أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 09 مايو, 2008 09:49:46 AM

و ماذا عن حلايب؟!

الفاضل عباس محمد علي

fadil_abbas@hotmail.com

           جاء في أخبار الخميس 8 مايو ان الرئيس المصري حسني مبارك ووزير خارجيته أبو الغيط  حثّا رئيس المجلس الوطني الاتحادي للامارات العربية المتحدة سعادة عبد العزيز الغرير على اتباع الخطوات القانونية بما فيها طرح الموضوع على مجلس الأمن، أي موضوع الجزر الثلاث ( طنب الصغرى و طنب الكبرى و أبو موسى) التي تحتلها ايران، كما صرح الغرير بأن هناك اتفاقا بين مصر و الامارات على ضرورة أن تلجأ الدولة الى محكمة العدل الدولية، و قد عبّر الرئيس المصري عن دعم بلاده لقضية الجرز الاماراتية و مطالبة الامارات بحقها في استرداد الجزر الثلاث، مثلما استرجعت مصر طابا من الاحتلال الاسرائيلي.

          و بما أن الشيء بالشيء يذكر فان للسودان أرضا اغتصبتها مصر عام 1992 في منطقة حلايب، ذلك المثلث الحدودي بأقصى الشمال الشرقي للسودان، بمحاذاة البحر الأحمر، الذي تقطنه قبائل البشارين و الهدندوة السودانية مائة بالمائة. و لكن هذه القضية الواضحة المعالم سرعان ما دخلت في دنيا المزايدات السياسية بين النظامين الحاكمين في مصر و السودان، فما أن يطالب بها النظام السوداني حتى تبدي مصر تعاطفا مع المعارضة و تفتح لها أبواب مصر المؤمّنة، و ما أن يتأدب الأول و يصمت عن الحديث المباح و يترك حلايب لربها  و أرابيبها الجدد، حتى توصد المخابرات ما أتاحته من أبواب للمعارضة السودانية و تدعوها للصلح مع نظام الخرطوم، فالصلح خير، و في هذا الأثناء تمارس حقوق السيادة على حلايب، مثل التعداد و الانتخابات، و تمنع الحكومة السودانية من التهويب ناحيتها، و آخر آيات المنع كان الاحصاء السكاني الذي تم بالسودان في الشهر المنصرم؛  فقد منعت فرق الاحصاء من الدخول لمنطقة حلايب، و لما أثار مواطنو شرق السودان هذا الموضوع مع الدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ابان زيارته الأخيرة  لجامعة بورتسودان قال لهم: (  ان حكومة الانقاذ ليست مستعدة لخوض حرب مع مصر من أجل حلايب .. و من أراد منكم أن يستردها فليتفضل و يتقحّم تلك المنطقة الوعرة .. فنحن، أي قوم الجبهة الاسلامية،  لن تتكبد هاتيك المشاق نيابة عنكم بينما أنتم تجلسون بكافتيريات الجامعة و تلتهمون الآيسكريم.)

          و كعادة جماعة الانقاذ، فان الدكتور نافع رد على وضع افتراضي لا وجود له في أرض الواقع، و هو النشوب الفوري للحرب بين البلدين بمجرد اثارة موضوع حلايب. و يتجنب المسؤول السوداني السؤال الأهم و هو: ماذا عن الاجراءات القانونية السلمية الهادئة، مثل محكمة العدل الدولية بلاهاي و مجلس الأمن الدولي بنيويورك؟! هل يا ترى انبطح المسؤول السوداني أمام التهديدات الاعلامية المصرية و الاشاعات التي تتحدث عن  تدريبات الجيش المصري منذ عام 1992 على سيناريو واحد يتكرر على الدوام، يتعلق بكيفية التصدي لجيش معاد قادم من الجنوب لاسترداد قطعة أرض صحراوية على الحدود الجنوبية الشرقية لمصر؟ على كل حال، فان أي انسان لديه جنان ثابت و ذاكرة متوسطة يدرك أن مصر لن تغامر بحرب مع السودان من أجل  هذا المثلث التعيس، رغم أن مطامعها قديمة و متجذّرة و مجللة بسبق الاصرار و الترصد، فقد دخلته القوات المصرية أيام الراحل جمال عبد الناصر عام 1957 بعد عام على استقلال السودان، كرد فعل على خيانة الاحزاب الاتحادية السودانية للنظام المصري باتفاقهم مع حزب الأمة لاعلان الاستقلال من داخل البرلمان، قبل عرضه على استفتاء شعبي نصت عليه اتفاقية القاهرة 1952 بين دولتي الحكم الثنائي بريطانيا و مصر. و كان الاتحاديون قد خاضوا أول انتخابات أتت لهم بالأغلبية في ذلك البرلمان على أرضية من تمويل مكثف من النظام المصري بناءا على التزام الاتحاديين بالوحدة مع مصر. و صادف دخول القوات المصرية وجود حكومة حزب الامة برئاسة أمين عام الحزب، عبد الله خليل، (وهو من أصول كنزية مصرية من أسوان و لكنه حقّاني و منصف و شجاع) فتصدى لها بشراسة  و دوي هائل و استنفار  لكل السودانيين للوقوف في وجه الغزو المصري، ثم الجأر بالشكوى في المحافل الدولية. و لما أحسّ عبد الناصر بجدية السودانيين، أمر جيشه بالخروج الفوري من حلايب، و قال قولته المشهورة: ( الدم أغلى من الماء. و نحن بيننا و بين السودانيين علاقة دم و رحم، فكيف يريق أحدنا دم الآخر من أجل حفنة تراب!)

