عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


ونشرت هذه الأعمال هئية الخرطوم للنشر (الخرطوم الجديدة) وتم تدشينها بقاعة الصداقة يوم الأحد الماضي. ولن تجد في المقدمة ذكراً ل "بيت البكا" وهو كتاب جديد للمرحوم قدم له الدكتور محمد عبد الله الريح.  


الطيب محمد الطيب (1940 - 2007م): عبادة في الهرج
ظهر بيننا الطيب محمد الطيب، الباحث المُصقع في ثقافة البادية والريف العربي الإسلامي السوداني، فجأة في نحو 1965 بشعبة أبحاث السودان بكلية الآداب بجامعة الخرطوم. كنا جماعة: سيد حريز وأحمد عبد الرحيم نصر ومصطفى إبراهيم طه، وزعيمنا الدكتور يوسف فضل حسن. كنا مفتونين بـ(الفولكلور) الذي كلّفتنا الجامعة بجمعه وتبويبه ودرسه. ولم يكن أياً منا قد تخصَّص فيه فاتّسم عملنا بالتجريب والشَّغَف، وكان تاج كل ذلك شعور عميق بالزمالة. لم تكن تنعقد حلقة تسجيل مع مادح أو همباتي شاعر أو راوية تاريخ إلا وجدتنا حضوراً جميعاً نشدُّ أزر بعضنا بعضاً.
وفجأة ظهر بيننا الطيب "قاطع حبلو" من مقرن النيل ونهر العطبرا بجهة بلدة الدامر. قال إنه محب لـ(الفولكلور) وقد طلّق أشغاله كلها وقرّر التفرغ لجمع الأدب الشعبي. لا أذكر أننا سألناه عن مسيرته التعليمية، ولست متأكداً إلى يوم المسلمين هذا كم استحصل الطيب من علم المدارس. وكان واضحاً أنه رجل نيِّر ولكنه صِفْر اليدين من الشهادات. وأذكر أنه قال إنه كان مندوب أهله في المقرن في مجلس ريفي شندي الذي تَبِعت له المقرن، وقال إنه كان تاجراً أو تشّاشاً.
ولم يترك لنا الطيب باباً لمثل هذا السؤال فقد أخذنا بمحفوظاته من التراث وبأدائه بصوت طربنا له. وسعى يوسف في أروقة الجامعة يطلب له وظيفة لم تخطر على بال بيروقراطي وهي (جامع فولكلور) بأجر مجمّد قيمته 50 جنيهاً، وكان مرتب أي منا لا يتجاوز الستين. وقبلت به الجامعة. ووفرت له الشعبة عربة جيب رقمها 5 خ 8731 ومسجلاً (ريكورد) ألمانياً ماركة قروندق وسائقاً (دنقلاوياً) أنيساً هو السيد حسن خير الله، ودفتر بنزين صالح لملء تنك العربة أو شراء صفائح الوقود من أي طرف في السودان.
كانت هذه هي الفترة التي توسعت فيها حصائل الطيب من ثقافة الجماعات السودانية في الحضر والبادية، وفي العرب و(العجم). ووجد منفذاً لنشر هذه الحصائل في (سلسلة دراسات في التراث السوداني)، التي طبعناها بالرونيو كالشيوعيين والجمهوريين. ومكّنت هذه الفترة للطيب أن يقف على الخريطة الثقافية لضروب المأثور وملكات رواته ومؤدّيه، وأن يكشف عن (الضفيرة) النسيقة التي تربط آداب الجماعات السودانية. وكانت هذه الحصائل زاده في رحلته المثيرة في برنامجه التلفزيزني الذي هفت له الأفئدة وتخطفته الأسماع عبر سنوات: (صور شعبية) وكتبه الأخرى مثل (فرح ود تكتوك) و(الإنداية) و(المسيد) و(دوباي).
جاء الطيب إلى إثنوغرافيا (الوصف الثقافي) لثقافة السودانيين العرب المسلمين، الموصوفين كخليط عربي إسلامي أفريقي سفاحي المنشأ، في وقت كانت عورة دراستها بمناهج التخليط قد بانت. فالمنهج الذي كان سائداً اقتصر على التنقيب عن عنصرها وفرزها، وردّها ردّاً بسيطاً إلى مظانّها المرجَّحة: العربية الإسلامية أو الأفريقية. وانتهت مثل هذه الدراسة إلى اصطياد شوارد، أو حربها، أعقمت تلك الثقافة من كل حيوية في الترميز والمعاني والحيل.
