• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي محمود عثمان رزق هل حدد الإسلام عقوبة محددة للخمر؟ ... بقلم: محمود عثمان رزق
هل حدد الإسلام عقوبة محددة للخمر؟ ... بقلم: محمود عثمان رزق طباعة أرسل إلى صديق
الجمعة, 07 حزيران/يونيو 2013 06:45



MORIZIG@HOTMAIL.COM
لقد رسخ فى ذهن المسلمين أن عقوبة شارب الخمر فى الإسلام هي الجلد وتتراوح بين 40 و80 جلدة، وسموا هذا العقاب حدا وأصبح من المسلمات عند عامة الناس حتى قال كثير منهم أنه لا يجوز تعديه ولا الإجتهاد فيه لأنه حد شرعي!!  وحتى نعرف ونتيقن هل هو حد أم لا؟ لا بد لنا من تعريف الحد لغة وشرعا ثم نذكر بعد ذلك الأحاديث والآيات وقول بعض أهل الفقه في المسألة لأنه لا يجوز الحديث فى مسائل الدين من غير دليل وحجة وبرهان:

الحد فى اللغة :

والحَدُّ: هو المَنْعُ.  وحدَّ الرجلَ عن الأَمر يَحُدُّه حَدّاً: منعه وحبسه؛ تقول: حَدَدْتُ فلاناً عن الشر أَي منعته؛.  والحَدُّ فى اللغة هو الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أَحدهما بالآخر أَو لئلا يتعدى أَحدهما على الآخر، والجمع حُدود. ومنتهى كل شيء يعتبر حَدُّه؛

الحد فى لغة القضاء والفقه الإسلامي :
والحَدُّ في لغة القضاء والفقه الإسلامي هو "عقوبة شرعية " حددها القرآن الكريم صراحة أو حددها رسول الله (ص) صراحة بحديث متواتر سمعته جماعة من رسول الله ونقلته جماعة عن جماعة بحيث يتعذر إجتماعهم على الكذب . ووفقا للقضاء الإسلامي لا يجوز للقاضي الإجتهاد في الحد الشرعي ولا تجاوزه بالزيادة أو النقصان، والهدف من الحد منع الجاني من  المعاودة ومنع الآخرين عن إِتيان الجناية نفسها عند علمهم بعقوبتها.  و فقهاء المذاهب الإسلامية متفقون على وجوب عقوبة شارب الخمر، ولكنهم مختلفون في مقدارها؛ فذهب الأحناف، ومالك إلى أنها ثمانون جَلْدَة. وذهب الشافعي إلي أنها أربعون جلدة، وعن الإمام أحمد روايتان ذكرها صاحب كتاب المغني فقال : "وفيه روايتان إحداهما، أنه ثمانون.  وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود، ثمانين. فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد، وأبي عبيدة بالشام.  وروي أن علياً - رضي اللّه عنه - قال في المشورة: إذا سَكِر هَذَى، وإذا هَذَى، افْترىٍ، فحدوه حد المفتري. روى ذلك الجوزجاني، والدار قطني، وغيرهم.  والرواية الثانية، أن الحد أربعون. وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي؛ لأن عليّاً جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: جلد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين،"
الحد فى لغة القرآن:
أما في لغة القرآن ف " حدود الله" هي الأَشياء التي بيَّن الله تعالى تحريمها وتحليلها، وأَمر أَن لا يُتعدى شيء منها إِلى ضدها، فكأَنَّ " حدود الله" هي فَاصل بين الحلال والحرام فكان منها ما نهي عن قربه كالفواحش المحرمة، وجاء النص فيها بعبارة : "تلك حدود الله فلا تقربوها"؛ ومنها ما نهي عن تعديها كالمواريث والطلاق والزواج بأكثر من اَربع، وجاء النص فيها بقوله تعالى: "تلك حدود الله فلا تعتدوها" ولم تأتي كلمة "حدود الله " قط في القرآن الكريم مقرونة بأي عقوبة من العقوبات وإنما سمت السنة تلك العقوبات حدودا على أساس المعنى اللغوي العام لكلمة حد كما ذكرنا أعلاه. 
ووفقا للغة يمكن أن تسمى أي عقوبة حدا لأنَ المقصود من كل العقوبات فى كل الأزمنة منع أصاحبها من المعاودة ومنع الآخرين من إرتكاب نفس الجريمة. ولكن العقوبة في الشريعة الاسلامية تنقسم لنوعين :
النوع الأول : عقوبات شرعية تولى أمر تقديرها الله تعالى كالعقوبات الشرعية الخمس: وهي السرقة والزنا والقتل والقذف والحرابة.  
النوع الثاني: عقوبات  مدنية ترك الله امر تقديرها إلى  الهيئة التشريعية فى الدولة ، أو ترك أمرها لعرف المجتمع أو إجتهاد القاضي إذا لم يجد نصا شرعيا يتبعه.   يحددونها كيف يشاءون اتفاقا بينهم وفقا للروح العامة في الشريعة الاسلامية ، وهذه التقديرات تعرف فى الفقه باسم (بالعقوبات التعزيرية).   والعقوبات التعزيرية بلغتنا المعاصرة هي "عقوبات مدنية " مائة فى المائة  وهي أكثر عددا بينما العقوبات الشرعية خمس فقط، وهي ( أي العقوبات العزيرية) تتغير وتتبدل بتبدل الزمان والمكان.   وأهمية هذا التقسيم  بين ماهو حد شرعي وما هو مدني هو أنه لايجوز لولي الأمر أن يتدخل أو يجتهد في القسم الأول (الحد الشرعي) بمعنى أنه لايجوز له أن ينقص من الحد المعين للعقوبة أو أن يزيد عليه ، أما فى العقوبات المدنية (التعزيرية) فله مطلق الحق فى الإجتهاد. والشيء الثاني الذي نستفيده من التقسيم هو إثبات أن الدولة فى الإسلام يغلب عليها الطابع المدني لأن معظم قوانينها هي قوانين مدنية فى إطار مبادئ عامة أقرها الدين هي العدل والإحسان والمساوة أمام القانون.

