عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
معرفة وفهم هويتنا تتطلب فهاً واعياً لتراثنا ولتاريخنا، ولما كان فهمنا لكثيرٍ من أحداث تاريخنا فهماً مضطرباً لاستناده على معلومات وأحداث غير موثوق بمصداقيتها أتى وعينا بهويتنا مضطرباً. فهنالك الكثير من المسلمات ذات الأثر الكبير على تاريخنا يسودها الاضطراب وتتطلب المراجعة والتصحيح وإعادة التفسير. ومن بين تلك المسلمات ما كتبه المؤرخ الكبير ابن خلدون عن تكاثرقبيلة جهينة وتغلبها على النوبة وإزالة ملكهم. وقد ناقشت هذه المسلمة في موضوع نشر في مجلة الدراسات السودانية التي يصدرها معهد الدراسات الافريقية والآسوية بجامعة الخرطوم، المجلد الخامس عشر أكتوبر 2009 يعالج هذا الموضوع. وقد رأيت إعادة نشره هنا لقراء سودانايل وللاستفادة من تعليقاتهم.  
قبيلة جهينة: هل تكاثرت وتغلبت على النوبة وأزالت ملكهم كما روى ابن خلدون، أم كانت
غائبة تماما عن تلك الأحداث؟


تهدف هذه الدراسة إلى مراجعة ما كتبه ابن خلدون عن استقرار وتجول قبيلة جهينة في مصر وعلاقاتها بالنوبة والبجة مثل قوله: "ملؤا تلك القفار وغلبوا النوبة على مواطنهم وملكهم، وزاحموا الحبشة في بلادهم..... وذهب ملوك النوبة إلى مدافعتهم فعجزوا... فتمزق ملكهم واستولى اعراب جهينة على بلادهم ... ولم يبق لبلادهم رسم للملك وانما هم الآن رجالة بادية." وتفترض الدراسة أن معلومات ابن خلدون عن النوبة غير دقيقة وجاءت أحكامه عامة في بعض الأحيان وتفتقد المصداقية.أحياناً أخرى. وتسعى الدراسة إلى إثبات ذلك عن طريق مراجعة ما كتبه ابن خلدون مع ما ورد عن النوبة في المصادر العربية المعاصرة، ولم تستخدم الدراسة ما ورد عن قبيلة جهينة في المخطوطات والتراث المحلي لأن الدراسة تعالج فترة سابقة لظهر ذلك التراث.
 
قبيلة جهينة
جهينة قبيلة كبيرة لها فروع كثيرة وهي من أشهر فروع قضاعة اليمنية التي دخلت مصر بعد الاسلام. وكانت قبيلة جهينة مقيدة ضمن أهل الراية في ديوان الفسطاط منذ عصر عمرو بن العاص. ثم انفصلت  لتدون مع قبيلة بَلي عام 102 هـ/ 720م تحت قضاعة. وبعد وقف دفع العطاء لقبائل العرب في عصر الخليفة العباسى المعتصم 217 -227هـ/833-842م استقرت جهينة في مناطق الاشمونيين وأسيوط بصعيد مصر.

وفي القرن الرابع الهجري (10 م) أنزل الفاطميون القرشيين في مدينة أشمون على النيل بين المنيا وأسيوط بجوار جهينة فاستقروا بها حتى أصبحت أشمون تعرف بديار قريش. ويبدو أن عدد قريش قد تكاثر بالصعيد ودخلوا في منازعات مع قبيلة جهينة فخرجت جهينة من أشمون للقرشيين واستقرت بجوار بلي في منطقة أخميم علي النيل. وذكرت المصادر أنه كانت هنالك بعض الخلافات والعداء بين قبيلتي بلي وجهينة  حتى دخول القرشيين، فاتفقت القبيلتان واستقرتا جنوب الأشمونيين.

وقد وضح المقريزي في كتابه "البيان والاعراب" الاتفاق الذي تم بين جهينة وبَلي في الاستقرار جنوب الأشمونيين كما يلى: "ثم اتفقت هي [بلي] وجهينة فصار لبلي من جسر سوهاج غرباً إلى قريب من غرب قمولة، وصار لها من الشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب"  ووضح عبد المجيد عابدين أن قاو الخراب من البلدان المندرسة في مركز البداري بمديرية أسيوط.  
 
وبناءً على هذا فإن  نصيب قبيلة جهينة قد امتد في شرقي  النيل حتى عيذاب وليس كما ذكر ماكمايكل – ونقل عنه مصطفى مسعد - أنه بعد الصلح بين بلي وجهينة استقرت بلي في المنطقة الواقعة بين مصر وميناء عيذاب . ولم يوضح ماكمايكل مصدره، وقد أشار في الحاشية إلي خطط المقريزي ولكنني لم أعثر على النص في الخطط. ونزح جماعة منهم في وقت مبكر إلى أرض المعدن في نهاية القرن الثالث الهجري.  
 