ومعلوم أن ثقافة السودانيين العرب من الثقافات المزيج، أو الأمشاج، بقرينة خلطة عناصر عربية مسلمة وأفريقية فيها. والثقافات الخليط بخيسة الحظ في النظرية الثقافية. فهذه النظرية لا تحتفل بالثقافة الأمشاج، لأنها -في انشغالها بالصفاء والأصالة- تزدريها وترى فيها تشويشاً على رادار النقاء الذي تمتحن به الظواهر. فقد حَرّمَت هذه النظرية، في قول الأنثروبولوجي الأمريكي جيمس كليفورد صاحب كتاب عاذرة الثقافة، امتزاج الفكر والجسد عبر الأعراق. ورأت في المزيج سفاحاً من سقط الثقافة. وتولى الترويج لمنهج السفاحية وتطبيقه في دراسة الثقافة العربية الإسلامية كل من هارولد ماكمايكل (1882 ــ 1969م)، السكرتير الإداري للحاكم العام الإنجليزي للسودان في عشرينات القرن الماضي، وصاحب كتاب العرب في السودان (لندن 1967م)، والقس سبنسر ترمنغهام صاحب كتاب الإسلام في السودان (1946)؛ فهما يرياننا نحن السودانيين الشماليين سفاحيين وسَّخنا بياض العرب وكدنا نجعل من الإسلام وثنية أخرى. لقد آذى منهج السفاحية دراسة الثقافة العربية الإسلامية عندنا أذىً كثيراً، فقد مكّن لتخليد نظرية الأوابد، والأوابد هي تعريب الدكتور عبد الله الطيب للمصطلح الإنجليزي (Survivals) ويريدون به بقايا من حطام ثقافة سادت ثم بادت ولكنها انوجدت في ثقافة معاصرة لا يعرف لها أهلها وظيفة ولا كُنهاً. ولتقريب المعنى، فرسم الصليب على جبين المولود يقال إنها مما تبقّت من المسيحية السودانية الآفلة، ويضعه مسلمون الآن على جباه مواليدهم بغير ربط بينه وبين المسيحية.
جاء الطيب إلى وصف الثقافة العربية الإسلامية السودانية على فترة كانت الغاية من درسها هو رد عناصرها الخليط إلى أصولها: عربية مسلمة كانت أو أفريقية. وبذلك هبط المنهج بهذه الثقافة من نظام ترميزي معقَّد إلى مجرد (مستودع تاريخي) غاصٍّ بالشواهد الدامغة على المنشأ العربي أو الأفريقي لمفرداتها. وتحوَّل الناس بمقتضى هذا المنهج إلى حملة سلبيين لسِفْرهم الثقافي. والأصل في أهل الثقافة أن يساوموا بها، رمزياً، حقائق يومهم وتاريخهم، وتتّسع بها حيلتهم ليمخروا عباب الحياة بكفاءة وطمأنينة. وبالنتيجة لم تتعدَّ دراسة الثقافة العربية الإسلامية تفنيط رموزها الهجين. وقد رأينا الحبر الكثير الذي أريق من خبراء وهواة بقصد تأصيل الشلوخ وسَيْرة البحر بالجريد والطهارة الفرعونية. وقد شطَّ هؤلاء في الخلاف حول مناشئ تلك الممارسات، كما هو العهد في مثل من يتبعون مناهج الأوابد.
وجاء الطيب إلى ساحة وصف هذه الثقافة بفحولة منعشة. فكتاباته مثل (ذاكرة قرية) و(الإنداية) أو (دوباي) أو (المسيد) بمنجاة من منهج سوق الدليل من الفلكلور لإثبات عروبة السودان أو أفريقيته. فهو لم يخرج ليطعن في أيٍّ منهما أو ليثبتهما. فعروبة من سعى لوصف ثقافتهم هي من المعلوم بالضرورة. فهم مصدّقون في أنسابهم. وكان هذا قراره كإثنوغرافي. وتتفق معه في ذلك نظريات ثقافية مستحدثة تلزم الإثنوغرافي بأخذ رأي الجماعة في هويتها محمل الجد. فليس دوره أن يغالطها، بل أن يعرف الملابسات السياسية والاجتماعية التي تبنت فيه هذه الهوية دون غيرها. ولم يكترث الطيب بعد قراره الإثنوغرافي بأخذ عرب السودان بما قالوا من أنهم عرب بغير أن يروي قصة عن حياتهم التي يعيشونها حتى النخاع تستغرق قارئها وتمتعه.
فلا تخالط الطيب شبهة في عروبة أهل كتابه (ذاكرة قرية) أو عربية (الإنداية) كحانة للأنس، أو عربية عروض نظم بادية السودان التي درسها في (دوباي)، أو إسلامية مدرسة أو كتاب القرآن الذي فصّله في (المسيد). وهذه واقعية علم الإثنوغرافيا. فباحثها لا يتطفّل في شأن لا يعنيه؛ وهو تكذيب مبحوثيه وإقامة الدليل والبرهان على فساد اعتقادهم عن أنفسهم.
