غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

(1)

 

في واحدة من رسائله الى على أبوسن قال المجذوب: (أنا أزعم بأن سبب الفوضى في السودان هو جهل الناس بالتاريخ، وقد زاد جهلهم به حين كتب عنه شبيكة)، "المجذوب والذكريات: أحاديث الأدب والسياسة، الجزء الاول - ص ١٨٢". وأحسب أن صاحب "الشرافة والهجرة" لم يقصد بعبارته تلك التطفيف من أعمال المؤرخ الكبير مكي شبيكة بقدر ما أراد أن يعبر عن أسفه لواقع جهل السودانيين بالتاريخ. ولكنني، خلافاً للمجذوب، ألتمس بغير كثير حذر التطفيف من قدر التصريحات التى أدلى بها أستاذنا وصديقنا ومرشحنا لرئاسة الجمهورية، الدكتور عبدالله علي إبراهيم، في محاضرته بعنوان: (الفكر والتاريخ: رؤية نقدية)، التي نظمها نادي الفكر بقاعة إتحاد المصارف السوداني بالخرطوم الأسبوع الماضي. إذ أقول مقتفياً عبارة المجذوب بأنني أخشى أن يزداد جهل الناس بالتاريخ وبأشياء أُخر، لو أنهم أصاخوا السمع لإفادات عبد الله وأخذوها مأخذ الجد.

 

(2)

 

قال الدكتور عبدالله علي إبراهيم إن الذين تدربوا على البحث من السودانيين كتبوا باللغة الإنجليزية فكانت الإنجليزية أداة تعبيرهم الفاعلة بقرينة أنها (لغة تفكير)، بينما أصبحت اللغة العربية (لغة هرج). ونعت مستوى تناول السودانيين للقضايا العامة إجمالاً نعتاً مقذعاً، كما وصف الحوارات والمناقشات المحررة باللغة العربية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، بالافتقار الى الفكر والتمحور حول ذوات الأشخاص. وربما اختلف الأمر بعض الشئ لو أن حكم الدكتور المبرم إقتصر على حياتنا الماثلة كما نحياها فى يومنا هذا، إذن لهان الأمر، ولوقفنا جميعاً، نحن جمهرة المهتمين بمدخلات ومخرجات المشهد السياسي والثقافي المكتوبة والمنطوقة باللغة العربية، متأملين مستبصرين، ومسترشدين بتوجيهات مرشحنا الرئاسي. ولكن الدكتور يرى، ويا للهول، أن أحكامه تنسحب ليس فقط على الحال الراهن، بل انها تنسحب أيضاً إنسحاباً كلياً جامعاً على الواقع السياسي والثقافي السوداني على مدى نصف القرن المنصرم من عمر السودان. يقول عبد الله على إبراهيم يصف حال  الكتابة السياسية والثقافية على طول الخمسين عاماً الممتدة من ستينات القرن العشرين وحتى اليوم:(إذا قرأت أية نظرية أياً كانت اجتماعية، سياسية، اقتصادية، إسلامية.. الخ، لا بد أن تجد انها تبدأ ببيت شعر. وفي رأيي يجب أن يُباد ذلك لأن فيه قدراً كبيراً من عدم المسئولية. يجب أن ننتقل الى النثر. وإذا نظرنا الى المبارزات التي كانت تقع بين المتحاورين منذ صلاح أحمد إبراهيم وعمر مصطفى المكي في الستينات وصولاً الى البطل [ ود. عبد الله حمدنا الله وفتحي الضو] اليوم، نجد أن الأفكار تجسدت في شخص ولم تستقل عن هؤلاء الأشخاص، وأصبحت تناقش وكأنها مبارزة وليست بهدف تفتيح الأفق وتوسيعه، وإنما هو الصراع من أجل الصراع ومن أجل أن يصبح البطلان كراقصي الكمبلا). لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. منذ صلاح أحمد ابراهيم وعمر مصطفى المكي في ستينات القرن الماضي وحتى اليوم لم يشهد السودان حوارات فكرية حقيقية تؤدي إلى توسيع المدارك وإشاعة الوعي وتفتيح الأفق، وإنما فقط مبارزات وهمية وصراعات شخصية بين راقصي كمبلا. ما أتعسنا إذن وما أشقانا.