 وقد أشار القلقشندي إلى الاتفاق الذي تم بين بلي وجهينة في أكثر من مكان. جاء في المكان الأول ما يلي:
 "كانت جهينة بالأشمونين جيراناً مع قريش كما هم بالحجاز، فوقع بينهم واقع أدّى إلى دوام الفتنة، فلما أتى العسكر المصري لإنجاد قريش على جهينة خافت بليّ فانهزمت إلى أعلى الصعيد، إلى أن أُديلت قريش وملكت أماكن جهينة، ثم حصل بينهم جميعاً الصلح على مساكنهم التي هم بها الآن، وزالت الشحناء من بينهم، ثم اتفقت جهينة وبليّ على أن يكون لجهينة من المشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب. ولبليّ من جسر سوهاج إلى قريب من قمولة."

وجاء في المكان الثاني عن قبيلة جهينة:
"قال الحمداني (ت670هـ/1271م) وهم أكثر عرب الصعيد في الديار المصرية، ولهم بلاد منفلوط واسيوط. قال: وكانت مساكنهم في بلاد قريش يعني الأشمونيين فأخرجتهم قريش بمساعة الخلفاء الفاطميين فصاروا إلى بلاد اخميم اعلاها واسفلها. قال: ويروى أن بليا وبطونها كانت بهذه الديار، وجهينة بالأشمونيين جيراناً بمصر كما هم بالحجاز، فوقع بينهم واقع أدى إلى دوام الفتنة فلما أتى العسكر المصري لإنجاد قريش على جهينة خافت بلي فانهزمت إلى أعلى الصعيد إلى أن أديلت قريش ببلاد الأشمونيين وجهينة ببلاد اخميم فزالت الشحناء من بينهم."  وذكر القلقشندي عن بَلي: "وديارهم اخميم وما تحتها، قال: واتفقوا هم وجهينة فصار لبلي من جسر سوهاج إلى قمولة، وصار لها من الشرق من عقبة قار الخراب إلى عيدان"

فالنص الأول  جعل المنطقة الشرقية حتى صحراء عيذاب من نصيب  قبيلة جهينة وليست من نصيب قبيلة بلي. والنص الثاني جعل بلي تتراجع جنوباً على النيل وليس شرقاً في الصحراء. وهذا نفسه ما ورد في النص الأول الذي فسر فيه أعلى الصعيد "من جسر سوهاج إلى قريب من قمولة." بينما حدد النص الثالث منطقة جهينة مختلفةً عما سبق. فقد "صار لها من الشرق من عقبة قار الخراب إلى عيدان" فإذا قبلنا أن "قار الخراب" بحرف الراء في "قار" تحريف بسيط لقاو الخراب، من الممكن الوقوف قليلاً مع "عيدان" التي وردت في النص في مكان عيذاب.  

ويبدو محتملاً أن لا يكون ميناء عيذاب هو الاسم الصحيح في أصل الاتفاق. لأن المنطقة ما بين النيل وصحراء عيذاب منطقة واسعة وليست ملكاً أو تحت دائرة نفوذ قبيلتي بلي وجهينة ليحددا مصيرها ويجعلانها مقرا أو منتجعاً لقبيلة جهينة فقط، فهذا شىء لا يملكانه. وفي واقع الأمر فقد كان بعض أفراد قبيلة جهينة يتجول في صحراء عيذاب أو الصحراء الشرقية إلى جانب بعض أفراد القبائل الأخرى فقد ورد تواجد جهينة في الصحراء شرقى النيل كما يتضح من نص ابن بطوطة الذي مرّ بالمنطقة عام 732هـ/1333 م.

"ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب، فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير وسافرنا منه في البر مع  البجاة. ووردنا ماء كثيرة النعام والغزلان، فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة. ووردنا ماء يعرف بمفرور، وماء يعرف بالجديد. ونفذ زادنا فاشترينا من قوم من  البجاة وجدناهم بالفلاة أغناماً وتزودنا لحومها ورأيت بهذه الفلاة صبياً من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن  البجاة أسروه، وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعاماً… وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير، وصلنا إلى عيذاب ... واكترينا الجمال وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم …ووصلنا إلى قرية العطواني، وهي على ضفة النيل، مقابلة لمدينة إدفو من الصعيد الأعلى."  
 
يتضح من النص أن سلطة البجة كانت قوية ومستقرة لدرجة كانت القبائل العربية المتجولة في المنطقة مثل قبيلة جهينة وبني كاهل تحت حكمهم.كان البجة يسيطرون ويحمون طرق التجارة من حاضرتهم مدينة سواكن والمناطق الواقعة إلى الجنوب والشمال منها. ويبدو أن أمراء مكة وجدة - سعياً وراء استقرار أمن وسلامة الطرق التجارية - قد تصاهروا مع البجة. فقد كان سلطان جزيرة سواكن كما ذكر ابن بطوطة حين وصلها: "الشريف زيد بن أبي نمي، وأبوه أمير مكة، وأخواه أميراها بعده ... وصارت إليه من قبل  البجاة، فإنهم أخواله ومعه عسكر من  البجاة، وبني كاهل وعرب جهينة" وكان اختلاط أولاد كاهل بالبجة قويا بحيث أصبحوا يتحدثون لغة البجة كما قال ابن بطوطة "بني كاهل، مختلطين بالبجاة، عارفين بلسانهم"  

