|
تمثلت له كغزال شارد يقف على تلة يتلفت بحثاً عن قطيع أخطأه عند النبع فى
منعرج من الغابة .
أخذ يحملق فى الفتنة التى جاد بها الزمن فى أيام الجدب حيث ماعاد من ذاك
الجمال الطبيعى الكثير ، بعد أن غطت الأصباغ البهاء الربانى . لا عيب ولا عتاب
على من يتعايشن مع ماتدفع به بيوتات التجميل والموضة والأزياء بصفة عامة .
فالجمال مرغوب ويعطى الثقة بالنفس . هناك من هى جميلة وتشعر بجمالها من خلال
نظرات الآخرين ، ومنهن من تقول " يادنيا إتهدى ماعليك أدى . "
فى سوداننا الغالى، النظرة إلى الجمال إختلفت بإختلاف العصور . فالفتاة فى
الماضى عندما كانت تخرج من منزلها ، كانت تعقد حاجبيها وتخفى إبتسامتها علامة
للإستقامة والجمال " أخيرليك تبعد عنى ." لاعلم لى من أين إكتسبن تلك الخصال
ولكنها كانت هى السائدة . كما كان إستعمال الباروكة منتشر وكانت أنواعها مختلفة
، من قصير " ألاجارسون " إلى الطويل المنسدل خلف الظهر إلى ذيل الحصان . وفى
عصور غابرة كان يستخدم " الجورسيه " ليضفر مع الشعر . وكانت المشاطات يتنافسن
فى إضافة الجورسيه للشعر مما يكسب المرأة الجمال المطلوب .
متطلبات العصر ماكانت قاصرة على الفتيات والسيدات فحسب ، بل كان الشاب أو الرجل
ينتقى أجمل ما لديه من ثياب فاخرة ويتعطر ويمسك بيده علبة سجائر من النوع
الفاخر وباليد الأخرى ولاعة ، حتى وإن كان من غير المدخنين ! " لزوم القيافة
والفنجره " .
بالطبع فى ذلك الزمن لم يكن هناك تليفون محمول " نقال أو خلوى " كما أن السبحة
كانت لكبار السن كنوع من الوقار والورع ولم يكن للشباب ميل للسبح . حيث أن حمل
السبحة كان له إلتزامات يجب مراعاتها ، ومنها عدم معاكسة الفتيات " أجى يايمه
بيسبحتو وبيشاغل ، ياراجل ماتشوف ليك سجادة وله برش ! " . هذا بالرغم من أن
كانت هناك أغنية فى الستينيات تقول كلماتها " القمريه فوق الفريع تقوقى ، حبيبى
أبقليك مصلايه تصلى فوقى ! " . وبالماسبه تلك لم تكن من الأغانى الهابطه . ولم
يطلق إسم "هابطه " على أية أغنية فى ذلك الزمن الجميل .
الفتاة فى ذلك الزمان ماكانت " إبنة فلان " فقط ، بل كانت إبنة لكل الحى . كان
يقع على الجميع عبء حمايتها ورعايتها ، ولم تكن إحداهن تشعر بأن ذلك يعد تدخلاً
من أحد فى شئونها الخاصة .
هل يستطيع أحد فى وقتنا هذا أن يسأل فتاة من الحى أين كانت وإلى أين هى ذاهبة
!؟ " كان عينك ماتشوف إلا النور " .
ما سقته عمدت به أن يكون مدخلاً للحوار التالى بين فتى وفتاة بالرغم من عدم
صلته بالتقاليد :
وهى تحاول أن تمسك بالثوب الذى ينزلق من على جسدها قالـت :
مالى أراك تحملق فىّ !؟
قال : هى نظرة لى أخذتها على إستحياء ، ولم أثنيها ! فالشرع ياجميلتى قد أباح !
قالت : يا هذا ، أما سمعت بنظرة فإبتسامة فموعد فلقاء !؟
قال : أما سمعت بأن شوف العين مابرمى الغزال !؟
قالت : المجنون فى ذمة الواعى !
قال : ومجنون ليلى !
قالت : ما إسمى ليلى ، إسمى ريم !
قال : ولا أنا بقيس ولا أخالك عامرية !
قالت : أنا من الجبل
قال : ومال فتاة الجبل تمشى فى الوهاد !؟
قالت : لاتقل شئنا ان الحظ شاء !
قال : شئنا وليت الحظ يشاء !
" أسبلت هدبيها وسووت من ثوبها وهمت بالمسير "
قال : أراك تتعجلين الفراق !؟
قالت : لافراق إلا بعد لقاء ، ونحن لم نلتقى بعد !
قال : أسمعك تقولين " بعد "
قالت : ياهذا ، ماذا تريد منى !؟
قال : إسمى بشر ، الباء بها كسرة
قالت : لنحذف الباء ، ونتبسمل من شر ماخلق !
قال : ماسبقك عليها أحد ! " ضحك "
قالت : شر البلية مايضحك !
قال : لقد إبتليت اليوم بحبك !
قالت : أتسمى مابيننا حباً !؟
قال : ماذا تسميه أنت !؟
قالت : لقاء عابر ليس إلا !
قال : حمداً لله بتنا فى المرحاة الأخيرة
قالت : ماذا تعنى !؟
قال : أما سمعتى بنظرة فإبتسامة فموعد فلقاء !
قالت : انك لداهية !
" أخذ يحملق فيها بدون أن ينطق ببنت شفه "
قالت : أما عاد لديك ماتقوله !؟
قال : تعطلت لغة الكلام وخاطبت عيناى فى لغة الهوى عيناك !
قالت : أهذا شوقى !؟ " الشاعر احمد شوقى "
قال : هذا شوقى أنا !
" رفعت ثوبها لتغطى وجهها خجلاً "
قال : ياعاقد الحاجبين.. على الجبين اللجين .. ان كنت تقصد قتلى .. قتلتنى
مرتين !
قالت : أهذا بشار !؟ " تعنى بشار الخورى – الأخطل الصغير "
قال : لنحذف الألف !
ضحكت وقالت : دقة بدقة !
" إنسحبت كغزال شارد وتركته يتحسر على حاله " |