وبعد هذه المقدمة نقول إن المعنى اللغوي ليس هو مقصودنا من البحث وإنما مقصودنا هو المعنى الشرعي. وبكلمات أخر، هل عقوبة الخمر هي "حد" نص عليه القرآن الكريم صراحة أم لا؟ وإذا لم نجد نصا في القرآن عليه - كما هو واضح- فهل نصت عليه السنة المطهرة صراحة أم لا ؟ وإذا لم ينص عليه القرآن ولم تنص عليه السنة المطهرة صراحة فيحق لنا أن نقف ونسأل أنفسنا : من أين جاءت هذه العقوبة وكيف أصبحت حدا؟ وهل يجوز لنا الزيادة فى حدود الله وإدخال فيها ما ليس منها؟ وهل هذه العقوبة الموروثة - ال 40/80 جلدة- قصد بها الحد أم التعزير المدني؟ وإذا كان القصد من تلك العقوبة الموروثة هو التعزير المدني فهل يجوز الإجتهاد لاحقا  في التعزير المدني أم لا؟

قال الشيخ العثيمين رحمة الله عليه مجيبا على بعض هذه الأسئلة : " إنه لا يجوز تجاوز الحد فى العقوبات، فالزاني مثلا إذا زنا وكان بكرا فإنه يجلد مائة جلدة ويغرب (يسجن) عاما ، ولا يجوز أن نزيد على مائة جلدة ونقول يجلد مائة وخمسين مثالا، فإنّ هذا محرم. فإن قال قائل: إذا اقتصرنا على مائة جلدة ربما يكثر الزنا، وإذا زدنا يقل؟ فالجواب:أأنتم أعلم أم الله؟ وما دام الله عزّ وجل فرض مائة جلدة فلا نتجاوزها بالاضافة إلى تغريب (سجن) عام على خلاف بين العلماء في ذلك هل يغرب (يسجن) أم لا؟ لأنه (أي السجن) ثبت بالسنة، والخلاف في هذا معروف.  ومن هنا نعرف أن عقوبة شارب الخمر ليست حداً، ولا يمكن أن نقول: إنها حد، فلو كانت حداً ما تجاوزها عمر والصحابة رضي الله عنهم. ثم هناك دليل آخر من نفس القضية، لما استشار عمر الصحابة رضي الله عنهم (فى حد الخمر) قال عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون ، ويعني بذلك حد القذف ، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حداً لكان أخف الحدود أربعين (أي لو كانت ال40 جلدة حدا معلوما للصحابة لقال عبد الرحمن بن عوف لعمر إن أخف الحدود 40 جلدة ، ولكنه قال أخف الحدود 80 جلدة ولم ينكر عليه أحد أن أخف الحدود ثمانين ولو علموا بحد أخف من الثمانين لقالوا له إنك مخطئ فأخف الحدود كذا . ولو كان في الخمر حدا ما سأل عنه عمر ولا تجاوزه إلى الثمانين وهو من أشد الناس تعظيما لحدود الله)، وهذا شيء واضح، لكن - سبحان الله - الفقهاء - رحمهم الله - يرونه حداً، وعند التأمل يتبين أن القول بأنه حد ضعيف، ولا يمكن لعمر رضي الله عنه ولا لغيره أن يتجاوز حد الله عزّ وجل "  (المرجع:  شرح الأربعين للشيخ العثيمين- حديث رقم 30 )   


هذه قول الشيخ العثميين فى حد الخمر ذكرناه ولم نزد عليه شيئا سوى ما بين الأقواس هكذا ( ) لمزيد من التوضيح.   فإذن الشيخ العثميين كأحد كبار علماء المدرسة السلفية المعاصرة يرى أن الله تعالى لم ينزل في الخمر حدا وكذلك لم يثبت عن رسول الله (ص) أنّه حدد عددا من الجلدات لشارب الخمر، وإنما ثبت فى عقوبتها التعزير المدني ، ويرى أن ضرب رسول الله (ص) فى الخمر كان من باب التعازير المدنية وليس من باب الحدود ولذلك جاء ضربه من غير عدد ولا تحديد كيفية معينة وبالتالي لم يكن ملزما لمن بعده كما رأينا فى فعل الخلفاء الراشدين. والجدير بالذكر أن كثير من العلماء المعاصرين والقدماء يذهبون نفس مذهب ابن العثميين فى القول بالتعزير لشارب الخمر.