ولما أدار الطيب ظهره للخصومة حول أصول النظم التي درسها انفتح أمامه باب العلم بها من جهة أدائها وسدنتها وجمهرتها ووظائفها. فكان دأبه كإثنوغرافي أن يحيط بالظاهرة الثقافية التي يدرسها إحاطة السوار بالمعصم. وهي الإثنوغرافيا التي سماها كليفورد قيرتز بـ"الوصف الكثيف" الذي لا يترك في وصفه للثقافة المعنيّة شاردة ولا واردة. وهي قراءة زكّاها قيرتز على ضوء فهمه للمطلب من درس الثقافة. فهو يقول إننا ندرس الثقافة لبلوغ المعنى منها، وليس يهمنا قوانين تكوّنها أو انتشارها التي يحسنها العلم التجريبي. وكان من رأيه أن العمل الميداني لجمع المواد الثقافية مغامرة غراء. فهو لم يصمّم لتكييف الإجراءات من مثل التودد للجماعة المدروسة، أو اختيار الرواة أو المخبرين أو تدوين النصوص أو الاحتفاظ بمذكرة تدوِّن فيها ما مرَّ عليك خلال يومك. هذه إجراءات لربما حجبتنا عن العمل الميداني الذي هو ضربٌ من الجهد الفكري. إنه مغامرة فيَّاضة في الوصف الكثيف لعناصر الثقافة المدروسة. والقصد من هذا الوصف الكثيف أن يعظم عوالم الخطاب الإنساني. وهذا ما سنرى أنه كان شاغل الطيب في تآليفه.
كانت النصوص الثقافية التي انشغل بها الطيب قبله (فولكلوراً)، فردها للثقافة بوصفه الإثنوغرافي الكثيف. فقد سبق كليفورد قيرتز نفسه إلى القول بأن الفلكلور كان ثقافة قبل أن (تسخطه) آلهة أهل الشوكة، فتهبط به من مقام الثقافة إلى درك أدب العامة الذي هو الفلكلور. فليس من مأثور يولد فولكلوراً، وإنما يصبح فلكلوراً بفعل فاعل. فالفلكلور هو ثقافة موطوءة، انفرطت من حول مركزها، وتهافتت بعد أن تسيَّدت عليها صفوة غازية أو وطنية أصبحت ثقافتها هي المعيار وما عداها أضغاث عامة. لقد كفت أن تكون ثقافة بالعنوة.ووجدنا الطيب مثلاً يتوقّف دون وصف (دوباي) البادية السودانية بـ(الفلكلور) طالما كان تعريف الأخير هو مجهولية المؤلف. فدوباي العرب السودانيين ليس مجهول المؤلف، كما هو الأصل في المأثور المنسوب للفلكلور. فالبادية السودانية ضنينة بإرثها تتناقله منسوباً إلى قائله برغم كرِّ السنين.
فكتابه (دوباي 2000م)، الذي درس الميزان العروضي لنظم البادية العربية السودانية، باعترافه، هو حملته لاسترداد هذا المأثور العربي الإسلامي من مصائر الخمول الفلكلوري. فقد اعتقد مثل أهل النيل الأوسط ومدنه ووسائط إعلامهم أن مأثور البادية النظمي الغنائي كله (دوبيت) -وهي مما أذاعه المتعلمون من قراء الأدب العربي- فجال الطيب تلك البوادي على (رجل باحث) فلم يجد بينهم من يسمى نظمه (دوبيت). فهو عندهم (دوباي) وهو من عبارة (دوب)، وترد في مثل "دوب لي" أو "لأمي" أو "لعربي" في دلالة الحنين والتشوق. ولما ظل الطيب -بحكم عادة المدينة- يصف في رحلاته الباكرة مأثور البادية بالدوبيت أخذه المرحوم الشيخ الصديق أحمد طلحة بالشدة قائلاً: "الغنا دا اسمه عندنا (الدوباي) ومن أراد الدوبيت فليذهب إلى ناس البحر (النيل الأوسط والبندر)". وهذه (مقاومة) من صاحب تقليد ثقافي يرى الآخرين يسعون لخلعه عن مصطلحه. وهذا الخلع أول أشراط التهافت والتهميش. والتفت الطيب بعد أن حرَّره الشيخ من جهله بالدوباي ليقول بأن الدوبيت الفارسي معناه قيامه على بيتتين، ووزنه العروضي، حين شاع في النظم العربي، غير وزن الدوباي.
وما استعدنا للنص العربي البدوي قوامه حتى ساقنا بعفوية إلى جذوره في العروض العربي وتشقيقاته المحيِّرة. فالدوباي السوداني رجز يختلط أحياناً بوزن الكامل. وفيه زيادة هي مقطع زائد أو مقطعان يسبقان تفعيلات كل شطر يسميها العروضيون العرب (خزماً). وكل نظم بادية أواسط السودان رجز. وبلغ من سليقة البداة السودانيين العروضية وفطرتهم أن سموا الناظم بإطلاق (راجز). فكثر نظم العرب في الرجز فصار وزناً شعبياً، وهو مناسب للقطع لا الطوال. (ولكن الطيب عاد بآخرة ليقول بأن الدوباي شبيه بالهزج ويميل أحياناً للمتدارك بل يأتي في بعض صوره بمجزوء الوافر).
