|
فى الثالث من مايو عام 1993 أعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة ماعرف باليوم
العالمي لحرية الصحافة، وحدد الهدف منه بتنوير الرأي العام لانتهاكات حرية
التعبير. والغريب أن هذا العام نفسه شهد فيه العالم نقصا مريعا في الغذاء وأصبح
من وقتها العالم مهددا بنقص متواصل فى الأغذية الضرورية، مماجعل هذا العام يؤرخ
به لبدايات أزمة العالم. في هذا العام أصدر المعهد الدولي لأبحاث السياسات
الغذائية International Food
Policy Research Institute
تقريرا أشار فيه إلى أن 37 مليون شخص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
عانوا من نقص التغذية بين الأعوام 1992 و2004 وهذه الأرقام مرشحة للتفاقم في
السنوات المقبلة في ظل الأزمة. وتوقعت دراسة (توبويللو وفيشر2007) اعتمدها
التقرير نفسه، أن يزيد عدد الذين يعانون من سوء التغذية في الشرق الأوسط
وأفريقيا إلى 55 مليوناً عام 2020 و56 مليوناً عام 2050 لينخفض إلى 48 مليوناً
عام 2080
ويقول مدير برنامج الغذاء العالمي التابع للامم المتحدة كريغ بارو «إن ندرة
الطعام تعني المزيد من الجياع». والبرنامج يقدر حاجته إلى 500 مليون دولار
إضافية هذا العام ليتمكن من إطعام 73 مليون شخص في أفريقيا وآسيا وأميركا
الوسطى يحتاجون لمساعدته.)
يقول السيد بان كي مون فى مقاله حول أزمة الغذاء فى العالم (يعبّر المستهلكون
فى أمريكا وأروبا عن تذمرهم من حالة الغلاء المتصاعدة، فلنتصور إذن حالة الذين
يعيشون بأقل من دولار فى اليوم_ ضمن شريحة المليار نسمة التى تعيش فى الدرك
الأسفل وأفقر فقراء العالم ومعظمهم يعيش فى أفريقيا ويصرف العديد منهم عادة
ثلثيي دخلهم على الغذاء).
يقول تقرير آخر
هناك الكثير من الطعام لكن القليل منه يصل إلى معدات الجائعين. فبالرغم من أن
انتاج الحبوب1,2 مليار طن العام الماضي إلا أن 1.01 مليار فقط منها سيصل إلى
سكان العالم كطعام».
هكذا اهتم العالم فى ذات العام 1993 بقضيتين أرقتا مضاجعه وهى نقص حرية التعبير
ونقص الغذاء. فى هذه الايام الذى يكاد العالم يصرخ فيها من نقص الغذاء، وتهدد
المجاعات الانظمة تبرز فى ذات الوقت حرية التعبير . ففى الرسالة التى أذاعها
السيد كويشيرو ماتسورا المدير العام لليونسكو أمس بمناسبة اليوم العالمي لحرية
الصحافة أوجد كوشورا علاقة ذكية بين حرية الصحافة والتعبير والهدف الإنمائي حين
قال (إن حرية الصحافة والانتفاع بالمعلومات عنصران من العناصر الى تعزز بلوغ
الهدف الانمائى الواسع المتجسد فى تمكين الناس من خلال تزويدهم بالمعلومات التى
تساعدهم على تسيير شئون حياتهم بأنفسهم وبناء قدراتهم للمشاركة فى النقاش العام).
وهكذا فإن حرية التعبير ليس ترفا، إنما هى قيمة ذات علاقة وثيقة بالنماء ونقص
الغذاء وفى التاريخ والحاضر فإن الدولة التى تدّعي أن أولوياتها ليست حرية
التعبير بل الغذاء، انتهت الى إفقار شعبها وقذفه فى براثن الجوع والفقر. وانظر
الى خريطة أفريقيا فإن الدولة الأخطر على حرية الصحافة ( الصومال) هى أكثرها
اضطرابا وأشدها مجاعة. حرية التعبير تحد من الفساد وهو العدو الأول للنماء
والتقدم,حرية الصحافة تساعد فى إقامة الحكم الرشيد وبدونها تنهدّ أسس
الدولة,حرية التعبير تسعى لتوسيع المشاركة فى الحكم وإدارة الدولة وبدونها
سيصبح القرار بين يدي ثلة لاتسمع إلا نفسها ولا تؤمن إلا بأفكارها ولاتنفذ إلا
أهواءها.ولذا فإن الدول الأكثر فقرا هى الأكثر حاجة لحرية التعبير، وحرية
الصحافة، والدول الأكثر نقصا فى مجال الغذاء هى الدول التى تتدنى فيها الصحافة
الحرة وتتناقص فيها حرية التعبير. الجوع يلد الكفر، والاستبداد يقهر الحرية،
ومن هنا الكفر والاستبداد وجهان لعملة واحدة. فإذا وجدتم فى بلد نقصا فى حرية
التعبير فانتظروا نقص الغذاء ثم تيقنوا أن البلد الذى يجتمع فيه نقص الغذاء
ونقص فى حرية التعبير سيعاني من نقص المناعة الفكرية والسياسية والاقتصادية
وحتى العسكرية.والله أعلم
|