فابن بطوطه في تجواله من جنوب سواكن وحتى مدينة ادفو علي النيل في صعيد مصر وجد جهينة وبني كاهل فقط في مناطق البجة، واكترى جمالاً من عرب دغيم ليصل إلى ادفو. وذكر ابن الفرات (ت 807هـ/1405 م) في كتابه في حوادث سنة 680 هـ/1282م أن عربان جهينة ورفاعة تقاتلوا في صحراء عيذاب فكتب السلطان الظاهر بيبرس إلى حاكم أسوان ليصلح بينهم من أجل سلامة الطريق.   وهكذا كانت الصحراء الشرقية موطناً لجهينة وبني كاهل وعرب دغيم ورفاعة ولم تهيمن جهينة وحدها على المنطقة، بل كان الوجود الكبير لجهينة على النيل فى الصعيد أكثر منه في الصحراء الشرقية.

 وبنو كاهل كما ذكر القلقشدي فرعين قحطانية وعدنانية. فبنوكاهل القحطانية من قضاعة والعدنانية من بني اسد من خذيمة.  ولم يوضح أماكن تواجد كل منهما في مصر الأمر الذي يصعب معه تحديد إشارة ابن بطوطة. ويبدو أن نفوذ عرب دغيم كان قوياً في الصحراء ما بين عيذاب وادفو (جنوب الأقصر). ولم تشر إلمصادر إلى وجود عرب دغيم في مصر، كما لم ترد في كتب نسب القبائل العربية المبكرة، ولكن ذكر اسمهم مقترناً برآسة عشائر العقيلات والرواشدة بالعراق.  
 
 أما رفاعة التي كانت في مصر فمجموعتان إحداهما عدنانية والأخرى قحطانية. فالقحطانييون هم عند السيوطي من جهينة ولم يذكر أماكن تواجدهم في مصر. وذكر القلقشندئ إنهم بطن من بني عامر ويسكنون منطقة أخميم، وكذلك بطن من بني هلال ورفاعة الأخرى من جذام القحطانيين ومساكنهم في الوجه البحري.   وهكذا كان تواجد قبيلة جهينة في صعيد مصرعلى النيل بجوار بلي والقرشيين، وفي الصحراء الشرقية مع بني كاهل ودغيم ورفاعة ويبدو أن عددهم كان قليلاً لأنهم كانوا تحت طاعة البجة.
نصوص ابن خلدون عن جهينة
أورد ابن خلدون بعض المعلومات عن قبيلة جهينة يبدو فيها الكثير من الخلل والاضطراب، وربما رجع السبب في ذلك إلى بعض الأخطاء فى النقل، أو سقوط بعض أجزاء النصوص من نسخة إلى أخرى. وربما رجع السبب أيضا إلي بعض أحكام ابن خلدون العامة عن النوبة وتوحي بأن معرفة ابن خلدون بما جرى في المنطقة لم تكن دقيقية، مع العلم بأنه حضر لمصر عام 784 هـ/1382 م ويكون بذلك على عهد قبريب بالكثير من الأحداث الهامة التي صاحبت وأعقبت إسلام ملوك المقرة فقد توفي في مصر عام 808 هـ/1406م.

ذكر ابن خلدون أن قبيلة جهينة كانت لا تزال موجودةً  في الجزيرة العربية على سواحل البحر الأحمر الشرقية حتى عصره حيث قال: "فجهينة ما بين الينبع ويثرب إلى الآن في متسع من برية الحجاز وفى شماليهم إلى عقبة ايلة مواطن بلى وكلاهما على العدوة الشرقية من بحر القلزم." ثم أضاف إنهم عبروا إلى الضفة الغربية بأعدادٍ كبيرة وخاضوا حروباً كثيرة استمرت حتى عصره، فقد قال:" وأجاز منهم أمم إلى العدوة الغربية وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هنالك سائر الامم وغلبوا على بلاد النوبة وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم وحاربوا الحبشة فأرهقوهم إلى هذا العهد "    

ولم يوضح ابن خلدون متى عبرت جهينة البحر إلي الضفة الغربية للبحر الأحمر. وقد يفهم من النص أن ذلك العبور كان في عصر ابن خلدون لأنه ربط بين وجود القبيلة في شرق البحر الأحمر وانتشارها بين صعيد مصر والحبشة، وكيف أنهم كانوا من الكثرة بحيث غلبوا جميع الأمم وفرقوا كلمة بلاد النوبة وأزالوا ملكهم!

ومن المعروف أن بَلي وجهينة عبرتا إلي مصر عند دخول العرب مصر في مرحلة الفتوحات في أول القرن الأول الهجري. ولم يذكر المؤرخون والنسابة الذين كتبوا قبل وبعد ابن خلدون عن عبور لاحق لقبيلة جهينة في القرون التالية واستقرارهم في الصحراء الشرقية والقيام بما ذكره ابن خلدون من توسعات وحروب. فليس هنالك ما يؤيد هذا النص في المصادر العربية، بل أشار ابن بطوطة الذي مر بالمنطقة في أول القرن الثامن الهجري (14م) إلى وجود جهينة مع غيرها من القبائل العربية، وقد رجحنا أن عددهم كان قليلاً لأنهم كانوا تحت طاعة البجة.