وحين نفى الطيب مصطلح (دوبيت) الصفوي عن النظم الشعبي البدوي أطلق جني التنوّع والسخاء الإبداعي في مضماره. فوجد بجانب الدوباي (المربع أو الجراري في كردفان) أشكالاً من النظم غاية في الرشاقة والتعبير عن الحاجيات النغمية لمبدعيها. فالشاشاي (ضرب من سير الحيوان ومن معانيها السير شوقاً للأهل والأحباب) . فالشاشاي (ضرب من سير الحيوان ومن معانيها السير شوقاً للأهل والأحباب) هي أغنية العمل لنشل الماء من البئر، وأهزوجة لدقاقي العيش "دق التقا"، وعازقي الأرض من المزارعين، وعمال المراكب، والجمالين، والحطابين، وللجلالات العسكرية، ولطحن العيش، وأغاني كرامة البنات ومعابثتهن في الأعراس بين فريق العريس وفريق العروس،  ودودار الطيور، وهدهدة النوم،وجمع الفزعة. كما يسع الشاشاي أغاني السيرة وأناشيد الصوفية التي تنشد سيراً على الأقدام كمثل ما يفعل القادرية. وقس على ذلك ضروب النظم الأخرى مثل البوباي والهوهاي والجابودي والسومار والبنينة. ولبعضها تسميات أخرى في بادية شمال كردفان مثل الطمبور والجراري والتوية والجالسة ولبادا والهسيس. فانظر كيف ازددنا غنى وعلماً بنظم البادية بمجرد أن أسقطنا حزازة مدينية عشوائية.
رأينا كيف كشف الطيب عن ذوق البادية العربية السودانية وإيقاعها لمجرد أنه لم يرَ في مأثورها فولكلوراً موطوءاً غربت شمسه بحلول الحداثة. ورأيناه يطلق فسيفساء هذا الذوق العروضي من عقال ضغينة مدينية أخرى استبدلت مصطلح ذوق البادية بمصطلح جزافي من الأدب العربي. وحزازات المدينة والصفوة حيال العامة لا حصر لها. وقد وفر لنا كتاب الطيب (فرح ود تكتوك حلال المشبوك 1974م) نافذة لصناعة هذه الضغائن الصفوية. ومن ذلك أنها سيئة الظن بالريف، وتعتقد أن عقلنا الرعوي ــ الريفي هو الأصل في محنة السودان المزمنة. فهذا العقل البري متمكِّن حتى من صفوتنا يستبد بها حتى لو شرَّقت وغرَّبت واستطعمت من مائدة الحداثة الغربية.
ومع شيوع فكرة فساد العقل الرعوي إلا أنها لم تخضع بعد لفحص نظري أو ميداني نختبر بهما صدقيتها كتفسير جائز للخيبة السودانية. وبناءً عليه فالفكرة في أحسن أحوالها من فطريات الثقافة. فهي مجرد حزازة على حياة البداوة ينشأ عليها من ولدوا في القرى والبندر، وفاقم منها تشرُّب هؤلاء الفتية الحداثة الغربية التي البداوة عندها جاهلية أولى، ولا يتحضَّر الناس ويتمدَّنون إلا بعد أن ينفض الناس أيديهم عنها.
تتحدث صفوتنا كما رأينا عن (عقل بدوي) جامع مانع، رجعي، لو شئت، أو عقيم. فنجد الطيب حمته إثنوغرافيته الماهرة من ارتكاب هذا الظن السيئ بأهل الريف. فالطيب يكتب عن الريف من فوق نصوص وسعت كل شيء. وهذه بركة الوصف الإثنوغرافي الكثيف الذي الثقافة عنده أسفار الناس وذوقهم وسعة حيلتهم وأشواقهم وتوادّهم وتباغضهم، لا شواهد ميتة على أصولهم.
