدت إلى بث الاطمئنان في نفوس المتخوفين من مصائر الحاج وزملائه العائدين.

 ثم جاءت زيارة البشير للحاج لتحسم الأمر وتؤكد تكريم دولة الإنقاذ لا تجريمها للأستاذ الحاج. وتعليقا على تلك الخطوة، قال الحاج إنه قد سعد بزيارة الزعيم البشير وأعوانه له، وأن تلك الزيارة قد رفعت معنوياته، وكان لها حافز كبير على نفسه بعد أن كان في حالة نفسية مضنية يرثى لها.

نقموا عليه بعد أن سرحوه:

وهذا ما أثار عليه مجددا نقمة الغلاة الذين اعتقلوه، فبعد ان استكثروا حتى أن يعتذروا إليه قبل أن يخلوا سبيله، أو بعد ذلك، عادوا فاستكثروا أن يجد استقبال الأبطال في بلاده وأن ينال تكريم رئيس بلاده، فأرادوا أن يفسدوا عليه كل ذلك بالزعم بأنه كان يتصنع الضعف والمرض لدى وصوله إلى مطار الخرطوم، وقد كان ذلك تصريحا عجيبا مريبا معيبا، لا يصدقة أدنى عقل، فلماذا لا يشعر بالونى شخص امتنع عن الطعام لأكثر من أربعمائة يوم باتصال، فهذا الامساك المتواصل عن الطعام كفيل بأن يؤدي الى انهيار الجسم وإن أدى إلى تأجيج الروح.

ولعل هؤلاء الناقمين قد نقموا منه أكثر من ذلك هذا الإضراب البطولي الذي أعلنه ونفذه عن الطعام، فالإضراب عن الطعام هو سلاح الضعفاء الأكبر الذي يمكن أن يشهروه في وجه سجانيهم الظلمة الأقوياء.

ومنطق هذا الإضراب هو أن الأسير البرئ لا يمكن يقبل أن يكون أسيرا بلا جريرة إلى أمد غير محدود، وأنه يفضل على ذلك أن يموت جوعا ليتحمل الظالم مسؤولية موته طالما أن لم يقدمه إلى محاكمة عادلة ولم يسرحه سراحا جميلا بين الأحرار.

محاولة تدمير مصداقية سامي الحاج:

وقد  أراد هؤلاء الناقمون أن يقوضوا مصداقية سامي الحاج بمثل هذا التصريح، فهم يعلمون حق العلم ويدركون تماما أن هذا الروح القوي المسمى سامي الحاج سيفضح بلا توان ولا هوادة جميع مظالمهم في ذلك السجن الملعون. وسيكشف عن أفظع ما فعلوه به وهي الإهانات التي وجهوها للقرآن الكريم، فقد كانوا يركلون المصحف بأقدامهم - شُلَّت أقدامهم أقدام الشر -  ويلقون به في المراحيض – التي هم أولى أن ينحدروا إلى قيعانها- ولا شك أنهم سينتهون قريبا في قيعان مراحيض التاريخ.

إن هؤلاء الذين كانوا يهينون القرآن داخل سجن  جوانتنامو هم أنفسهم الذين كانوا يوجهون إليه الإهانات في خارج ذلك السجن. فأكثر هذه الإساءات إنما جاءت منطلقة من قبل دوائر اليمين الديني الأمريكي ودوائر المحافظين الجدد شديدي الحنق والغيظ على هذا الدين ودعاته وإعلامييه الشرفاء من أمثال سامي الحاج ورفاقه الميامين.

لماذا عتم الإعلام الأمريكي على أمر الحاج:

   وعلى نفس هذه الخطة في  التعتيم والتمويه على أمر الحاج فقد أحجمت وسائط الإعلام الأمريكي - وتبعتها أكثر وسائط الإعلام العربي- عن تناول أمره بالتفصيل المفروض، وذلك بالرغم من أن الإعلاميين الغربيين لا ينفكون يتصايحون كل ما اعتقل صحفي غربي ويملأؤون الدنيا بأمره ضجيجا وعجيجا، ويتبعهم في ذلك الناعقون من الإعلاميين في عالمنا العربي، وكأن الصحفي الغربي أهم وأعلى قيمة من الصحفي العربي!

وقد عجبت مراسلة الجزيرة من واشنطون لتجاهل الإعلام الأمريكي لخبر فك إسار الحاج، وعزته إلى ازدواجية المعايير لدى القوم، وذلك تفسير صحيح بشكل جزئي. وأما ما هو أهم من ذلك فهو أن الإعلام الأمريكي لا يملك حريته بالقدر الكامل، حيث أن لحريته حدود محدودة يضعها رأس المال الذي يسيره، ولا يستطيع الإعلاميون تجاوزها بحال, وما أكثر الإعلاميين الأمريكيين إلا أجراء طيعين لدى رؤوس أموال الشركات الصناعية الكبرى التي تسير السياسيين، وتسير من خلفهم جحافل الإعلاميين وتحدد لهم ما هو مسموح لهم بتغطيته مما هو غير مسموح، وحالة سامي الحاج هي بالتأكيد مما هو غير مسموح بالإفاضة فيه.

  إن دلالات أسر المصور الفصيح سامي الحاج وفك إساره لكثيرة، ولا تستقصى في مقال عابر، ونرجو أن يتمكن هو من أن يكتب عنها كتابا مفصلا، وان يجعل ذلك من أولوياته، وأن ينجز هذا الكتاب في وقت قريب.