في المحاضرة التي القاها دونالد بوث مبعوث واشنطون الى السودان في معهد السلام الامريكي قبيل مغادرته منصبه عبر عن تفاؤله تجاه ما يجري وان هناك فرصة نادرة لتغيير العلاقة بين واشنطون والخرطوم بصورة راديكالية، مضيفا ان ذلك لم يكن متوقعا قبل سنوات أربع. تعود علاقة بوث بالسودان الى أواخر عهد الرئيس السابق جعفر النميري عندما كان مسؤولا في الخارجية عن مكتب الشؤون السودانية، وتقييمه هذا يكتسب أهمية بالتالي.
رأيه هذا اضافة الى دعوات العصيان المدني، الى الرفع الجزئي للعقوبات الامريكية على السودان، الى عودة الامام الصادق المهدي، الى ما يتردد عن تصفير عداد الانقاذ وبدأ تدفق الاستثمارات الخليجية والاستعداد الى مرحلة جديدة، يبدو ان السودان قد دخل فعلا في زمان التحولات.
وهذه التحولات ليست قاصرة على السودان وأنما على المنطقة والعالم بأسرة، حيث ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية بسياساتها ومؤسساتها وأفكارها تبدو في حالة مراجعة لعجزها عن المواكبة والملاءمة لمرحلة ملمحها الاساسي السرعة وعدم الوضوح وهو ما أرجعه الكاتب توماس فريدمان في كتابة الاخير "شكرا لوصولك متأخرا" الى تداخل ثلاثة عوامل: التقدم التقني، التغير المناخي وعولمة الاسواق وتسابقها فيما بينها. ويضيف ان هناك حوالي عشرة مليارات من الاشياء أصبحت مرتبطة في عالم اليوم بالانترنيت، وان سرعة الاختراعات التقنية جعلت كل الدورة الحياتية لكل اختراع جديد تتراوح بين خمس الى سبع سنوات، الامر الذي جعل هناك تحديا مستمرا ودائما للحاق بما يجري في ميادين السياسة والادارة والاقتصاد وغيرها، التي شهدت خلخلة للانطمة الاقليمية والعالمية التي تسيدت الساحة على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان مما أدى الى انقسامات جديدة في الساحة اذ لم تعد بين يسار ويمين أو شمال وجنوب وأنما بين دول مستقرة وأخرى مضطربة.
فالاستقرار الذي ميز فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت أركانه في التصدع وبصورة أكثر وضوحا في المنطقة العربية التي تلقى النظام السائد فيها ضربة قاسية في 1990 بغزو الكويت ثم انتقلت تلك الخلخلة من العلاقات بين الدول الى داخلها عبر انفجار ثورات الربيع العربي التي وضعت على المحك شرعية الانظمة القائمة وفتحت في ذات الوقت نافذة ضخمة خرجت منها حمما في شكل اعمال عنف وهجرات تجاوزت المنطقة الى الدول الافريقية المجاورة التي تبخرت فيها احلام الاستقلال مع انسداد الافق في الحلم بحياة كريمة. وكان أن شهدت السنوات الثلاث الماضية تدفق موجات بشرية في أتجاه القارة الاوروبية أسهمت من غير قصد في تعزيز وضعية السودان الجيوستراتيجية بطريقة لم تعرفها البلاد منذ حادثة فاشودة المشهورة في 1899 حيث تواجهت بريطانيا وفرنسا في مسعى لتأمين النفوذ في تلك البقعة والسيطرة على منابع النيل. وبلغ من أهتمام بريطانيا بالامر ان بعثت بالجنرال كيتشنر بعد أيام من دحر جيوش الخليفة عبدالله بجيش قوامه 25 ألفا من الجند المسلحين لمواجهة الكابتن مارشاند الفرنسي وحتى قبل ابرام اتفاقية الحكم الثنائي التي حكم بموجبها السودان، مما يشير الى رؤية القوى الخارجية الى موقع السودان الجغرافي أكثر من اهتمامها بالبلاد نفسها، وهو ما تكرر مؤخرا بمراجعة القضايا الخمس التي وضعتها واشنطون لتخفيف عقوباتها ضد السودان فثلاثا منها تخص قضايا خارجية واثنتان ترتبطان بالداخل.
الهموم الغربية فيما يخص مكافحة الارهاب والهجرة غير الشرعية وضبط الحدود أعادت تأكيد الموقع الجيوستراتيجي للسودان كونه يحاذي سبع دول عربية وأفريقية الى جانب اطلالته على البحر الاحمر الذي يرتبط بأمن الخليج الذي يعيش في حالة مواجهة مع أيران، كما ان لديه أطول حدود تتجاوز الالفي كيلومتر مع جنوب السودان الذي يجد في السودان متنفسه الوحيد للأطلال على الاسواق العالمية وتصدير سلعته الوحيدة وهي النفط الخام عبر ميناء بشائر على البحر الاحمر، وهو ما دفع بعض العواصم الغربية الى الدخول في علاقات متنامية مع الخرطوم كما هو الحال مع انجلترا والمانيا وايطاليا والاتحاد الاوروبي.