           و لمصر كذلك تاريخ حافل من تصحيح الأخطاء و معالجة الأمور بالحكمة و الصبر، ليس فقط في سيناء و طابا كما ذكر الرئيس مبارك، انما في سلسلة أخرى من المغامرات العسكرية التي تنتهي بتغليب الحكمة و رأب الصدع و رتق الفتق، و يا دار ما دخلك شر:-

ففي عام 1959 انقلب الجيش السوري على ما كانت تسمى بالجمهورية العربية المتحدة التي أسسها بالعام المنصرم جمال عبد الناصر و شكري القوتلي، و أخذت القوات المصريّة تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط نحو المرافىء السورية لقمع المرتدين، و لكن الزعيم الراحل عبد الناصر استدعاها من مشارف اللاذقية، و مرة أخرى قال قولته التي أضحت مثلا: " لن يريق الجيش المصري دماء عربية، فنحن ندخره لعدو آخر هو عدو العرب كلهم، العدو الصهيوني و من خلفه الامبريالية الغربية."

و بعد ذلك مباشرة قامت الوحدة المهببّة الأخرى مع اليمن السعيد بعد أن جاء للسلطة فيها رقيب اسمه عبد الله السلال وضع نهاية لآل حميد الدين، و لكنها وحدة فوقية بين نظامين عسكريين مهووسين بشعارات القومية  العربية الرائجة آنئذ، فقاومها الشعب اليمني و أوسع الأخوة المصريين تقتيلا  بالجملة و القطاعي كحال الجيش الأمريكي الآن في العراق، و ما كان من الراحل العظيم عبد الناصر الا أن سحب الجيش المصري مرة واحدة و ألغى تلك الوحدة.

و على أيام السادات توغّل الجيش المصري ذات صباح كئيب  من عام 1974 ( تقريبا) داخل الحدود الليبية الشرقية بمسافة تزيد على المائة ميل، متجاوزا طبرق و زاحفا باتجاه درنة و البيضا، مستهدفا آبار النفط الموجودة بالجنوب الشرقي لمحافظة بنغازي،  بدون أي مقدمات أو مببرات أو مظالم تاريخية أو أسباب منطقية للغزو، اللهم الا الغزو من أجل الغزو التوسعي كما حدث على أيام نابليون  و الامبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس و التزاحم بالمناكب Scramble for Africa  الذي بدأ منذ مؤتمر برلين عام .1815و يقال ان السبب الرئيسي لتلك الغزوة التي استشهد  بسببها عشرات الليبيين المدنيين أطفالا و نساء كان التحريض الاسرائيلي  لصرف السادات عن سيناء و شغله بعظمة  مكتنزة منفردة بالصحراء الغربية، و لايجاد منفذ لطاقات الجيش المصري الذي أثبت ثمة جدارة في حرب العبور في رمضان 1973. و لكن الدنيا أصبحت على الجيش المصري مكشوفا أمام الرأي العام العالمي و سلّطت عليه الأضواء الكاشفة، فانسحب من مشارف درنة  و بنغازي بنفس السرعة التي جاء بها.

          و المثل السائر بين أولاد الريف ( أي السودانيين من ذوي الجذور المصرية) يقول: " ألف نطة ولا واحد بعبوص". و هكذا فان النظام المصري يدرك مزايا تصحيح الأخطاء، ولا يجد عيبا في التقدّم خطوة نحو العدو أو النزول عند رغباته من أجل المصالح الوطنية و الأمن القومي، كما تدل على ذلك  رحلة السادات الى تل أبيب و مخاطبة الكينيسيت و ابرام اتفاقيات كامب ديفيد و الاعتراف باسرائيل و تبادل التمثيل الدبلوماسي معها بل و وعدها بحصة من مياه النيل (كما جاء في مذكرات بطرس بطرس غاليّ).