  

أول ما بدا لي بعد قراءة ملخص محاضرة عبدلله هو أن أشرع في استدعاء بعض شواهد التاريخ المعاصر من سجالات ومناظرات وحوارات بين عديد من القمم والرموز والشخصيات الفكرية والسياسية والأدبية الساطعة على توالي العقود المنصرمة والتي أنتجت زخماً فكرياً وثقافياً مهولاً، انداح سيالاً مدراراً على توالي الحقب من التلال السوامق الى السفوح الشعبية. تواردت على ذهني ما قرأت من مسطورات السجالات بين الشهيدين عبد الخالق محجوب والأستاذ محمود محمد طه، والتي نافح فيها الأخير عن آرائه الناقدة للفكر الماركسى وطرح فيها عبد الخالق رؤاه للقيم العدلية في الفكر الاشتراكي وسموه بالإنسان في كل مراقي الحياة. والسجالات بين الأستاذ محمود والدكتور حسن الترابي والتي اجتمعت مادتها في كتابين هما (أضواء على المشكلة الدستورية) و(زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان الثقافة الغربية، وفي ميزان الإسلام). والحوارات الشهيرة بين الرموز الصحافية والقانونية حول المساواة بين القضاء المدني والقضاء الشرعي، والتي تولى كبرها الدكتور سعيد محمد أحمد المهدي والأستاذ بشير محمد سعيد في مواجهة قيادات سياسية كإسماعيل الأزهري وخضر حمد. والمناظرات الفكرية والسياسية والقانونية الخصيبة حول قضية حل الحزب الشيوعي السوداني، بين الدكتور حسن الترابي والدكتور محمد إبراهيم خليل من ناحية، وعبد الخالق محجوب ومحمد إبراهيم نقد من جانب آخر. وسجالات عضو البرلمان المهندس حسن بابكر وآرائه الجريئة في مواجهة معارضيه بشأن ذات قضية حل الحزب الشيوعي. وحوارات الدكتور محمود برات والأستاذ مالك بدري مع مخالفيهم من الإسلاميين في شأن مناهج التوجيه الفكري والعملي في قيادة الحركة الإسلامية. والسجالات بين السيد الصادق المهدي وعدد من كتاب اليسار حول دعوة المهدي لنموذج (الإشتراكية السودانية) التي ترفض الصراع الطبقي، والتي احتج من خلالها المحاورون من اليسار بأن الاشتراكية لا جنسية لها، وأن الصراع الطبقي حقيقة واقعية يقر بها المفكرون الليبراليون قبل غيرهم، وان ماركس لم يأت بنظرية الصراع الطبقي كما يسود الاعتقاد، وإنما أتى بها المفكر الليبرالي فايداماير. وتحفظ الأضابير بطبيعة الحال مساجلات أحمد سليمان، فى طبعته الشيوعية، مع  قادة حزبه من فوق منبر صحيفة (الأيام) والتي طرح فيها أفكاره الانقلابية علانيةً.

  