ولا أظنني بحاجة إلى التعليق على ما كتبه محمد عوض محمد عن هذا النص حيث ذكر" في عبارة ابن خلدون هذه – مع ما هو معروف عنه من دقة التعبيرما يدل دلالة صريحة على أن جهينة كانت قبيلة عظيمة تسلك في هجراتها مختلف السبل إلى صعيد مصر وإلى بلاد النوبة وإلى شرق السودان وإلى بلاد الحبشة"  فقد شكك محمد عوض قبل صفحتين من هذا التعليق في دخول قبائل جهينة إلى السودان عن طريق الشرق، ورجح أنها دخلت عن طريق الشمال الغربي او درب الأربعين أو من أي طريق في الصحراء الليبية على حسب تعبيره.

وقد نقل القلقشندي عن ابن خلدون عن أحد فروع قبيلة قضاعة ما يلي:
"العمارة الرابعة: من الموجودين من بقايا قضاعة: بهراء، بفتح الباء الموحدة، وهم: بنو بهراء بن الحافي بن قضاعة. قال في العبر: وكانت منازلهم شمالي منازل " بليّ " من الينبع إلى عقبة أيلا. ثم جاوز خلق كثير منهم بحر القلزم وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هناك وغلبوا على بلاد النوبة."  

جعل هذا النص فرع بهراء من قبيلة جهينة هو الذي قام بالحروب والهيمنة التي ذكرها ابن خلدون. ولا يوجد هذا النص فيما نقلة مسعد عن ابن خلدون في المكتبة السودانية، كما لم أعثر عليه في النسخ التي استخدمها، ولم أعثر على أي ذكر في كتاب ابن خلدون لبهراء. كما لم تشر كتب التاريخ والأنساب والرحلات لوجود هذا الفرع من قبيلة قضاعة في مصر. وعلى كل حال فإن المعنى العام للنصين يعطي قبيلة جهينة أو فرعها بهراء السيادة والهيمنة على المنطقة وهو ما لم يحدث في الواقع.

وفي مكان آخر ذكر ابن خلدون:"وبالصعيد الاعلى من اسوان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة كلهم من جهينة احدى بطون قضاعة، ملؤا تلك القفار وغلبوا النوبة على مواطنهم وملكهم، وزاحموا الحبشة في بلادهم وشاركوهم في أطرافها والذين يلون اسوان هم يعرفون بأولاد الكنـز."   

ويمثل هذا النص الاسلوب العام الذي عالج به ابن خلدون تاريخ النوبة ويلاحظ عليه :
أولاً: لم تكن كل القبائل العربية بالصعيد الاعلى من اسوان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة من جهينة كما ذكر ابن خلدون. فالقبائل التي كانت في الصحراء الشرقية كما ذكرها ابن بطوطة الذي مر بالمنطقة بعد نحو خمس عشرة عاما من نهاية حكم مملكة المقرة المسيحية  هي: بني كاهل ودغيم ورفاعة إلى جانب عرب جهينة. وذكر ابن بطوطة أن قبيلتي جهينة وبني كاهل  كانتا تحت طاعة البجة، وأن بني كاهل يتحدثون لغة البجة كما ذكرنا أعلاه . ويوضح ذلك أن النظام السياسي للبجة كان مستقراً وكانوا أقوياء يسيطرون على المنطقة ويشرفون على النشاط التجاري. ولا يستقيم هذا مع ما ذكره ابن خلدون من هيمنة جهينة على المنطقة إلى بلاد الحبشة.
 
ثانياً: ذكر ابن خلدون انّ "بالصعيد الاعلى من اسوان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة كلهم من جهينة" والقبائل العربية  التي كانت عائشة بين أسوان وبلاد النوبة هي القبائل التي اشتركت في غزو المماليك لمملكة المقرة. ولم تكن قبيلة قضاعة بينها كما ورد في كل المصادر التي تناولت ذلك الصراع. ولو كانت قبيلة قضاعة متواجدة ما بين أسوان والنوبة وبالعدد والقوة التي ذكرها ابن خلدون لكانت على رأس القبائل العربية التي صحبت جيوش المماليك في صراعها الذي استمر نحواً من أربعين سنة وانتهي باسلام ملوك المقرة في بداية القرن الثامن الهجري(14 م). وقد اتفق المؤرخون ومعهم ابن خلدون نفسه على أسماء قبائل العرب التي صحبت جيوش المماليك وهي: أولاد أبي بكر، وأولاد عمر، وأولاد شريف، وأولاد شيبان، وأولاد الكنـز، وجماعة من العربان البرلسية  وبني هلال."  وسنتناول هذه الجماعات بشيء من التفصيل لاحقاً.
 