وحتى نحيط علما بالموضوع نعرض الروايات الواردة في مسألة عقوبة شرب الخمر:
1-    روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه:  "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين". (ضرب بالنعال والجريد غير محدد)
2-    عن عقبة بن الحارث قال:  "جيء بالنعيمان، أو بابن النعيمان، شارباً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان بالبيت أن يضربوه، قال: فضربوه، فكنت أنا فيمن ضربه بالنعال".
3-    روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:   " أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، قال: (اضربوه). قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: "لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان"
4-    سمعت عمير بن سعيد النخعي قال:سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنَّه.
5-    عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين.
6-    عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسول" !!.
7-    روى عبد الرزاق فى مصنفه  أنه صلى الله عليه وسلم :  "جلد في الخمر ثمانين"
8-    وروى أبوداود والنسائي : قال ابن عباس رضي الله عنه: " لم يوقت (لم يحدد) فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا" .
9-    وقال علي رضي الله عنه : "جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين وكل سنة "
10-    روى الترمذي فى جامعه أن النبي( ص) قال في شارب الخمر: " إذا جاء في المرة الأولى فاجلدوه، ثم إذا جاء في المرة الثانية فاجلدوه ثم إذا جاء في المرة الثالثة فاجلدوه، ثم إذا جاء في المرة الرابعة فاقتلوه." (هذا الحديث يعارضه حديث أبو محجن الثقفي المشهور)
11-    روى عن ابن عباس أنه قال:  " شرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء "
12-    روى الطبري عن ابن عباس أنه قال : "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران فقال ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله"
13-    و جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : "كان الصحابي أبو محجن الثقفي يحب الخمر وجلده عمر الحد سبع مرات ونفاه إلى جزيرة في البحر. ولما عاد أبلى بلاءً حسناً في موقعة القادسية، فقال له سعد لا نجلدنك على الخمر أبداً، فقال له أبو محجن: وأنا لا أشربها بعد اليوم."
14-    وروى إن عمر استشار في الخمر يشربها الرجل ؟ فقال له علي بن أبي طالب: "نرى أن تجلده ثمانين ،  فإنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانين فجلد عمر في الخمر ثمانين"
15-    ماثبت في صحيح مسلم أ ن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف : "اجعلها كأخف الحدود ثمانين " يعني بذلك حد القذف.