ولئن انحسر الحوار الحر خلال سنوات الشمولية المايوية فلم تسع الساحة حوارات ديمقراطية مفتوحة، فإن هناك استثناءات ذات مغزى من بينها المجابهات الجريئة التي حملتها جريدة الصحافة بين الوزير مرتضى أحمد إبراهيم والصحافي أحمد علي بقادي، والحوارات بين العميد (م) مزمل سلمان غندور وآخرين. فضلاً عن سلسلة مقالات الدكتور منصور خالد والتي تصدى لها بالرد بعض رموز الحكم آنذاك كالدكتور إسماعيل الحاج موسى، بل وتصدى لها الرئيس الراحل نفسه من خلال خطب لقاء المكاشفة الشهرية التي كان يصوغها مستشاره الإعلامي محمد محجوب سليمان. كما شهدت حقبة الديمقراطية الثالثة حوارات ثرة حول عدد من القضايا الحيوية كالحوار بين السيد الصادق المهدي والسياسي الجنوبي بونا ملوال. والغريب أن ذات الحقبة كانت قد شهدت مساجلات حية على صفحات الصحف بين الدكتور عبد الله على إبراهيم نفسه والدكتورين عشاري محمد محمود وسليمان بلدو حول تقرير مذبحة الضعين والذي استبسل فيه الدكتوران في الدفاع عن  تقريرهما في مواجهة زعم عبد الله بأن التقرير عملٌ سياسي منحاز يفتقر الى الموضوعية كما جرت حوارات أخرى لاحقاً في منتصف التسعينات بين السيد الصادق المهدي والراحل جون قرنق بشأن دور حزب الأمة في تعميق وتعقيد مشكلة الجنوب والتي نشرت رسائلها المتبادلة في كتاب. وفي غياب صحافة حرة في غالب سنوات العهد الانقاذى فقد شهدت قيمة الحوار ضموراً مشهوداً، وذلك حتى ضاقت محافل الاسلاميين الداخلية بنزاعات السلطة وطفا زيتها فوق سطح الماء فشهدت الساحة مناظرات سياسية شديدة الحيوية بين عدد من كادرات الحركة الإسلامية، ومثال ذلك السجال الذي أثاره كتاب "الثورة والإصلاح السياسي" للدكتور عبد الوهاب الأفندي وسال على ضفافه مداد كثيف من أقلام حركية إسلامية ذات أوزان فكرية وسياسية راجحة. ومثل ذلك أيضا المساجلات التي دارت على صفحات جريدة الصحافة بين الدكتور التجاني عبد القادر والدكتور أمين حسن عمر والتي ضمها مؤخراً كتاب (نزاع الإسلاميين في السودان، مقالات في النقد والإصلاح). وتلك التي دارت بين الناشط الديمقراطى الحاج وراق وعدد من كتّاب الإسلام السياسي. وذلك فضلاً عن عشرات المساجلات الثقافية والأدبية ومن أمثلتها المعارك النقدية حول شعر عبد الله الطيب بين محمد محمد علي والمجذوب وموضوعها ديوان عبد الله الأول (أصداء النيل) الذي زعم محمد محمد علي أن لغته متخلفة، بينما رآها المجذوب لغة شاعر مطبوع يعيش البداوة والجزالة. والحوارات بين الأديبين محمد عبد القادر كرف والشاعر محيي الدين فارس حول جدارة الشعر الحديث. والسجال الذي دار بين الأستاذ طه الكد والشاعر أبو آمنة حامد. وصولاً الى المساجلات المطولة بين الدكتور حيدر إبراهيم علي والدكتور عبد الله بولا التي بلغت تحريراً نحواً من ثمانمائة ألف كلمة وضمتها ملزمة كبرى اشتهرت في الدوائر الثقافية باسم "حوارية لاهاى". وقد عرف السودان المناظرات الأدبية من قديم العهود، حيث نشرت صحيفة (الفجر) في العام ١٩٣٥م وقائع سجال أدبي شديد الدسامة دارت وقائعه بين الأستاذ محمد أحمد محجوب الذى نافح عن استقلال الثقافة السودانية، والأستاذ حسن صبحي الذى استمسك بعروة الوحدة التاريخية بين الحضارتين السودانية والمصرية.

  

ولكن الدكتور عبد الله علي إبراهيم يرى في كل هذه النماذج التي تم تحرير حواراتها باللغة العربية (لغة الهرج) أنها لا تعدو كونها شعراً سخيفاً لا يُجسد أية محتويات فكرية، وان غرضها أصلاً لم يكن تفتيح الأفق وتوسيعه، وانها في أساسها إنما كانت صراعا لوجه الصراع، ومن أجل أن يصبح أبطالها (راقصي كمبلا)!

 

(3)

 

هل يدهشك – يا رعاك الله - هذا التعميم التقريري السلطوي المتعسف؟ هل تحيرك هذه الجرأة العشوائية في الطرح وهذه الاطلاقية في الأحكام وهي تأتي متهادية من تلقاء الدكتور عبد الله علي إبراهيم؟ لو كانت تدهشك وتحيرك فأنت وشأنك، ولكنني منذ قرأت الورقة التي كتبها الراحل الأستاذ الخاتم عدلان تعليقاً على محاضرة للدكتور عبد الله قدمها بأبي ظبي في الحادي عشر من يوليو ٢٠٠١م وأطلق خلالها في الهواء فقاعات درامية كتلك التي أطلقها في منتدى نادي الفكر بالخرطوم الأسبوع الماضي، ومنذ عرفت عن فتوحات عبد الله (الفكرية) ما عرف الخاتم، لم تعد الحيرة والدهشة تجد بغيتها عندي كلما قرأت عن الرجل وعروضه الاكروباتية.