 ثالثاً: القبائل العربية التي هيمنت على الأحداث ما بين اسوان إلي دنقلا غرباً وحتى عيذاب وسواكن شرقا بعد اسلام ملوك المقرة وحتى نهاية القرن الثامن الهجري – أي عندما كان ابن خلدون عائشا في مصر - هم أبناء الكنـز من ربيعة والعكارمة من الأنصار وبنو جعد من لخم وبنو شيبان وأولاد عمرالذين رجحنا كونهم من قضاعة وعرب الأحامدة من كنانة الكلبية، ولم تكن جهينة بين هذه القبائل.  ومن جانب آخر فإن المصادر المعاصرة لتلك الأحداث والتي كتبت عن قبيلة جهينة مثل كتب المقريزي والقلقشندي والسيوطي لم تشر إلى هيمنة أو سيطرة أو وجود  قبيلة جهينة ما بين أسوان والنوبة.  

ويضيف ابن خلدون عن انتشار جهينة في بلاد النوبة بعد هزيمة مملكة المقرة عام 716 هـ/1316 م قائلاً:
"ثم انتشرت أحياء العرب من جهينة في بلادهم واستوطنوها وملكوها وملأوها عبثاً وفسادًا، وذهب ملوك النوبة إلى مدافعتهم فعجزوا، ثم ساروا إلى مصانعتهم بالصهر فافترق ملكهم وصار لبعض أبناء جهينة من أمهاتهم على عادة الاعاجم في تمليك الاخت وابن الاخت، فتمزق ملكهم واستولى اعراب جهينة على بلادهم وليس في طريقه شئ من السياسة الملوكية للآفة التى تمنع من انقياد بعضهم إلى بعض، فصاروا شيعا لهذا العهد ولم يبق لبلادهم رسم للملك وانما هم الآن رجالة بادية يتبعون مواقع القطر شأن بوادي الاعراب، ولم يبق في بلادهم رسم للملك لما أحالته صبغة البداوة العربية من صبغتهم بالخلطة والالتحام والله غالب على أمره والله تعالى ينصر من يشاء من عباده"  
 
وكما سبق أن وضحنا فإن المصادر لم تشر قط إلى اشتراك جهينة في غزو النوبة أو مصاهرة الأسرة الحاكمة أو المشاركة في الأحداث التي تلت اسلام ملوك المقرة، بل حدث ذلك من قبيلتي بني الكنـز وهم من ربيعة وبني جعد وهم من لخم. ولم يكن لجهينة أي حضور في ذلك. يبدو واضحاً أن معلومات ابن خلدون عن الأحداث التي صاحبت انهيار مملكة المقرة جاءت مختصرة اختصاراً شديداً وتفقد  الدقة والمصداقية. ولعل أهم ما يلاحظ على هذا النص أنه خلا من دور بني الكنـز في تلك الأحداث، إذ لم يرد ذكرهم في كل ما كتبه ابن خلدون عن تلك الفترة ما عدا ذكر اسمهم ضمن العربان الذين شاركوا ني حملة 686هـ أي قبل ثلاثين سنة من الحملة التى أنهت مملكة المقرة المسيحية.

ومن المعلوم أن أبناء الكنـز قويت علاقتهم بملوك المقرة، وقد صاهر أبناء الكنـز – وليس الجهنيين – ملوك النوبة، وكانوا على رأس العربان في كل حروب المماليك ومملكة المقرة كما ذكرت المصادر. فقد شاركوا في حملة عام 674 هـ/1275م. وحملة عام 686هـ/1287م وحملة 688هـ/1289م. وفي هذه الحملة الأخيرة تقدم ملك الوبة الجيش ومعه أبناء الكنـز كما دكر النويري المقريزي " ليؤمّن أهل البلاد ... فكان العسكر إذا قدم إلى بلد خرج إليه المشائخ والأعيان وقبلوا الأرض وأخذوا الأمان وعادوا" كما اشتركوا في حملة 704هـ/1304م وحملة 716هـ/1316م.  

وقد بلغ ملك النوبة كرنبس أن السلطان محمد بن قلاون يعمل على إرسال الأمير النوبي المسلم عبد الله برشمبو ليتولى عرش النوبة، بعث إليه ابن أخته كنز الدولة بن شجاع الدين نصر ليعيّنه ملكاً إذا أراد أن يولي عرش النوبة مسلماً فاعتقل السلطلن كنز الدولة، وملك برشمبو دنقلة وحُمِل كرنبس وأخوه أبرام إلى القاهرة، وأفرج عن كنز الدولة. ولما عاد كنزالدولة أيده النوبة ضد برشمبو وقتلوه وتم تعيين كنز الدولة ملكاً. عندئذ بعث السلطان أبرام إلى النوبة ليقبض على كنز الدولة ويرسله إلى القاهرة ووعده بالافراج عن أخيه كرنبس. ولما وصل أبرام دنقلة قبض على كنز الدولة لكن أبرام  توفي قبل إرسال كنز الدولة لمصر. فاجتمع عليه النوبة وجعلوه ملكاً عليهم. وأضاف المقريزي أنه في عام 723هـ/1323م خرجت حملة لبلاد النوبة معها كرنبس ففر كنز الدولة وتولى كرنبس الملك.ولما عاد الجيش إلى القاهرة عاد كنز الدولة وحارب كرنبس واستولى على الملك.

