سيرة شيخ بابكر بدري الذاتية: "تاريخ حياتي"  (1 -2)

Shaykh Babiker Badri's Autobiography: Tarikh Hayati

نصر الحاج علي

عرض وتلخيص بدر الدين حامد الهاشمي
هذا عرض مختصر لمقال للأستاذ نصر الحاج علي عن سيرة الشيخ بابكر بدري الذاتية، والتي سجلها في سفره المشهور "تاريخ حياتي". نشر المقال باللغة الانجليزية في عام 1967م في مجلة "السودان في رسائل ومدونات". يتناول المقال تاريخ كتاب "تاريخ حياتي"، ذلك الكتاب الذي عده الدكتور منصور خالد (وآخرون) أصدق سيرة ذاتية خطها يراع سوداني،  وعده الأستاذ كمال الجزولي في مقال نشر في سودانايل "مرجعاً معيارياً في ما يتصل بكتابة المذكرات" وكتب عنه الأستاذ علي يس الكنزي في مقال له بسودان نايل أيضا ما نصه:"....فمؤلفه .... رجل حاد الذكاء والدهاء والحيلة. والحيلةُ هنا أرمي بها لحدة ذكائه في علاج الأمور وقدرته على التصرُّف الحكيم، وليس لمعناها المعروف بين العامة. والقارئ لكتاب شيخنا يجد أنه يمتلك الحيلة في معالجة الأمور الشائكة وإيجاد الحلول لها بسرعة تذهل الأذهان، بغض النظر هل هي أمور تخصه في ذاته، أم تخص غيره. كما أن كتابه يتسم بتنوع المادة وغزارة المحتوى، ويعكس صورة حقيقة للأوضاع السياسة والاجتماعية والفكرية للحقبة التي عاشها. ولا يخلو كتابه من النوادر والحكم والطرائف، مما يجعلك ممسكاً بالكتاب بكلتا يديك خوفاً أن ينزلق منك ويفر".
كاتب المقال الأستاذ نصر الحاج علي (1907 – 1983م) من مواليد الدويم، ومن خريجي قسم المعلمين بكلية غوردون والجامعة الأميركية ببيروت، ومن أبكار الخريجين المؤسسين لمؤتمر الخريجين، والذي ترأسه في دورته السابعة. عمل أول مدير لجامعة الخرطوم في خمسينات القرن الماضي.
ذكر الأستاذ نصر أنه ما من اشارة أو مرجع يبين كيفية جمع مادة المذكرات، غير أنه يعتقد – معتمدا على ما ورد في الجزء الثالث من المذكرات  في صفحة 196 – بأن الكتاب قد يكون قد جمع بين ديسمبر 1949م ومارس 1954م. يذكر الكاتب أيضا أن يوسف أقرب أبناء الشيخ بابكر بدري له ومن خلفه في ادارة مدارس الأحفاد، هو من قام بإعداد الكتاب للنشر بعد نحو خمس أعوام من وفاة والده مستعينا بما خطه الشيخ من مذكرات. لا يعلم تاريخ نشر الكتاب ولكنه يرجح أن يكون قد نشر بين سبتمبر 1959 والربع الأول من السنة التالية.
لا يعرف على وجه الدقة التاريخ الذي بدأ فيه الشيخ بابكر بدري كتابة مذكراته، إذ ليس فيها ما يشير لتاريخ كتابتها، بيد أن الأستاذ نصر الحاج علي يعتقد أن الشيخ بابكر لم يشرع في كتابة تلك المذكرات في غضون سنوات الحكم التركي أو حكم المهدية، أو حتى في الربع الأول من القرن العشرين حين كان المستعمر ما زال في مرحلة توطيد أركان حكمه، وكان الشيخ بابكر بدري ما زال ليس متأكدا تماما من وضعه ومآله مع ذلك الحكم الجديد، ومن مدى النجاح الذي سوف يحققه في مستقبل أيامه. رجح الأستاذ نصر الحاج علي أن يكون الشيخ بابكر بدري قد بدأ في كتابة مذكراته في ثلاثينات القرن العشرين حين توطدت مكانته وسمعته كمعلم وموظف كبير في إدارة التعليم، وكشخصية وطنية مرموقة. لا بد أن الشيخ بابكر في الفترة التي سبقت تلك السنوات كان قد اعتمد على ذاكرته الحديدية، ولا غرو فقد اؤتي الشيخ حافظة رجل عبقري تربى على تقاليد التعليم الاسلامي المعتمدة بصورة كبيرة على الحفظ، فحفظ القرآن كاملا وهو لما يبلغ سن العشرين.          