  

كان عبد الله قد زعم في محاضرته أمام الجمع من المغتربين بأبي ظبي أن السودان الشمالي كله ينتمي الى الثقافة العربية الإسلامية انتماءً يمتنع معه التمييز بين شمالي وشمالي آخر، يسارياً أو يمينياً، حاكماً أو معارضاً، غنياً أو فقيراً، داعياً للدولة الدينية أومنادياً بالدولة العلمانية، وان كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها الحكومات المتعاقبة ديمقراطية أو شمولية في حق الوطن، بما فيها مأساة جنوبي السودان، هي في نهاية المطاف مسئولية الشمال العربي الإسلامي يتحملها كل فرد من أهل السودان الشمالي. وأن أيادينا جميعاً في السودان الشمالي ملطخة بدماء قتلى حروب الجنوب وفظائعها. وعقابنا جميعاً واحد لأننا مشتركون في نفس الجريمة وبنفس المستوى. ولذلك فإن مصلحتنا الشخصية، مصلحة كل واحد منا، هي ألا يطالب بعقاب أحد لأنه ارتكب ذنباً في الجنوب لأن العقاب سيطالنا جميعا. وان ما قامت به الجبهة الإسلامية القومية في الجنوب بعد انقلاب الإنقاذ ليس أسوأ مما قامت به الأحزاب الأخرى يمينا ويسارا وأن عذرها في ذلك هو الشفرة الثقافية المركبة فينا جميعاً (تلخيص الخاتم عدلان، ٢٠٠١). وفي تلك الورقة – وبعد أن سخّف مقولة عبدالله التى تقف معلقة فى الهواء بغير ساقين، وبيّن  زيفها وخطلها ومفارقتها للروح العلمية والقيم العدلية -  عبّر الخاتم عن اعتقاد راسخ لديه، كونه عرف عبد الله عن قرب لعهد طويل وعايشه معايشةً لصيقة شخصاً وفكراً، بأن عبد الله ( يعتمد على تكتيكات معينة في تسويق أفكاره وفي الإيحاء للآخرين من خلال هذه التكتيكات بأنه عالم كبير لا يُشق له غبار، وانه مؤلف للنصوص الكبيرة، وأنه علم من أعلام التنوير في بلادنا)، وهي، بحسب الخاتم، ( أوصاف تجانب حقيقة عبد الله مجانبة تكاد تكون كلية ). والواقع يحدثنا بلا مراء أن عبد الله يسيطر عليه وهم المقولات الذاهلة، اذ يظن أن الفرقعات الاعلامية مثل إطلاق تصريحات فاقعة الألوان فى شكل ألعاب نارية بين الفينة والفينة، ومحاولة إكسابها جلال الثقافة عن طريق القولبة الدرامية والتقعر اللغوي ، كتلك التي أشرنا إليها، تجعل منه نجما ثقافيا وعلماً فكرياً، بل انها ربما قادت خطاه يوما ما الى رئاسة الدولة فيصبح معمّرنا القذافي الجديد! ومن رأي الخاتم أن التشويش الفكري الذي يعاني منه ويصدر عنه عبد الله  ناتج عن افتقاره الى الأدوات الدقيقة التي تصنف المفاهيم وتحدد الدلالات وتزيل التناقضات. وهو ما ينتهي به دائماً الى تحليلات معطوبة ونتائج متنكبة لجادة الصواب. وليس أدل على ذلك من مزاعم عبد الله عن الشمال العربي الإسلامي التي تستند فى لبّها الى فكرة هجرتها البشرية وتركتها وراءها ظهريا وهي فكرة النقاء العرقي، وادعاءاته البلقاء – في مواجهة تاريخٍ معاش لم ترثُّّ صفحاته بعد– عن غياب أنموذج واحد لحوار لاجب ذى فكر جاد في جميع مسارح السياسة والثقافة على مدى نصف قرن من تاريخ السودان!

 

(4)

 