وهكذا كانت صلة أبناء الكنـز بملوك النوبة قوية، كانوا يطمعون في تولي عرش المقرة وربما كان ذلك هو الدافع إلى مصاهرة الأسرة المالكة. وربما كان ذلك هو السبب أيضا في اشتراكهم في حملات المماليك ضد المقرة لكي يعينوهم ملوكاً، خاصة وأن بعضهم أصبح من ابناء أخوات الملوك. ويبدو أن المماليك لم يمكنوهم من الاستمرار في الحكم، فقد ذكر المقريزي قدوم رسولٍ من ملك النوبة بعد هذه الأحداث،ولكنه لم يوضح الغرض من البعثة.  ويبدو مقبولاً أن يكون هدف الزيارة مساعدة الأسرة المالكة ضد أبناء الكنـز.       
 
ولم تتعرض المصادر لأحداث العقدين اللذين تليا انهيار مملكة المقرة. ولكن ذكر ابن فضل الله العمري عن النوبة في كتابه مسالك الأبصار الذي انهاه بحوادث عام 743هـ/1342م  أي قبل وفاته بست سنوات أن "ملكها الآن مسلم من أولاد كنز الدولة."      ومن الصعب التكهن بما آلت إليه المنافسة على عرش المقرة بين الأسرة المالكة القديمة وأبناء الكنـز. كما لم يرد أيضاً أيّ ذكر لنشاط أبناء الكنـز في أحداث صعيد مصر حتى عام 753هـ/1352 م عندما استعان المماليك بأبناء الكنـز علي القضاء على بعض الاضطرابات في جنوب مصر.

غير أن السنوات التالية  شهدت توتراً في العلاقات  بين أبناء الكنـز والمماليك، وتحالف أبناء الكنـز مع العكارمة وبني جعد ضدهم. و يبدو أن هدفهم كان قطع طرق تجارة واتصالات المماليك جنوباً لأنهم أغاروا عام 767هـ/1365م على صحراء عيذاب وسواكن والواحات الداخلة واستباحوا أسوان، وكما عبر المقريزي فقد كانوا: "يقتلون وينهبون، ويخربون الدور، ويحرقون بالنار، حتى أفنوا عدة من الناس، وأسروا النساء، وفعلوا كما فعلت الفرنج بالإسكندرية."  وتوالى الصراع بين الجانبين، فقد ذكر المقريزي عددا من المواقع الحربية بينهما حتى بداية القرن التاسع الهجري.  

وقد ذكر المقريزي قدوم وفد من النوبة فيه ركن الدين كرنبس من أمراء النوبة عام 767 هـ/1365م حاملاً رسالة من ملك دنقلة. ويتضح من اسم الأمير أنه من السلالة الحاكمة النوبية وليس عربيّاً. ووضح الأمير أن ابن أخت الملك خرج عن طاعته واستنجد ببني جعد من العرب حيث قٌتِل الملك، ثم غدر ابن أخته ببني جعد مما يشير إلى أنه ليس عربيّاً. واضطربت الأوضاع فأرسل المماليك جيشاً هزم بني جعد وحلفاءهم بني الكنـز والعكارمة.  

 وفي عام 800 هـ/1397 م أي قبل وفاة ابن خلدون – الذي تحدث عن تلاشي ملك النوبة على أيدى جهينة - بثمان سنوات وصل ملك النوبة نفسه فاراً إلى القاهرة من ابن عمه طالبا المساعدة من السلطان المملوكي، وأمر السلطان والي أسوان بتقديم المساعدة إليه. ولم يذكر المقريزي ما حدث بعد ذلك. ومن غير المقبول أن يكون هذا الملك من بني الكنـز أو العكارمة القبيلتان اللتان كانتا في العقود الماضية في حروب مع المماليك. والافتراض الأقوى أن يكون هذا الملك نوبيّاً.

ويعني هذا أن مملكة النوبة كانت لا تزال موجودةً وأن الملوك النوبة ربما كانوا لا يزالون يحتفظون بملكهم حتى بداية القرن التاسع الهجري (15م). ومن المؤكد أن مملكة النوبة كانت قائمة ومستقلة عن المماليك حتى بعد وفاة ابن خلدون، فقد قال عنها القلقشندى ت 831 هـ/1445م "وهي الآن مملكة مستقلة بذاتها ولذلك أوردت مكاتبة صاحبها في جملة الملوك" ووضح أن رسم المكاتبة إلى ملكها: " صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الجليل الكبير ، الغازي، المجاهد، المؤيد، الأوحد، العضد، مجد الاسلام، زين الأنام، فخر المجاهدين، عمد الملوك والسلاطين."    

فمملكة النوبة كانت لا تزال قائمة بعد وفاة ابن خلدون في أول القرن التاسع الهجري (15م) ولها أسلوب مكاتبة كما رآه ونقله القلقشندي. وليس هنالك ما يمنع بقاء التنظيم السياسي للنوبة المسلمين على الأقل حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي لأن الآثار وضحت وجود مملكة دوتو المسيحية حتى عام 1480م (890هـ) في منطقة ابريم شمال وادي حلفا.   