وخلافاً للعمومية التي تصف بها الصفوة المحدثة الريف وتختصره في (عقل بدوي) طائش تجد الطيب (يفكِّك) الريف فيستنبط منه عقولاً شتى. فأدخل الشيخ فرح ود تكتوك (1147هـ ــ 1734م)، الولي الصالح بقبر يزار شرقي مدينة سنار بولاية سنار، في جدل درامي أو مناظرات مع دوائر ريفية عديدة، أخذ فرح عليها أشياء من ثقافتها كما أخذت هي عليه أشياء. ووضح أن الريف ليس عقلاً واحداً أحد. ولا نعرف إن كانت تلك المناظرات التي بثّها الطيب في كتابه مما وقع حقاً، أو هو مما رتّبه الناس للمتعة أو تفنن فيه الطيب نفسه. وبدا الشيخ فرح في هذه الحوارات ممثلا للمزارعين (الحراتة) حتى قال له أحد الزبالعة (وهي طريقة زعم خصومها أنهم باطنية وحاربوهم حرباً شديدة) في مناظرته: "قصِّر حديثك يا طالب الدنيا يا رفيق الزراع" ووصفه آخر في معرض تبخيسه بأنه "فرح الحرات"، وفرح شديد الاعتزاز بالنسبة إلى المزارعين. ومن أقواله:
المال يا حراته (حرث)
يا وراته (وراثة)
أو
الحرات بريده ربنا القدوس
قدحو في الملم (المجمع) يبقى دوام مدعوس (ممتليء حتى يربى)
في الدنيا جابولو الفي العِيَّب (وعاء من الجلد الرقيق) مدسوس
وإن مات ساقوهو لجنة الفردوس
فالشيخ لم يتحرَّج عن العمل بيده ناعياً على مشائخ آخرين تبطّلهم وانشغالهم بالدنيا واعتمادهم على الأتباع في كسب الرزق. وربما كره هذه الصفة في الزبالعة الذين دوّخهم بالمناظرات.
 من الجهة الأخرى تجد الشيخ في حرب شديدة ضد المتبطلين بالوراثة فترفعوا عن العمل. وتجسدت ظاهرة الترفع عن العمل اليدوي في شخصية ملقبة بـ(ود أب زهانة)، الذي قيل إنه عاصر الشيخ فرح في آخر أيامه. واسم (ود أب زهانة) هو المنسدح حمد المنسدح، نشأ في أسرة مؤثرة، وربته جدته لأمه، ولم يصلح في علم أو حرفة، وورث جدته وأباه فصار مزواجاً لا علم له بعدد ذريته أو أسمائهم، يحب النفخة والفخر، سمّيعاً، وأتى الدهر على ماله، وتفرق ولده. ومن رأي الطيب أن نسله هم مصدر (الزهانية) التي تجدها بمقدار بين السودانيين.
ولبيان هذه (الزهانية) التي تجري في أمثال سودانية شائعة يرسم الطيب صورة قلمية ليوم عاطل من أيام ود أب زهانة ويرصِّعه بتلك الأمثال الداعية للتبطُّل مثل "نوم الضحى يطوِّل العمر"، "من تغدّى تمدّى ولو الحرب دائرة"، "الحي رَزَق الحي"، "ربنا عايش الدودة بين حجرين"، "النوم خريف العين"، "إدّيَّن وإتبيَّن"، "رزق الليل ضيق"، و"الدين فوق الكتوف والأصل معروف". وستجد في الوقت نفسه في أدب فرح الحرّات أمثالاً جهيرة بتمجيد ثقافة العمل والكسب مخالفة لود أب زهانة. وهذه الأمثال المتناقضة من أوضح الدلائل على أن البادية، ككل جماعة بشرية، ليست على ذهن واحد في جدلها الذي لا ينقطع حول السبل والغايات.
ولقي فرح عنتاً من ثقافة التبطُّل. فسأل أحد أتباع ود أب زهانة حواراً لفرح عن شيخه. وسماه "كلب الدنيا يجري جري الوحوش" ولا يقع إلا على مقدار رزقه. فلما علم فرح بالمناقشة قال لحواره إن لقيت الزبلعي مرة أخرى قل له:
"إنت الفارغ
اللاك حاش ولاك زارع".
ومن جهة ثالثة فالشيخ الزارع باغضٌ لحياة البداة. فهم لا يثقون في الزراعة لخشيتهم أن يأكلها الطير، أو تنتابها الآفات فيحل البلاء. فهم يقولون: "الساعة ولا الزراعة"، أي أن قيام الساعة أهون من العمل في الزراعة. ولما علم فرح أن منشأ المثل هم البداة قال:
"الجمالة (البدو)
الدنيا عدوها جوالة
والآخرة فاتوها بي حالا".