مهما يكن من أمر أطروحة الخاتم بشأن توهمات عبد الله وتوسله لمقام المفكر القومي بالتنطّع في التنظير والإغراب في التعبير، فإن المتابعة اللصيقة لآثاره المسطورة في الحقلين السياسي والثقافي خلال العقدين الأخيرين تؤشر الى اضطراب لا يخطئه الراصد لمواقف الرجل وتوجهاته. وقع انقلاب الحركة الإسلامية في السودان عام ١٩٨٩م والدكتور خارج لتوه من قلب حملة صحفية مستأسدة شنها ضد الجيش الجزائري الذي كان قد استولى على السلطة ليقطع طريق الحكم السياسي على الإسلاميين، تأسيساً على زعم بأنه يرفض الانقلابات العسكرية من حيث المبدأ، ولكن ما أن أذاع الانقلابيون بيانهم الأول في الخرطوم حتى سارع الى صفوفهم ينفق عليهم من شرعيته (الفكرية) بغير حساب. ونجد عبد الله في حاضره المعاش يعلن مفارقته للحزب الشيوعي ويلبس لبوس التدين السياسي، ثم نفاجأ به ينتقد الشيوعيين السودانيين على أساس أنهم ليسوا ماركسيين بما فيه الكفاية. ويكتب عبد الله كتاباً كاملاً يمجد فيه فكر الترابي الإسلاموي ويزكي تطبيقات الشريعة الإسلامية في السودان على يد القضاة الشرعيين، ولكنك تقلب صفحة الإهداء فتراه يهدي الكتاب إلى القائد الشيوعي عبد الخالق محجوب. ثم إذا به  يمسك بخناق عبد الخالق، الذي يطلق عليه صفة "أستاذنا" فيبتذل فكره على رؤوس الأشهاد. ثم يعيد البصر كرتين ليقول بأن علاقته بالحزب الشيوعى كانت عبارة عن حالة تعاقد شخصي مع عبد الخالق. ويدور عبد الله دورةً عبثيةً كاملة فيصف نفسه على حين غرة بأنه ناصري الهوى. ويعلن الرجل عن محاضرة يلقيها بعنوان (في كون السودان ليس رجل إفريقيا المريض)، ويتداعى الحضور من المهتمين بمادة المحاضرة فيعاجلهم بأنه لا محاضرة ولا يحزنون وانه إنما دعاهم ليعلنهم بخبر ترشيحه لرئاسة الجمهورية وفتحه لباب التبرعات والهبات المالية الداعمة لحملته الانتخابية. غير أنه يفاجئ ناخبيه المفترضين بأنه لا يملك برنامجاً يطرحه عليهم ولا تصوراً محدداً للحكم، وان كل ما عنده هو "رؤية " لسودان جديد. ولكننا نعلم أن حكم البلدان وسياستها لا يتصل بالرؤى وإنما بالخطط والبرامج التطبيقية التي تحيل خيالات الرؤى الى منجزات ترفل على الأرض. جميع بني وطني لهم رؤى. رؤاهم أن يتحول السودان الى جنة. وكاتب هذه الكلمات له رؤية. رؤيتي أن يشرب كل سوداني من ماء النيل وأن يتملك منزلاً من طابقين وسيارة كورولا. وعبد الله أيضاً له رؤية، ولكنه لا يملك برنامجاً ذا خصائص تطبيقية نفحصه بمقتضاه ونقوّمه على أساسه. هو يريد منا فقط أن ننتخبه وأن نُوهطه على مقعد رئيس الجمهورية، فيغيظ منصور خالد ويفقع مرارته، ويصفي معه الحساب القديم، حساب "الملتقى الفكري" الذي طرده منصور من سكرتاريته عام١٩٧٠م، فكسر شوكته وحطم كبرياءه وأحدث فى خويصة ذاته جرحا نفسيا غائرا استعصى على الزمان مداواته.

 

(5)

 