وقد لاحظ مسعد ما في نص ابن خلدون من خلل وذهب إلى أن دور عرب جهينة "في إسقاط البيت الملكي النوبي غير أكيد." كما لم يقبل مسعد ما ذكره ابن خلدون من أن "عرب جهينة صبغوا النوبة بصبغة البداوة فأصبحوا رحالة يتبعون مواقع الغيث، فهذا لا يتفق وما هو معروف عن جو النوبة الجاف."  كما عبر ماكمايكل عن نفس المعنى فرجح أن ابن خلدون ربما قصد  ممالك النوبة الجنوبية عندما تحدث عن الانهيار وتمزق الملك، فقد اعتبر أن مملكة بني الكنـز كانت لا تزال قوية في الشمال.    
 
وتبقى من نص ابن خلدون الجزء المتعلق بانقطاع الجزية، وهذا أيضاً مثالاً لنصوص ابن خلدون العامة غير الدقيقة عن النوبة يقول ابن خلدون: "ثم ان أهل النوبة اجتمعوا على نشلى وقتلوه بممالاة جماعة من العرب سنة تسع عشرة  وبحثوا عن كربيس ببلد الابواب فألفوه بمصر وبلغ الخبر إلى السلطان فبعثه إلى النوبة فملكها وانقطعت الجزية باسلامهم."  
 
 اختصر ابن خلدون كل الأحداث التي تلت مقتل عبد الله برشمبو في  سطرين وقرر أن الجزية  انقطعت باسلام النوبة كما هو واضح من النص،  ولا يبدوا هذا الحكم مقبولاً، لأن أسلام الملوك لا يعني بالضرورة إسلام كل الشعب حتى تنقطع الجزية. وقد أثبتت المخلفات الآثارية وجود المسيحية في حدود مملكة المقرة إلى أوقات متأخرة امتدت حتى نهاية القرن الخامس عشر كما ذكرنا أعلاه.

وقد ذكر الرحالة أيليا شلبى أثناء مروره بمنطقة النوبة عام 1670/1671م وأشار إلى وجود كثير من المسيحيين حتى ذلك الوقت بلغ عددهم في بعض مناطق المحس ما بين أربعة إلى خمسة ألف مسيحي. وفي تعليقه على الرحلة تشكك بروفسير علي عثمان محمد صالح في تلك الأرقام ودعى إلى المزيد من العمل الآثاري في تلك المواقع للتحقق من الأمر.  وبناءاً على ذلك يكون حكم ابن خلدون عن اسلام النوبة وانقطاع الجزية باسلامهم مثل أحكامه العامة وغير الدقيقة السابقة.  

 العربان في غزو مملكة المقرة
 ورد بين أسماء القبائل العربية التي ساهمت في غزوات النوبة في عصر المماليك ما أطلقت عليه المصادر عربان الأقليم. يقول النويري أن حملة عام 686 هـ/1287م على النوبة تكونت من: "متولي الأعمال القوصية، بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية، المركزين بالأعمال القوصية، وأجناد مركز قوص، وعربان الإقليم وهم: أولاد أبي بكر، وأولاد عمر، وأولاد شريف، وأولاد شيبان، وأولاد الكنـز، وجماعة من العربان الريسية  وبني هلال."

وجاء نفس النص عند ابن الفرات وابن خلدون والمقريزي. غير أن ابن خلدون والمقريزي لم يذكرا "الأعراب الريسية" بينما ذكرهم ابن الفرات. وقد ورد اسم هؤلاء الأعراب في نسخة كتاب النويري المطبوع في مسعد "البرلسية"  ولم توضح المصادر إلى أي القبائل ينتمي أولاد بكر وأولاد عمر وأولاد شريف وأولاد شيبان والعربان الريسية أو البرلسية. والمصادر الأخرى المعاصرة لتلك الأحداث مثل مؤلفات القلقشندي وابن تغري بردي لم تذكر أسماء أولئك الأعراب المصاحبين للحملة.

وليس من السهل التعرف على تلك الجماعات العربية. فلو افترضنا أن أولاد أبي بكر هؤلاء ينتمون إلى سلالة أبي بكر الصديق الذين كانوا في الأشمونيين مع قريش نواجه بعض الصعوبات، فسلالة أبي بكر في الأشمونيين كانوا معروفين ببني طلحة وليس بأولاد أبي بكر. وإلى جانب ذلك فإن المقريزي يرى أن بني طلحة لا ينتسبون إلى أبي بكر الصديق بل إلي طلحة بن عمر التيمي. ولذلك ليس من المقبول إرجاع أولاد أبي بكر الذين شاركوا في غزو مملكة المقرة إلى أبي بكر الصديق.

ونفس الموقف يتكرر مع أولاد شريف الذين لم يرد لهم تعريف في المصادر. فقد ورد ذكر بعض الأشراف مرتبطاً بالجعافرة، ولكن وردت هذه الصفة في كل الأحوال مُعرّفة مثل أولاد الشريف حصن الدولة، ولم أعثر على أولاد شريف في المصادر المشار إليها في البحث.