سرد الأستاذ نصر الحاج علي طرفا من سيرة الشيخ بابكر بدري مأخوذة من مذكراته فكتب أن اسم الرجل بالكامل هو بابكر محمد ود بدري ولد حاج الصادق ولد الطيب ود بدري، وأنه من قبيلة الرباطاب الذين يقطنون منطقة  "أبو حمد" بالمديرية الشمالية. ولد الشيخ في قرية تقع على نهر أتبرا على بعد 200 ميلا جنوب "أبو حمد" في عام 1278 هجري (1864م). عقب حدوث مجاعة في قريته هاجر أهله جنوبا واستقروا في "رفاعة" حيث كفله عمه. لما بلغ السادسة من العمر بدأ دراسته في خلوة الفكي القراص، وانتقل وهو في السادسة عشر من العمر ليكمل دراسته في مسجد الفكي الإزيرق في واد مدني، والذي كانت تحتوي مكتبته على 80 مجلدا في مختلف العلوم الشرعية كلها مكتوبة بخط  يد الفكي الإزيرق. لما بلغ عمره واحد وعشرين عاما بدأ بابكر بدري يظهر بعض الاهتمام بالسياسة وأسر لبعضهم بأنه رأي محمد أحمد "المهدي" عند زيارته لرفاعة وقبل أن يعلن مهديته، وتحدث عن فساد وطغيان الحكم التركي وسوء ادارته. شارك بابكر بدري في حصار الخرطوم و انضم لجيش ود النجومي في معركته ضد جيش الحكومة في المتمة، ثم مضى شمالا حتى دنقلا، ولم يعد لأمدرمان حتى سمع بوفاة المهدي. تطوع بابكر بدري مرة أخرى للجيش الذي سيره الخليفة عبد الله بقيادة ود النجومي نحو مصر، وتم أسره قبل مقتل ود النجومي في معركة توشكي. قضى بابكر بدري عامين كأسير حرب عند عمدة دراو حيث عمل كمزارع وحرفي، ونجح في الوصول للقاهرة ومقابلة الزبير باشا هناك. تعلم الشيخ بابكر من أسفاره تلك وحروبه التي خاضها الكثير، فقد خبر الشدائد وصبر على ما لاقاه من متاعب ومصاعب من أعدائه ومن الفلاحين المصريين ومن زملائه وأمرائه أيضا. لا يشك كاتب المقال من أن تعليم بابكر بدري الديني وحدة ذكائه وشدة دهائه كانوا من أهم اسباب نجاحه في الصمود والأوبة السالمةإلى الوطن، والتي استغرقت عامين كاملين.
بعد عودته لأمدرمان عمل بابكر بدري في تجارة الصمغ والمنتجات السودانية الأخرى، والبهارات والأقمشة من جهة أخرى بين أمدرمان وسواكن والنيل الأبيض وكردفان، بيد أنه اتجه بين عامي 1896 و1898م للدراسات الدينية وعلوم اللغة العربية. وبعد هزيمة كرري في سبتمبر 1898م عاد إلى رفاعة ليؤسس لمهنته التي سيقضي في غمارها كل ما بقي له من سنوات في الحياة ألا وهي التعليم.
افتتح في فبراير من عام 1903م أول مدرسة أولية بمديرية النيل الأزرق (في رفاعة) بتشجيع من السلطات البريطانية بعد أن قضى أسبوعا (كاملا!) في التدريب في مدارس الخرطوم. علم بابكر بدري نفسه الحساب والجغرافيا وقواعد الاملاء وحسن من طرق تدريسه والتي كانت تمتاز بالأصالة والفعالية. لم يتعد راتب الشيخ بدري 2 جنيه فقط، ورغم ضآلة ذلك الراتب فقد أفلح الشيخ في افتتاح أول مدرسة للبنات في عام 1907م متحديا تثبيطا حكوميا ومعارضة شعبية قوية. تمت ترقيته إلى وظيفة مفتش في عام 1919م، ولعب بعد ذلك دورا كبيرا في اقناع الأهالي بإرسال اولادهم وبناتهم للمدرسة، وأنشأ خلاوي نموذجية في المناطق التي تعذر عليه فيها فتح مدارس. تقاعد الشيخ بدري من الخدمة الحكومية في فبراير من عام 1929م، فعاد إلى رفاعة حيث افتتح مدرسة لأحفاده في عام 1930م، ثم انتقل بالمدرسة بعد ذلك لأم درمان، حيث اصبحت أكبر وأفضل مؤسسة تعليمية خاصة في السودان.  

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////