وصف عبد الله في محاضرة نادي الفكر جميع الحوارات والسجالات التي شهدها السودان خلال نصف القرن الماضي بأنها كانت صراعاً من أجل الصراع، ومبارزات تمحورت حول الشخص، وأنها تفتقر الى الفكر، وان أطرافها لم يتجاوزوا كونهم راقصي كمبلا. كيف لا واللغة العربية أصلاً، بحسب عبد الله، (لغة هرج)! عظيم. هذا رأيه وهو فيه حر. ولكن ليسمح لنا عبد الله بأن نتوجه إليه بالسؤال: وماذا بشأن مبارزته مع الدكتور منصور خالد التي ظل خلالها ممتطياً صهوة جواده عامين متصلين، دلق خلالهما حبراً لم يدلقه ابن حجر العسقلاني. هلا تكرم المفكر الكبير فدلنا على مواقع (الفكر) في تلك المبارزة التي ملأ بها الدنيا وشغل الناس؟ لا بد أن يكون هناك (فكر) أليس كذلك؟ فلا يعقل يكون ذلك العمل الضخم بدوره من قبيل رقص الكمبلا  أو (صراعاً من أجل الصراع). خاض عبد الله بنا في لجج حرب مستعرة ضد الدكتور منصور خالد بلغت ذروتها بنشره جزءاً من وثيقةٍ استخرجها من خزانة للوثائق الأمريكية باحدى المكتبات. استخدم عبد الله في المقال القصير الذي أبرز فيه وثيقته وعنوانه (منصور القوّال) عبارة (المخابرات الأمريكية) باللغة العربية أربعة عشر مرة بالتمام والكمال، وأورد مرادفها بالحروف الإنجليزية (سى آى ايه) مرة واحدة، وعبارة (عميل لإدارة من إداراتها) ويقصد المخابرات الأمريكية مرة واحدة، وكلمة (المخبر) و(المخبرون) مرتين، باجمالى يبلغ عشرين فى العدد لاستخدام ذات الالفاظ او المعانى. وزع صاحبنا العبارات توزيعاً ذكياً بين بداية المقال ومنتصفه وخاتمته. مثال ذلك: (علقت بمنصور تهمة العمالة للمخابرات الأمريكية). ثم: (وقفنا على وثائق [تثبت] أن منصور خدم المخابرات الأمريكية عام ١٩٥٣م). ثم: (لم يكن بوسع المخابرات الأمريكية أن تترك الحبل للشيوعيين على الغارب)، وهكذا. والوثيقة المشار إليها كتبها دبلوماسي أمريكي اسمه جورج سويني، ومع أن السيرة الذاتية لسويني هذا متاحة لكل من يعرف الطرقعة والغوغلة فى بطون الحواسيب، شأنها شأن السير الذاتية لغالب رجال الدبلوماسية الأمريكية الراحلين والأحياء، وتقول سيرته انه موظف فدرالى من كادرات الخدمة الدبلوماسية، ولد عام ١٩١٢م وتُوفيَ في ١٩٧٩م. ومع ذلك فإن عبدالله  لم يطرف له جفن وهو يوحى لقارئه كتابةً بأن سوينى ضابط مخابرات يتبع للسى آى ايه. مع انه يعلم أنه موظف دبلوماسى يتبع لوزارة الخارجية، تماما كما يعلم ان الجاسوسية والدبلوماسية فى الولايات المتحدة خطين متوازيين، وان بين جهازيهما وعناصرهما البشرية ما صنع الحداد. والوثيقة نفسها لا تعدو كونها مذكرة دبلوماسية وليست تقريراً استخبارياً بالمعنى الاصطلاحي، بقرينة أنها موجهة من السفارة (مكتب الاتصال) بالخرطوم الى رئاسة وزارة الخارجية الأمريكية، شأنها في ذلك شأن المئات من وثائق الخارجية الأمريكية التي تعني بتوصيف وتحليل الأحوال السياسية في السودان التي ظل الصحافي محمد علي صالح يقوم منذ زمن بعيد بنقلها من الأرشيف الأمريكي و ترجمتها الى العربية دون عجيج أو ضجيج. بل ان الاستاذ محمد على صالح، وهو خبير مخضرم ومحلل معتق للنظم والشئون الامريكية لما يقرب من اربعة  عقود من الزمان، كان قد وقع على ذات الوثيقة وقام بايرادها ضمن ترجماته على انها وثيقة كتبها دبلوماسى تابع لوزارة الخارجية وليس عميل للسى أى أيه يتبع لوكالة المخابرات. ولعل هذا ما حدا بالسوداني الأمريكى المقيم بمنطقة واشنطون عادل عثمان، أن يبادر وفي ظرف دقائق معدودة من نشر مقال عبد الله علي أحد المواقع الالكترونية الواسعة الانتشار، بكتابة وإرسال التعليق التالي: (كلام عبد الله عن عمالة منصور للمخابرات الأمريكية غريب. المخابرات الأمريكية لا تكشف أسماء عملائها، خاصة إذا كان العميل حياً ويشغل منصباً قيادياً في دولته. هذا التقرير من صميم عمل الدبلوماسيين في أي سفارة. مهمة أي دبلوماسي أن يكون على صلة بمواطني البلد الذي يعمل فيه وبالذات مثقفيه ومتعلميه وصناع الرأي من الصحفييين والكتاب والسياسيين....). وكاتب التعليق، مثل كثيرين غيره من الذين عاشوا في الولايات المتحدة لعهودٍ متطاولة، لا يجوز عليهم التخليط والهرج والتأثيرالايحائي وأشغال الاكروبات اللغوية. ولولا اننا لا نأخذ مأخذ الجد تقويم عبد الله وتصنيفه للغتين العربية والإنجليزية، لدفعنا في مقام التفسير بالزعم بأن عملية تدوير المعلومات الأصلية لدى السودانيين الأمريكيين والمحتوى التحليلي المصاحب لها، إنما يتم في المقام الأول باللغة الإنجليزية، التي يصفها عبد الله بأنها (لغة تفكير)، لا باللغة العربية التي نعتها بأنها (لغة هرج)!

