|
انها ثلاثي مهلك تماما مثل الجهل , الفقر والمرض , وقد طوقت هذه المهلكات اعناق
البشر الضعفاء من الشعوب المستعبدة بتسلط حكامها , وهي بلا استثناء الدول
الاسلامية والعربية , فالمال دولة بين الاغنياء منهم بينما ترزح الغالبية من
شعوبهم في شظف العيش والمسغبة , ولم نسلم نحن في السودان من هذا المآل الشرير ,
فالاحصاءات الرسمية تبين ان 95 % من الشعب السوداني اصبح يعيش تحت خط الفقر ,
وخط الفقر كما تحدده هيئة الامم المتحدة بمن يبلغ دخله دولارين في اليوم .
وتحدث الانباء في مطلع كل يوم جديد عن تظاهرات واعتصامات واضرابات في كثير من
الدول بعد ان ضاقت الحال بالناس وعزّ الغذاء وشحّ الدخل للعاملين وتوحش الغلاء
, وصار الدخل لا يكفي للحصول علي ابسط ضرورات الحياة , فقد عزّت لقمة العيش
وجرعة الماء وحبة الدواء , واينما تلفت المرء صدم بصره مشاهد الكادحين
المطالبين بتحسين اوضاعهم المعيشية , ففي مصر اعتصم واضرب عمال الغزل والنسيج
في المحلة الكبري , وتوالت الاحتجاجات في العاصمة الكبري واشترك فيها الاطباء
والقضاة واساتذة وطلاب الجامعات والموظفون والعمال , وفي لبنان والاردن وسوريا
واليمن جرت احداث مماثلة , ومن أسف قابلتها حكومات تلك الدول بالعنف والشدة
والبطش مما يشير الي الهوة الواسعة بين تلك الحكومات وشعوبها .
وحتي الدول الراسخة في الديمقراطية والتمدن لم تسلم من التذمر الشعبي من غلاء
المعيشة وقلة الدخل , فلقد اضرب المدرسون في بريطانيا لأول مرة في تاريخ ذلك
البلد مطالبين بزيادة رواتبهم !
كُتب علينا ان نشاهد وطننا السودان في رخائه ويسره , ثم نراه الان في شقائه
وعسره بأيدي نفر من ابنائه ! ونحن بلد حباه الله بوافر نعمه من ماء وتربة خصبة
وخيرات من معادن ثمينة في باطن الارض وانهار جارية وثروة حيوانية تسد عين الشمس
, والبترول , كما اننا موعودون بأن تكون ارضنا سلة غذاء العالم برأي علماء
وخبراء الزراعة العالميين , ومع كل هذا لا يستطيع المواطن ان يطعم اللحم لغلائه
, وان لا يقترب من الاسماك لغلو ثمنها وكأنها مستوردة من نهر المسيسبي وساحل
كاليفورنيا في امريكا , واصبحت الكسرة وملاح الويكه طعامنا الشعبي وحتي (ام
شعيفة) وهو ملاح الويكه بدون لحم ليست في متناول غالبية الناس نسبة لغلاء
الويكه والذرة , فاقتصر ادام الناس علي (البوش) (ماء الفول) , وتقلصت الوجبات
الي وجبة واحدة او اثنتان في اليوم , بينما يستورد مستجدو النعمة الاثرياء
الجدد ماء الشرب في قوارير من فرنسا , ويتخيرون ما يأكلون من اطايب الطعام ,
ويتطاولون في البنيان , بينما يهدون اكواخ الطين البائسة علي رؤوس ساكنيها
البؤساء , ويركبون احدث ما انتجته مصانع السيارات في الدنيا من افخر الانواع .
واما سعر البنزين - ونحن قطر مصدر له – يقرب من سعره في الدول التي تستورده .
واصبحت انارة البيوت بالكهرباء بالحرص الشديد كحرص البخيل علي القرش وهذا اذا
توافرت , واما الماء فقد جفا الحنفيات كجفاء النوم للمسهّد ! واما اذا اصاب
المرض المواطن فلا علاج ولا دواء الا لميسوري الحال وما اقلهم , فلا مندوحة
للمريض سوي الاعشاب البلدية او التسليم لقدره الذي يريحه من كروب الدنيا في قبر
في مدافن حمد النيل او احمد شرفي او البكري او المدافن الاخري ان كان من الذين
لا يسكنون العاصمة , فقد تنوعت وتكاثرت وتفشت الامراض من سل وايدز وملاريا
وسرطان وضغط وسكري وفشل كلوي وسحائي وكوليرا أي تنوعت الاسباب والموت واحد !