إذا يمكننا تلخيص المقال في عدة نقاط  هي:

1-    إن القرآن الكريم لم يحدد حدا للخمر
2-    إن الرسول الكريم (ص) لم يحدد حدا للخمر ولكنه عاقب عليها من باب التعزيرات  أو العقوبات المدنية التي يشرعها الحكام فى دولهم  ولم يذ كر في الأحاديث المروية عن النبي عددا محددا، واستمر الحال على هذا في خلا فة أبي بكر وصدرا من خلا فة عمر لا يراعى فيه العدد حتى كان آخر خلافة عمرفجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا زاد عمر العقوبة وجعلها ثمانين جلدة ، وهذا كله ثابت في صحيخ البخاري ومسلم وغيرهم، فكيف تكون تلك العقوبة حدا وهي لم يقدر عددها في القرآن ولا فى السنة ونحن نعلم أن تعريف الحد : هو عقوبة مقدرة شرعا ؟
3-    ما روى عن رسول الله (ص) أنه أمر بقتل شارب الخمر في المرة الرابعة رواية غير صحيحة المتن وإن كانت صحيحة السند! وتاريخ الذين تعاطوا الخمر وعقوبوا فى العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين يكذب هذا الحديث لأن بعضهم قد تكرر منه شربها كثيرا ولم يقتل !! وخير مثال لذلك الصحابي عبد الله بن حمار (وكان رجل خفيف الظل يضحك رسول الله (ص)) وكذلك الصحابي الفارس أبو محجن الثقفي وكلاهما قد عوقب فى الخمر أكثر من أربع مرات. وعلى كل حال قد عدّ الفقهاء هذا الحديث منسوخا لما وجدوه متعارضا مع سيرة المصطفى (ص) تعارضا صريحا.  لذا نقول ونحن مطمئنين أن الرسول (ص) لم يقتل أحدا في الخمر ولم يأمر بقتل أحد بسبب الإسراف في شربها ، وإنما سنّ للخمر عقوبة تعزيرية مدنية وفقا لزمانه ومجتمعه، وبالتالي نقول إنّ الثابت عنه (ص) العقوبة فى الخمر، أما مقدار العقوبة فهو غير ثابت وغير محدد ولذا فهو متروك للهيئة التشريعية فى الدولة الإسلامية تجتهد فيه كيف تشاء ، فإن شاءت سنّت الحبس عقوبة للخمر ،أو سنت الضرب، أو سنّت الغرامة ، أو جمعت بين الضرب والغرامة، أو جمعت بين السجن والغرامة والضرب .... ..... إلخ،  وفي الأمر سعة للاجتهاد وفقا لكل زمان ومكان.
4-    حديث الإمام  علي بن أبي طالب الذي يقول فيه :  " ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنَّه." فهذا الحديث يوضح لنا أن الرسول لم يأمر بمسألة الجلد بالسياط أصلا. والحديث يتكلم  في الأساس عن الحد لا عن كمه , فالإمام علي يقول أنه لا يتحرج مثلا إذا قطع يد سارق فمات، أما إذا ضرب شارب خمر فمات فإنه سيدفع ديته لأن الرسول لم يسن الضرب أصلا ، وليس في كلامه إشارة إلى الزيادة أو النقصان.