وبدا لي أن الطيب لما تطرّق لكراهة البادية للعمل اليدوي خلط بين فروسية البادية التي قوامها (النهيض) و(أكل حق الناس)، وبين البدو الذين يستنكرون حياة الحرات أي المزارع. فعرض في هذا السياق لأغانٍ من بقاع سودانية مختلفة أراد بها توضيح ثقافة الفروسية التي تستخفّ بالعمل اليدوي لأنها تقلع (تستولي على) حق الناس عنوة واقتدرا في نُظُم عُرفت بـ(النهاضة)، أو (القيمان) أو (الهمباتة) وحتى (الجنجويد)، في رواية، وقد مثلّوهم بصعاليك العرب. وللدكتور شرف الدين الأمين عبد السلام كتاب جيد في المشابه بين التقليدين في الصعلكة. ولكني وجدت أن أكثر ما جاء به الطيب لبيان مجاجة الفروسية للعمل اليدوي هو غناء في تمجيد الرعي واستهجان الزراعة. ومعلوم أن الفروسية شديدة الصلة بالبادية والرعي. فالراعي (يتصعلك) في مقام (الفزعة) لاسترداد حقه، أو (النهيض) لأخذ حق الناس. من أمثال ما جاء به الطيب:
 ناس الجنى فروعا (جنى الفرع: عطفه وماله، أي المزارع)
وآ ندم أمه وجوعا
عجبي الشال ممنوعا (ممنوعا هي السلاح الذي لا تحمله إلا بإذن الحكومة)
وكدي لبيلا رتوعا (وبيلا موضع بعيد ليمجد إبله في القشة البكر)
أو:
ما طق هشابة وما بياكل اللابه (الهشابة شجرة الصمغ. وطقها هو جرحها ليسيل الصمغ من جذع الشجرة).
جدي الريل مرعاه في الجرابة (وجدي الريل كناية عن الإبل والجرابة هي الأرض المخصبة).
جاء الطيب في وصفه الكثيف لنص فرح ود تكتوك بأصوات قوى الريف الحية والمتبطلة في جدل حثيث حول الغاية من الحياة ومثال النجاح فيها. واستطاع بدرمجة dramatization
 هذا الجدل أن يبثّ في نصّه حيوية للريف لم تخطر لماركس وأرباب الحداثة الذين وصفوه بـ(البله) idiocy. وهذا المأخذ الماركسي على الريف ربما كان الأصل في سوء الظن به الفاشي في صفوتنا حتى لم تر في الريف غير عقل واحد ناضح بالغباء والرتابة.
 ويقع كتاب الطيب (ذاكرة قرية)، الذي هو شهادته عن تربيته في مقرن عطبرة، في سياق نقده القويِّ للحداثة التي أخذناها وكالة لا أصالة. وقد قدمت للكتاب في موضعه في هذه الطبعة الكاملة، أو شبه الكاملة لأعمال الطيب. وقلت بأن دافعه لكتابته كان الغيرة من المدينة الضلّيلة. فقد رأى العزة بالغرب وسوء الظن العميق بإرثنا. وكتب (ذاكرة قرية) غيرة من المدينة (الغربية) التي وسمت كل شيء بميسمها فأنشأت أجيالاً سودانية "خالية الذهن عن تاريخها". ولينظر القارئ تفصيل هذه الفكرة في مقدمة كتاب (ذاكرة قرية).
والطيب كذلك لم ينشغل بمقادير أفريقية المدرسة القرآنية أو عربيتها حين كتب عنها (المسيد) وهو لغة في تلك المدرسة أو الخلوة في ارتباطها بحرم من مسجد وشيخ. فلما بدأ البحث عن المسيد في السودان ألقى بنظرة مقارنة إلى بلدان أفريقية. لم يفعل ذلك تربُّصاً بتلك المقادير من التأثيرات الثقافية وكيميائها التي شغلت من سبقوه في دراسة النصوص العربية الإسلامية في السودان، بل لأن المؤسسة وجِدت هناك بالأصالة. لم ينشغل في تحليله بأي جانب من المؤسسة انتمى لأفريقيا أو للعرب، بل بمنزلة هذه المؤسسة -التي ترعرع هو في أكنافها- التعليمية في صحوة المسلمين المعاصرة التي رغبت في العودة إلى المدرسة القرآنية طلباً لتعاطي الحداثة بقوة وبأصالة.
لم يحتج في دراسة المسيد بغير تلفُّت لعربيته أو أفريقيته لأكثر من زيارة لمسيد ود الفادني جنوب الخرطوم ليرى أفريقية الثقافة الإسلامية العربية في السودان. فبين داخليات المؤسسة العشرين هناك وجد واحدة لهوسا نيجيريا وثانية لإريتريا، وثالثة لفلاتة، ورابعة للفلاتة أم بررو، دعك عن داخليات أخرى لجماعات سودانية مسلمة غير عربية (التاما، مساليت، التنجر). ووجد في مطلع السبعينيات بالمسيد 6 طلاب من الكاميرون و11 من نيجيريا، و2 من النيجر، و3 من السنغال، و9 من تشاد و5 من زائيرأ و2 من غينيا بيساو. كما تطرق إلى اختلاف تعليم العربية في الخلوة لغير الناطقين بها بصورة تأخذ من لغتهم وتتدرج بهم في تعليم اللغة القرآنية الجديدة. ووجد أن قراءة الدوري الشائعة في السودان حتى طبعنا مصحفاً بها يعم أفريقيا المسلمة. ثم وجد أن يوم الأربعاء هو يوم قبول الطلاب الجدد في الخلوة في أفريقيا قاطبة اقتفاء للأثر: "ما بدئ أمر بيوم الأربعاء إلا كان حقاً على الله أن يتمه"، وهو اليوم عند بعضهم الذي خلق الله فيه النور.