ويا للعجب , فبعد ان صار توصيفنا بأننا من افقر دول العالم صرنا الان علي رأس
قائمة الدول الاسلامية في اعداد المصابين بالايدز !!
كيف حدث هذا ولماذا ؟
منذ ان حل الانقلاب العسكري المشؤوم الذي قامت به الجبهة القومية الاسلامية في
30/6/1989 , ظللنا نتجرع غصص الفساد والاستبداد , فقد فشا الظلم والفساد من
الكبير الي الصغير وهو فساد مستند الي الاستبداد ومستقو بالبطش والقهر
للمستضعفين , واصبحت مكارم الاخلاق من عدل وامانة وطهر وصدق احاديث خرافة يتسلي
بها السذج , دون خشية من قانون ام مراعاة لعُرف , وكيف يخشون الناس والقانون
وهم لا يخشون الله رغم اللحي المسدلة والمسابح في الايدي والزبائب علي الجباه
؟! فأن لهم مخارج من الوقوع في قبضة القانون بواسطة قريب في السلطة او الحزب او
الرشوة للمسئول . وقد استحدث هؤلاء القوم مفاهيم للكسب الحرام بكل السبل ,
فأضحت لا تثير غرابة ولا تحرك استنكارا , والخطورة في ان هذه الاساليب تصبح
شيئا مألوفا بحكم العادة , واصبح الفاسد او المفسد يُكافأ بترفيعه في الوظيفة ,
وابداله موقعاً افضل من الذي كان يشغله من قبل , والامثلة ظاهرة لكل ذي عينين
كعمارة الرباط , وسفاح بيوت الاشباح , ومجرمي دارفور , وناهبي البنوك والمال
العام . ويحدث هذا في الدولة الرسالية دولة تطبيق الشريعة فكيف يكون الحال اذا
لم تكن كذلك ؟! فهل هناك اساءة وامتهان اكثر من هذا لتعاليم الاسلام السمحاء ؟!
يقول نبينا (صلعم) : والذي نفسي بيده لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .
انه اهلك من قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه وان سرق فيهم الضعيف
اقاموا عليه الحد .
والشئ المحير هو ان هناك جيشاً من الوزراء والمستشارين في المركز وفي الولايات
تضم عددا من الدكاترة والبروفسيرات ومجلس الشعب يعج بالنواب , ولا احد منهم
يتحدث بما يقاسيه الشعب من معاناة في معاشه وحياته , فهل استناموا واغشيت
ابصارهم وبصيرتهم ما استجد عليهم من نعمة وترف , فأنساهم اهلهم الفقراء
والمواطن المسكين ؟! حقأً , ماذا يفعل هؤلاء الناس ؟
لقد كان السودان الفسيح العريق يحكمه اربعة اشخاص في عهد الاستعمار وهم الحاكم
العام ويساعده ثلاثة هم السكرتير الاداري والسكرتير القضائي والسكرتير المالي ,
وتسعة مديرين في مديريات السودان التسع , وما لا يزيد عن الخمسين مفتشاً في
المراكز في طول السودان وعرضه , وكانت الخدمة المدنية يُضرب بها المثل في
الكفاءة والانضباط والنظام , والتعليم الجيد والعلاج المتاح بالمجان , وفوق هذا
وذاك كان العدل سائدا ولا كبير فوق القانون بينما نلقي من الحكومة الحالية
المتأسلمة سوي الصرب والتعذيب والاغتصاب والحرق والقتل .
وأمر آخر نقوله لأحزابنا من شمالية وجنوبية التي اسبغت علي هذه الحكومة شرعية
بالانخراط فيها مما يطلق عليه حكومة الوحدة الوطنية , فأنتم بهذه الصفة مشاركون
في كل ما يصدر عن هذه الحكومة وتتحملون مغبة وعواقب ما يمس الشعب من ظلم وضيق
واضرار في امنه ومعاشه .
لقد اصبحنا كالغرباء في موائد اللئام , فالوظائف من المدير الي الخفير وقف
عليهم –ناس الجبهة- والمال حكر لديهم , واصبح الشريف في وطنه غريب الوجه واليد
واللسان . ولم يعد السودان سوداننا الذي عرفناه وألفناه , وتملكه اناس ليسوا
كالبشر الذين عايشناهم !
الي متي يصبر هذا الشعب ومتي يتحرك وقد اصبح مهددا في طعامه وشرابه وحياته
؟ , فقد ضربنا المثل من قبل للشعوب في الثورة ضد الظلم
والديكتاتورية في اكتوبر 1964 وفي ابريل 1985 . |