أكثرت التعاطي مع اللغة العربية في سنوات 1973-1978 التي اعتزلت الناس كادراً متخفياً في الحزب الشيوعي. كتبت باللغة طوال اليوم لجريدة الميدان ولمجلة الشيوعي ولبعض الصحف العلنية باسم مستعار. وكتبت المسرحية والتقارير والبيانات وسلسلة "كاتب الشونة" ومحاضرات التعليم الحزبي. وفي هدأة المخبأ صارت اللغة بالنسبة لي أكثر من أداة للتعبير. صارت نظاماً للتعبير أنا مجرد مستخدم طاريء له. وهو نظام يغري الإنسان بالوقوف على بدائع صنعه. واكتشفت الدكتور عبد الله الطيب في سكون ذلك المخبأ. فأدمنت تفسيره للقرآن الكريم وقرأت أكثر شعره ونثره. وكتبت أدعو لرفع إضراب المحدثين اليساريين عن قراءته وهم من كرهوا عنفه ضد أكثر عقائدهم في الشعر واللغة. وقلت لهم تأسياً بماركس لا تحاربوا هذا الذكاء التعبيري. فقد بلغ الشيخ أن أحدهم قد تخاصم مع الشاعر رلكه، الألماني، فقال له لقد حرمت نفسك من الأنس مع أذكي معاصريك.
وخرجت بهذا الحب للعربية بعد خروجي من الحزب. وبلورته في مفهوم سميته "محبين جدد للغة العربية". ولما سألني معهد الدراسات الأفريقية في 1978 أو 1979 أن أقدم محاضرة لنادية اخترت هذا المفهوم عنواناً للمحاضرة. وخلاصة المفهوم أننا ينبغي ان ننمي حباً للعربية يتجاوز حب مثقفيها التقليديين كمعلمي اللغة العربية. فهو حب مَغيظ. واعنى أنهم أحبوها استنقاذاً لها من الدونية التي حلت بها بسبب طغيان الإنجليزية. وهو حب مغيظ أيضاً لأنهم كانوا دون معلمي المواد الحديثة في الحقوق لا الواجبات. فأصبح حفاظهم عليها "حفاظ مر" على مأثرة (لا لغة) يتربص بها الاستعمار لتقويضها. وأصبحت أخطاءنا فيها كتلاميذ لا عثرات يحسنها التلاميد بل هي دور مرسوم لنا كمتفرنجة لم نخرج بعد من البيضة لهدم أم اللغات. وعليه دعوت لمحبين جدد للغة أبرياء مما عكَّر الصفو التربوي والذوقي لمعلميها وهو الاستعمار و"ضٌر" الإنجليزية.
تذكرت دعوتي تلك وقد عدت الآن إلي بعض خلوتي للغة وتعشقها. وأحزنني أنه لم ينشأ بعد ذلك الحلف الجديد من محبي العربية الجدد فحسب بل أنها كسدت في نظر أكثر حملتها من جراء جدل الهوية القائم. فقد أضحى منهم من يخجل من "عروبته" ويسمي نفسه "مستعرباً" تزلفاً لهوية أفريقية ظن أن عروبتنا قد طمستها.  وكأن العروبة "لاجيء" وغريب ديار في قارة هي في مجلس أمنائها لنحو 15 قرناً. وسقف الاستعراب مما يحول دون تذوق اللغة والفرح بها. فهو حب مغيظ آخر مثل حب معلمي اللغة العربية بوجه من الوجوه.
كنت أمس استمع للكاشف في"يوم المهرجان" وهي أغنية عربية فصيحة. وأوحى لي طربي بها وضع منهج للعربية (بيدي أو بغيري) غير تقليدي يروض الذائقة عليها ويطبعها به. مثل أن يبدأ المنهاج بأغنية الكاشف هذه ليقف الطالب على جمال عبارتها وهي على لهاة ذلك الطائر الغرد. وكثيراً ما فكرت في مخارج الكابلي ووصفتها ب"الفصيحة" التي يمكن بها تسجيل عيون الشعر العربي لينفذ للأسماع طرباً لا يقاوم.
وبينما انا سادر في تهويمتي هذه فإذا ببريدي على الشبكة يحمل لي مفاجأة عن منهاج لمحبين جدد للعربية يقول له منهاجي "يا فندي". وهو منبر يقدم عروض الشعر العربي بصورة ميسرة و"جاذبة" للصغار والكبار ليحبوا أمتهم ولغتها. وقد أطلعني عليه منشؤه الأستاذ خشان خشان بعد ما قرأ  ما كتبته عن دوباي البادية في مقدمتي لمؤلفات الطيب محمد الطيب. واختصاراً رأيته يشرح البحر المجتث (مستفعلن فاعلاتن) بقصيدة من الأخطل الصغير بغناء فيروز:
يا عاقد الحاجبين   على الجبين اللٌجين
إن كنت تقصد    قتلي قتلتني مرتين    .
 مستفعلن فاعلاتن  مستفعلن فاعلاتن  
لله دره.

عنوان الموقع:www.arood.com/vb/showthread



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.