هذا الاهتمام المتجدد بالسودان لم ينبع فقط من موقعه الاستراتيجي وأنما أيضا بسبب تجنبه مالات الربيع العربي سواء في عنفوانها أو في محاولات العصيان المدني الاخيرة التي أعتمدت على الفضاء الاسفيري بصورة أساسية. وائل غنيم، أحد رواد ثورة يناير المصرية، التي أطاحت بحسني مبارك، أوضح في محاضرة له في TED TALK انه بعد خمس سنوات من التأمل توصل الى خلاصة ان الانترنيت ليست الوسيلة المناسبة للتغيير، وعدد خمسة أسباب لذلك: الحيرة في التعامل مع الاشاعات، وان التواصل بين المجموعات يقتصر على تلك التي تتبنى نفس المواقف وان النقاش ينحدر سريعا الى جدل غوغائي، والجدل يقفز سريعا الى النهايات مع صعوبة تغيير القناعات وأخيرا فان الطريقة التي تتم بها النقاشات تجعلها أقرب الى الشعارات وبدون حوار حقيقي.
أهم من ذلك أن للسودانيين تجربتهم الثرة العملية. وفي نشيد الملحمة للفنان محمد الامين عن ثورة أكتوبر يلاحظ انه ظل يكرر ولسبع مرات مقطع "لما يطل في فجرنا ظالم" بصورة درامية مستغلا قدراته الصوتية الهائلة للتعبير عن حالة الاحباط السائدة في مالات الثورة، وهو ما تكرر بعد عقدين من الزمان في ثورة أبريل 1985 خاصة والقيادات السياسية ظلت هي نفسها التي تتسيد المشهد مع الغياب الكامل لأي طرح فكري أو سياسي جديد يمكن أن يلتف الناس حوله خاصة مع احتراق الشعارات من يسارية وأسلاموية وعروبية من خلال التجربة العملية وأسهم هذا الوضع بصورة رئيسية في تجنب السودان تجربة الربيع العربي، ويضاف الى هذا ان النظام لديه حاضنة شعبية أفضل مما توفر للأنظمة التي أقتلعها الربيع العربي في مصر وليبيا وتونس واليمن.
لكن ومع هذا الهدوء الظاهري الا ان هناك تيارات تمور تحت السطح لا يدري عنها أحد شيئا خاصة اذا اضيفت اليها حالة الحراك الاجتماعي الضخم التي تنتظم البلاد بصورة غير مسبوقة وتزايد التواصل داخليا مع العالم الخارجي عبر ثورة الاتصالات. وهذه التيارات هي التي حركت مبادرة العصيان المدني التي تعتبر رسالة الى الطبقة السياسية بحكومتها ومعارضتها المدنية منها والمسلحة عبر قيادات شابة لم تفصح عن نفسها بصورة واضحة ولو ان هناك اشارات على انها تضم أيضا مجموعات من شباب الاسلاميين ممن أصيبوا بخيبة أمل في الطريقة التي تدار بها الامور وعدم أنفتاح نوافذ للاصلاح رغم المذكرات العديدة التي رفعت من قبل وعرف من بينها مذكرة الالف أخ والسائحون وغيرها.
ولهذا يبدو المشهد السياسي الداخلي مهيئا لعملية تغيير يمكن أن تحدث نقلة نوعية فيما اذا صدقت التصريحات الاخيرة للرئيس عمر البشير انه دستوريا لا يمكنه الترشيح مرة أخرى، وهو ما يستدعي ما نقل عنه مرة انه سيكون أخر المغادرين في برنامج التغيير الذي طال قيادات من الوزن الثقيل من قبل. ونفس الشيء ينطبق على زعيم حزب الامة الصادق المهدي الذي أعلن عقب عودته انه لن يترشح مرة أخرى وعلى الحزب الاعداد لمؤتمر عام هذا العام لأعادة تأسيس جديدة للحزب.
المهدي يعتبر أخر وجوه ثورة أكتوبر الشعبية وتقليص دوره في العمل السياسي المباشر مؤشر على نهاية مرحلة أمتدت لآكثر من نصف قرن من الزمان، وهي المرحلة التي بلغت ذروتها بأنقلاب الحركة الاسلامية وسيطرتها على مفاصل الدولة كأطول فترة حكم في تاريخ البلاد لكن بثمن باهظ القى بظلاله على الحركة نفسها فكرا وقيادات وممارسة، الامر الذي سيضعها في مواجهة أمتحان وجودي عصيب متى فقدت السلطة، لكن من الناحية فأن هذه التطورات تسهم في تهيئة الملعب السياسي الى تطورات جديدة يمكن أن تنحو منحى أيجابيا فيما اذا تعاملت القوى السياسة مع هذه المتغيرات بأفاق رحبة مستصحبة تجربة البلاد الثرية مع شيء من المرونة بأمل انفاذ التحول بطريقة متدرجة تفتح الباب أمام ربيع سوداني للتبادل السلمي للسلطة وفق قاعدة للشرعية ظل السودان يعاني من غيابها طوال تاريخه دولة مستقلة.
(غدا: وداعا للسلاح؟)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.