          و خلاصة القول فان النظام السوداني يستطيع أن يراهن على الحكمة المصرية و مقدرة الأخوة المصريين على رؤية الغابة كلها و ليس شجرة واحدة منها تحجب الرؤيا، و المصالح المشتركة بين الشعبين المصري و السوداني ذات بعد استراتيجي طويل المدى، و لو خلصت النوايا و طابت النفوس فان السودان يستطيع أن يستوعب الانفجار السكاني المصري  لا من باب المنّة والتفضل، انما لأن المليون ميل مربع تحتاج لمن يفلحها، بيد أن  مثل هذا التكامل لا يأتي قسرا أو برغم انف الشعوب و من خلف ظهرها، انما في أجواء الحرية و الشفافية و الديمقراطية الكاملة في البلدين.

           كانت النرويج مع نهاية القرن التاسع عشر تقاوم الهيمنة السويدية و ترفض الوصاية و تطالب بالحرية من جارتها الاسكندنافية الأكثر تطورا، و كان اليسار الأوروبي آنذاك يقف مع النرويج باعتبار أن الوحدة بين الشعوب لا تفرض فرضا. و بعد مرور الزمن و هدوء العواصف انفتحت الحدود بين الدولتين، رغم أن كلا منهما دولة قائمة بذاتها، لأن المستوى الاقتصادي الاجتماعي أصبح متشابها و لأن الشعوب الاسكندنافية أصبحت مستنيرة و بعيدة عن التعصب الاقليمي و الشوفيني، و صارت السويد و النرويج كأنهما بلد واحد من ناحية الاستثمار و حرية التملك و التنقل.. الخ.

          ان العلاقات المصرية السودانية مرشحة لمصير من هذا القبيل، خاصة بفعل العامل الثقافي و المزاجي، فالسودانيون عامة يحجّون الى مصر أكثر من غيرها من بلاد الله للراحة و العلاج و التمليك العقاري، و هم يستملحون النكتة و الغناء و الأدب و الدراما المصرية، والعلاقات  الثقافية موغلة في القدم، بل ان العديد من علماء الآثار و المؤرخين المحدثين، مثل البروفيسور شيك أنتا ديوب السنغالي صاحب ( الجذور الأفريقية للحضارة الانسانية)، يشيرون الى أن حضارة وادي النيل بدأت جنوبه، في منطقة كوش بشمال السودان، و انسابت شمالا مع تدفق هذا النهر العظيم، ثم أخذت ترتد و تمتد في حركة مد و جزر متواصلة عبر القرون. و اذا كان السودان في حالة جزر و انحسار فلا يجوز  اهتبال السانحة لتسجيل بعض النقاط الوهمية، فالوحدة الحقيقية لا تأتي بجيوش الاحتلال التي تداهمك في منتصف الليل كالتسونامي، انما هي المستقبل المنطقي للعلاقات المصرية السودانية.

          و لكن، الى حين اشعار آخر، فان حلايب سودانية ما في ذلك شك، رسم حدودها الحكام الانجليز مباشرة بعد دخولهم عام 1898، و وضعوا حجارة مساحتها في جوف الارض و ضمّنوها كل الخرائط التي صدرت منذ عام 1905 حتى استقلال السودان في 1/1/1956. هذا ما أثبته عالم الحدود البروفيسور فيصل عبد الرحمن على طه في مقالتين شهيرتين بصحيفة (الشرق الأوسط)   عام 1992، و هذا ما تؤكده الحقائق على الأرض، فلم يكن هنالك مصري واحد بهذه المنطقة قبل دخول الجيش المصري عام 1992، و لقد شاركت حلايب في جميع الانتخابات المحلية و الوطنية لكافة أنواع المجالس النيابية و البرلمانية السودانية، منذ الجمعية التشريعية عام 1948، مرورا بانتخابات 1953 حتى انتخابات 1986، وحق السودان في حلايب أوضح بكثير من حق تشاد في اقليم أوزو بشمالها الذي احتلته ليبيا في الثمانيات على طريقة سيدي بسيده الى أن اقتلعته منها محكمة العدل الدولية عندما حكمت لصالح تشاد.

          كل هذه الأشياء ستظهر للسطح بمجرد قيام الانتخابات القادمة و مجيء حكومة منتخبة ديمقراطيا في السودان، و لكنا نوردها لمجرد التذكير، فان الذكرى تنفع المؤمنين. و السلام.