والخلاصة هي أن الرسول (ص) بصفته حاكما كان يأمر أحيانا بعقاب شارب الخمر بالضرب وأحيانا كان يعفو عنه بغير عقوبة، ولما مات الرسول الكريم رأى أبو بكر ومن بعده عمروعثمان وعلي بصفتهم حكاما  أن يشددوا في العقوبة  علي شارب الخمر فقننوا الجلد بالسياط  وحددوا له عددا (40 و80). ولما لم يكن الجلد بالسياط  ولا العدد معلوما في زمن الرسول الكريم  كان  قول الصحابة بجلد شارب الخمر وتحديد عدد الجلدات هو اجتهاد من عند أنفسهم،  وقد اختلفوا رضوان الله عليهم فى هذا الإجتهاد فبعضهم جعله أربعين وبعضهم جعله ثمانين!  ونراهم جلدوا بعض الأشخاص مرات عديدة وصلت إلى سبع مرات وأكثر ولكنهم لم  يقتلوا أحدا بسبب شرب الخمر أو تعديه للمرة الرابعة. وهكذ تتبين لنا الحقائق الآتية فى موضوع الخمر كما ذكر بن العثيمين وهي الآتي: 
أولا : ليس للفقهاء دليل على أن الإسلام جعل للخمر حدا ، والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن القرآن لم يذكر أي شيء عن عقوبة شرب الخمر وإنما اكتفى بتحريمها { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } ولا شك أن الإثم محرم عند ربطه بآيات أخر من القرآن الكريم نفسه مثل قوله تعالى :  { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }   فإذا كان الإثم عموما حراما فمن الأولى أن يكون "الإثم الكبير" المذكور في الآية حرام بالضرورة!! وكذلك الأمر باجتنابها يستلزم حرمة صناعتها ومعاقرتها و الاتجار بها.  وفي أضرار الخمر  يقول الله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}   فالعداوة والبغضاء والصد عن الصلاة سبب كاف لترك الخمر ومحاربتها، ومع ذلك كله لا نجد عقوبة محددة في القرآن الكريم لشارب الخمر!!.  وقد يقول قائل إنما ثبت الحد بالسنة، ولكن السنة تشرح القرآن وتبينه ولا تزيد عليه فلا يمكن أن تأتي السنة بحكم شرعي ثابت في هذه القضية سكت عنه القرآن ولكن من الممكن أن يأتي الرسول (ص) من باب كونه حاكما للمسلمين بعقوبة تعزيرية فيكون تعزيرا مدنيا (أي اجتهاد يمكن تجديده) وبالتالي يكون هذا التعزير غير ملزم لما بعده من الحكام وقد رأينا كيف خالف الخلفاء الراشدين من بعده فى هذه القضية. فهم لم يلتزموا الضرب بالنعال والثياب والنخيل بغير عدد كما فعل رسول الله (ص) بصفته حاكما للمسلمين بل جعلوا للخمر عددا محددا ضربا بالسياط وصل للثمانين جلدة وبعضهم أضاف السجن. فإذا نحن نظرنا في حكم السنة في شارب الخمر وحكم الخلفاء الراشدين وجدنا  أحكاما مختلفة تراوحت بين الضرب بالنعال وبالجريد والثياب والجلد والعفو والسجن!!
ثانيا : ليس للفقهاء دليل على أن الجلد بالسياط تحديدا هو الخيار الأول والأخير لشارب الخمر لأنّ المسألة في أصلها مسألة تعزيرية مدنية متروكة للاجتهاد كما ذكرنا أعلاه. ولا يفوتنا هنا أن نقول أن أي عقوبة تقررها الدولة للخمر يجب ألا تكون أمام الناس لأن الله لم يأمر بالشهود فى مثل هذه العقوبة، وبالتالي لا يجوز تنفيذ العقوبة على شارب الخمر في الميادين العامة أو أمام ملأ من الناس.
ثالثا: أصاب الفقهاء وأحسنوا في مسألة إثبات العقوبة لشارب الخمر لأنّ السنة اثبتت مبدأ العقوبة وعليه لابد من معاقبة شارب الخمر وصانعها وبائعها والمروج لها بأي صورة من صور العقوبات، جلدا كانت أو غرامة أو سجنا ، وعلى الدولة محاربة الخمر تصنيعا وبيعا وشرابا وترويجا وتعاقب على ذلك بالعقوبة التي تراها مناسبة، والله أعلم وهو ولي التوفيق.

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com