وكتاب (الإنداية) -وهي الندي لشرب الكحول- ذؤابة في إثنوغرافيا الطيب الكثيفة. وكانت تربية المؤلف كلها قامت على كراهة الأنادي (مفردها إنداية). فقد كانت جدته تقول له في موضع التهديد: "أكان أخليك يا ولد أرهز (أرقص) في الدهلة (طبل ضربه علامة على بدء الشرب لذلك اليوم) وأصفي المريسة في الأنادي". ولم يسعفه إلا فضوله الفطري والمكتسب ليعرف هذه المؤسسة المنكورة عن كثب. وتحيَّل الطيب بحِيَل العمل الميداني كلها ليلقى القبول بين رواد الأنادي. ولم يمنع هذا من طرده مرة بتهمة أنه بصّاص من مخبري الحكومة.
 استغرقت كتابة (الإنداية) ست سنوات طرق فيها أبواب أنادي السودان قاطبة، أو كاد. فغزرت مادته، ولم ينشغل إلا بصورة سطحية بأفريقية عناصر الإنداية أو عربيتها، مثل قوله إن مسلمي السودان استمروا على عادة الشرب لدخولهم الإسلام بمورثاتهم الخرافية والوثنية. وليست هذه بأبدع ما جاء في (الإنداية). ما انشغل به وأجاد هو عوالم الإنداية التي يغشاها الناس ندامى وخصوماً، عَلاًّ ونهْلاً، يسترقون من شظف الدنيا سويعة (يفرِّقون) فيها، كما نقول في الإنس والترويح.
وسع الطيب عن الإنداية علماً كثيفاً وعرضه بصورة أخاذة. فرصع وصف الإنداية بوقفات درامية انحل فيها السرد واكتسب النص صفة المسرحية بأسماء سكارى ومزاجات ولغة مسرحية يتواجه فيها رواد الحان منافسة في الشرب، أو في العطاء للمغنيات، أو في المعرفة بأصول ثقافة الإنداية مثل نصيحة من دخلها. ومن هذه النصيحة مثلاً أن تجلس على سرجك حتى لا يتخطفه رائد سكران اختلط عليه سرجه بسروج الآخرين، أو ألاّ تفوت كأسك لأنه يكشف عن ضعف في طاقة المرء الاستيعابية. لقد بلغ الطيب بـ(الإنداية) الغاية من الإثنوغرافيا، وهي أن تقص علينا قصة مشوقة.
وهذا الباع الإثنوغرافي الطويل مما أحسن إطراءه الدكتور عون الشريف في مقدمته للطبعة الثانية من الكتاب، قال إن الكتاب "بوابة عريضة من المعرفة بأحوال جانب مهم ومثير من أهل السودان". ولقد وافى ذلك غرض الطيب من كتابه، إذ قال إن الصفوة لن تبلغ غايتها من الإصلاح متى خاطبت غمار الناس من "منصاتها الخطابية" متفادية عسر التغلغل إلى مثل رواد الأنادي ومعرفة عوالم طربهم وأنسهم.
فالإنداية التي قد تصرفها كبؤرة ضوضاء غاصة بالثقافة. فالتاريخ مُستَدعى فيها. كما أن صلاتها بمزارات الصوفية المقدسة؛ نقيضها في ما نتصور، واشجة. مما يسترعي الانتباه مثلاً قانون الإنداية في نخب الشرب، المريسة، الثلاث الإتيكيتية. فهي مسماة على ملوك دولة الفونج، أول دولة إسلامية بالسودان (1504-1821م). فأول الأنخاب هو كأس عمارة أميز ملوك الفونج، والكأس الثانية باسم دكين المشهور من أولئك الملوك أيضاً. أما الثالثة فباسم قلبوس أحد أشهر قادة الفونج. فيمكن للشارب أن يكتفي بعمارة ودكين، إما إذا شرب قلبوس ولم يشارك في (العَدَل) -نصيب الشارب في تكلفة الشراب وتوابعه- بطلب من الساقية فإنه يطرد شر طردة.
ومع ما يبدو من جفاء قاطع بين الإنداية والدين أو المسيد إلا أن الأولى اكتشفت بأنها لا تصلح إلا بالثانية. ولا يقع على هذا التناغم إلا من تكبّد العمل الميداني وغاص في المؤسسات يشبعها وصفاً. ففي جلسات الشرب يحلف الواحد منهم بـ(المريسة) قائلاً: "وحات الحرام دا". ومن جهة أخرى فصاحبة الإنداية إن أصابها كرب استنجدت بولي. وهي تفعل ذلك لا رهبة منه بل تحت التهديد بأنه إن لم يسعفها حملت برمة مريسة إلى قبره احتجاجاً على تأخُّره. وللشيخ إدريس ود الأرباب (1650-1507)، الولي المعروف ومزاره بالعيلفون من ضواحي الخرطوم، دور في دراما الإنداية لا مهرب له منه. فالأنادي تقدم كأس الشيخ إدريس سماحة وضيافة. فللشيخ برمة (إناء فخاري) هي أول ما يملأونه بعد استواء المريسة. وتوضع هذه البرمة في صحن الإنداية شراباً مجانياً للمساكين من قدامى الرواد الذين شاخوا وفقروا. وقيل إن هذه البرمة أصلها نذر التزمت به شيخة إنداية ما إذا سلم جماعة ما، وصار عادة.