  

وقد ذكرت أول ما ذكرت عند وقوفي على قنبلة عبد الله الدخانية لقائي في مايو ١٩٨٩م بصحبة الاستاذ علي الجندي، السفير بوزارة الخارجية حاليا، بالمسئول عن الشئون السودانية في وزارة الخارجية الأمريكية بمكتبه بواشنطن، وكنا يومها في زيارة للولايات المتحدة بدعوة من وزارة خارجيتها. فاجأنا الدبلوماسي الأمريكي بسؤال عن رأينا حول تقرير الدكتورين عشاري وبلدو حول أحداث الضعين، فصمّ رفيقي السفير علي الجندي فمه إذ لم يعجبه السؤال، ولكنني برغم حساسية موقعى الوظيفى (ربربت) و(بعبعت) بغير مبالاة وفصّلت رأيي الذي لم يكن كله موافقاً لموقف الحكومة السودانية. وذكرت اللقاءات العديدة التى جرت بينى وبين عدد من دبلوماسيي الولايات المتحدة بالخرطوم وتخيلت ما يمكن أن يكون هؤلاء قد قاموا بتدوينه ونسبته الى شخصي.

  

مهما يكن فإن مطالبتنا لعبد الله تظل قائمة بأن يبين لنا طبيعة المكوّن الفكري في صراع العامين الذي خاضه في مواجهة الدكتور منصور خالد ولم تحصد منه السياسة والثقافة غير الإساءات الغليظة المتعمدة لأسماء ولرموز سودانية سامقة لها تاريخها الناصع، غادر أغلبها دنيانا الى دار البقاء بعد حياة حافلة في دروب الجهاد الوطني قدمت خلالها شهد العطاء لأمتها في تجرد ونكران ذات. وذلك لمجرد أن أسماءها وردت في تقرير دبلوماسي أجنبي، كان يدون في دفتره ما يسمعه هنا وهناك من الشخصيات العامة في المحافل الرسمية والدور الخاصة، شأنه شأن غيره من أهل مهنته. شخصيات في قامة الأكاديمي والعالم الاقتصادي البارز سعد الدين فوزي، والقائد العمالي الوطني والصحافي الفذ فضل بشير، والإعلامي العملاق محمد خير البدوي مدّ الله في عمره، والقائد العسكري المثالى الأميرالاي عثمان حسين والإداري المحنك عبد القادر يوسف، والسفير المتميز وأحد مؤسسي وزارة الخارجية يوسف مصطفى التني، والأستاذ الجامعي والمربي الفاضل محمد خليل جبارة. وغيرهم من الأخيار ممن لم يبال عبد الله بتلطيخ ثيابهم بالوحل خدمةً لمآربه الذاتية القريبة، وسعياً لتصفية حسابات شخصية مع رئيسٍ له في عملٍ عام، لم يُعجبه أداؤه ولم يقبل رؤاه لادارة العمل فألزمه بالاستقالة، واستأجر بدلاً عنه من رآه قوياً أميناً وجديراً بالمسئولية.

 

(6)

 

رحم الله الخاتم عدلان القائل: (يعتمد عبد الله على تكتيكات معينة في تسويق أفكاره وفي الإيحاء للآخرين من خلال هذه التكتيكات بأنه عالمٌ كبير لا يشق له غبار، وانه مؤلف للنصوص الكبيرة، وأنه علم من أعلام التنوير في بلادنا). أترى أن منصور كان قد وقف على ربوة ذات القناعة فاستنكف أن يدخل إلى الحلبة ليرقص – مع عبدالله - الكمبلا؟

   

نقلا عن صحيفة ( الاحداث )

  

مقالات سابقة:

 http://www.sudanile.com/arabic/index.php?option=com_content&view=category&id=61:2008-12-04-08-34-48&Itemid=55&layout=default