 وإذا افترضنا أن أولاد عمر الذين ورد ذكرهم في الحملة المراد بهم أولاد عمر بن الخطاب الذين ورد ذكرهم ضمن قبيلة قريش في منطقة الأشمونيين، فإن هذا الافتراض لا يجد ما يسنده أيضاً لأن أولاد عمر عرفوا بالعمريين ومنهم العمري الذي حارب البجة والنوبة. هذا إلى جانب أن العمريين في عصر تلك الفتوحات كان مشكوكا في نسبهم كما قال المقريزي "وهم [العمريون] يكذبون في ذلك لأن أنسابهم لا تتصل به. وقد رأيت جماعة منهم وعرّفتهم كذبهم بطريق علمته."    

وإذا افترضنا أن أولاد عمر ينتمون إلى فرع من قبيلة هوارة يعرف بهذا الاسم وقد كانوا أمراء جرجا وما والاها كما ذكر القلقشندي، فإن هذا الافتراض لا يبدو مقبولاً أيضاً لأن هوارة أصبح لها السيادة والأغلبية في نهاية العقد الأخير من القرن الثامن الهجري أي بعد أكثر من عشر سنوات من تاريخ تلك الغزوة.

وهنالك فرضية أخرى وهي أن يكون أولاد عمر وأولاد شيبان من قبيلة قضاعة. وكما هو واضح في الشكل أدناه فإن لقضاعة ابن اسمه عمر، ولأسلم بن قضاعة ابن اسمه شيبان. فهل من الممكن أن يكون أولاد عمر وأولاد شيبان المذكورون في غزو المماليك لمملكة المقرة هما أبناء قضاعة؟      

لا أرى هذا الافتراض مقبولاً لأن عمر هو والد قبيلة بلي ذات الحضور الواضح الذي تناولته المصادر العربية منذ أيام الفتح الأولى تحت اسم قبيلة بلي، ولم ترد الإشارة إليهم تحت اسم أولاد عمر. ولذلك فمن غير المقبول أن نفترض أن ابناء عمر قصد بهم قبيلة قضاعة.كما أنه من غير المقبول أيضاً افتراض أن أبناء شيبان المذكورين في الحملات ضد مملكة المقرة هما أبنا شيبان بن أسلم بن قضاعة إخوان جهينة لأنه لم يرد ذكر لهذا الفرع في مصر منذ أيام الفتح الأولى وحتى عصر المماليك. ولذا فمن المستبعد جدّاً أن يكون بنو شيبان القضاعيون قد اشتركوا في الحروب بين المماليك ومملكة المقرة.  

وهكذا إذا استثنينا بني هلال وبني الكنـز من تلك الحروب وجدنا أنه من الصعب جدّاً التعرف على باقي العربان في جيش المماليك. ومن المقبول جدّاً أن يكونوا فروعاً صغيرة غير مشهورة من القبائل العربية أو المغربية في المنطقة. ويعني ذلك أن أغلب العربان الذين اشتركوا في الحروب ضد مملكة المقرة كانوا فئات صغيرة وقليلة العدد، ويظل التعرف عليهم تحت الدراسة والبحث. والملاحظ أن بني جعد اللخميين والعكارمة الأنصار الذين شاركوا في الأحداث بعد اسلام ملوك مملكة المقرة لم يرد ذكرهم ضمن العربان الذين شاركوا في غزو مملكة المقرة. كما لم يرد أي ذكر لقبيلة جهينة.

الخاتمة
السؤال الهام الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: لماذا جاءت مادة ابن خلدون عن النوبة مختصرة جدّاً وغير دقيقة وعامة بل وفي بعض الأحيان غير صحيحة؟ هل نتج ذلك من عدم توفر المعلومات عن أحداث بلاد النوبة؟ بالطبع لا، غابن خلدون قضى الأربعة وعشرون سنة الأخيرة من عمره في القاهرة وهي مسرح الأحداث وموطن المعلومات عن بلاد النوبة.

 السبب كما أراه هو عدم اهتمام ابن خلدون بأحداث بلاد النوبة وتاريخها، فلم يهتم بجمع المعلومات وتقصي الأخبار وهو القادر على ذلك، فجاءت أحكامه كما وصفناها. فقد تناول كل تاريخ العلاقات بين المسلمين ومصر منذ بدايتها في عصر عمرو بن العاص وحتى عصر المماليك في أقل من خمس صفحات تناول فيها قبل عصر المماليك حدثاً واحداً فقط وهو غزو توران شاه أخ صلاح الدين الأيوبي للنوبة عام  568هـ/1172م. بينما تناول معاصره ابن الفرات ست غزوات  ضد النوبة قبل غزوة طوران شاه.  
 
وكان من الممكن أن تظل تلك الأحكام العامة كغيرها من أحكام بعض الكتاب الذين كتبوا عن تاريخ النوبة بصورة مقتضبة وغير دقيقة، ولكن المشكل فيما أصدره ابن خلدون من أحكام أن المؤرخين غربيين وشرقيين بنوا عليها دراساتهم في تاريخ السودان ليس فقط في انهيار مملكة المقرة المسيحية بل امتدت آثار تفسير تلك الأحكام - غير الموثوق بها - لتفسر واقع مجتمعنا المعاصر. وأكرر هنا أنه ينبغي علينا التعامل مع نصوص ابن خلدون عن جهينة والنوبة بحذر شديد، وعدم الاستشهاد بها وضرورة مراجعة ما تم الاستشهاد به من تلك النصوص.    
 
 الهوامش