خلافاً للدارسين قبله في حقل الثقافة العربية الإسلامية في السودان أخذ الطيب عروبة أهلها بغير غلاط. فاتصالهم بالعرب الأقدمين عنده حقيقة لا مرية فيها، توثقها أنساب لا مطعن فيها لأن "الناس أمناء على أنسابهم"، كما جاء في الأثر. فهم عنده "يعيشون العربية لغة وسلوكاً وذوقاً"، فعروبة أهلها في أفريقية عنده لا حاجة للبرهان عليها ولا تبديل لها.
أنا زعيم بأن الطيب مات سعيداً ودعك من المنغصات. فلم تعد صورة (الفلكلور) بعده كما كانت قبله. لقد نعم بحب الناس عاديين وغير عاديين لأنه التمسهم كحملة ثقافة لا مهرب منها، بينما قامت بعثة الصفوة الغربية وحتى الإسلامية على تفريغ الناس من ثقافتهم (التقليدية) الفاسدة لحقنهم بالحداثة أو العقيدة الصحيحة. لقد حسدته كثيراً متى كنا على سفر أو زيارة على تعرُّف الناس عليه بالفطرة وإقبالهم عليه كشركاء في مشروعه، يسألونه عن الأنساب أو صحة نطق اسم مدينة أو مزارات ولي. وكنت أستمع إلى حواراتهم معه يديرونها على قدم المساواة، وكنت أنطوي منهم على صفويتي الحبيسة ولغتي الكاسدة. كان الطيب يعلم علم اليقين حب الناس له. بل ومناصرتهم له. لم يكن الطيب لينجز أكثر برنامجه التلفزيوني (صور شعبية) لولا سخاء مشائخ وتجار وأحباب موّلوا زياراته الميدانية لبقاعهم وأحسنوا إليه. وهذه سنة في الإحسان إلى أهل المشروعات الثقافية لم تقع لصاحب مشروع ثقافي حديث قبل الطيب. وكان الطيب غنياً بهذه الصحبة عن تكفُّف الدولة العادلة والظالمة.
كان كثير من الناس يزكّي الطيب محمد الطيب بالنظر إلى عِظَم مأثرته وتواضع كسبه العلمي (لم يتجاوز المدرسة الابتدائية) بقولهم: "لو تلقى علماً جامعياً لفاض وأربى". ويتوهم القائلون، على حسن نيتهم، نقصاً في الطيب لا دليل لهم عليه سوى عقيدتهم في أن الإحسان لا يقع إلا بالتعليم النظامي والترقي فيه. فجعلوا كسب الطيب المرموق كفاحاً حجة للتعليم النظامي لا حجة عليه. ففحولة الطيب ومباحثه في عمق الروح السودانية، متى لم نفسدها، بمثل التقوُّل أعلاه، كفيلة بوضع يدنا على علل تعليم المدارس المستحدثة التي تجفِّف ملكات خريجيها. فمأثرة الطيب مجروح الشهادات في عرف المحدثين، وتأسياً بنفسه، أنه لم يشترط لتعاطي الثفافة شهادة موثّقة أو لساناً متحذلقاً. لقد جعل الأميين صنّاع ثقافة، وسألهم بتواضع جم أن يملوها عليه، وفعلوا وفعل. وزدنا بذلك إنسانية هي ما يبقي على هذا البلد الطيب برغم الشرور التي أحدقت به طويلاً.
انصرف جهد الطيب غير المقلّ لرد الاعتبار للريف. لقد فرض على المدينة أن تصغى لثقافة الريف بوسائل ذكية. يكفيه (صور شعبية) التلفزيوني الذي شدّ الأسماع والأنظار إلى ثقافة مظنون أنها من "هبل الريف"، في قول ماركس. وأصبح الريف به يلقي قولاً حسناً للمدينة. لقد أراد لمأثور المدينة والريف أن يتكاملا، لا أن يتشاكسا عملاً بفطانة النبوة. فقد روي أن زاهراً بن حرام كان يهدي الرسول صلوات الله وسلامه عليه من البادية. وكان الرسول يرد الهدية بأحسن منها من حاضرة المدينة. فقال عن زاهر: "إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه". فتأمل جدل الحلف النبوي.