• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية الأعمدة د. ابوبكر يوسف العلاقات السودانية الأمريكية والمتغيرات في المنطقة العربية!! .. بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم
العلاقات السودانية الأمريكية والمتغيرات في المنطقة العربية!! .. بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم طباعة أرسل إلى صديق
السبت, 27 نيسان/أبريل 2013 07:11


بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: «هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ» ..الآية
هذا بلاغ للناس




توطــئة:
*        قلنا ورددنا وبُح صوتنا للذين يراهنون على استمرار توتر العلاقة بين السودان وأمريكا بأن ذلك  مرشح للتغيير قريباً . إن هؤلاء المراهنين هم في الغالب أدوات تستعملها أمريكا ضد أنظمة الحكم في بلدانهم، ومن خلال التجارب الماثلة، قلنا أنه ليس هناك عداوات دائمة بين الدول، بل هناك مصالح تحكمها متغيرات، مثلما أيضاً تحكمها ثوابت، فبدون أدنى شك فإن للدول العظمى مصالح في كل دول العالم ، وهي تتحرك حسب مقتضيات هذه المصالح والمتغيرات السياسية هي التي تقود للتغيير في علاقاتها البينية. إن أمريكا تتحرك كحكومة عليا للعالم تتحكم في مصادر المواد الخام عالمياً لضمان ريادتها وقيادتها للعالم ولتأمين اقتصادها وصناعاتها، وكذلك توفير ذلك لحلفائها .
*        ثوابت هذه الدول العظمى هي حماية مصالحها الاستراتيجية بمختلف الوسائل السياسية والديبلوماسية والاستخباراتية، أما المتغيرات  فهي تتمثل في أسلوب علاقاتها مع أنظمة الدول الموالية أو الممانعة، وتعتمد تعاملاتها مع الدول التي ترتبط معها بعلاقات إما علاقات تحالفية أو صداقة أوعلاقات قد تتسم بالفتور والتوتر أو العدائية، وإن درجات ترمومتر هذه العلاقة تتغير بتغير مناخ التوافق والمحافظة وتأمين المصالح  الاستراتيجية لهذه الدول.
المتــن:
*        منذ قيام الانقاذ في العام 1989 والعلاقات السودانية الأمريكية تشهد توتراً مستمراً، وذلك لمواقف أمريكا من الأنظمة الاسلامية التي بدأت تطل على القارة الأفريقية والاقليم العربي، خاصةً بعد نجاح الثورة الاسلامية في إيران، وكذلك لانعكاسات التجربة المريرة التي مرت بها العلاقات الأمريكية  الايرانية، بعد أن كانت ترتبط بعلاقات خاصة مع الشاه، كما أن أثار تميز تلك العلاقة انعكس في شكل توترات مع الثورة الخمينية، أدت إلى اعتقال منسوبي السفارة الأمريكية كرهائن لدى حرس الثورة، برغم تنكر أمريكا لحليفها الشاه الذي كان يقوم بدور الشرطي نيابة عنها في المنطقة،  فلم توفر له حتى ملجأ يلوذ به بعد سقوطه  إذ رفضت كثير من دول العالم استقباله.
*        كنا نعتقد أن الشاه يستحق منها نيشان الخدمة الطويلة الممتازة، ولكن هذه هي حال الادارات الأمريكية ، تتنكر لحلفائها عند أول منعطف يعصف بهم، وعندما لم تعد هناك حوجة لهم، لانتهاء صلاحيتهم فأصبحوا بالنسبة لها كروتاً محروقة، أو عند سقوطهم حتى بعوامل خارجة عن ارادتها كالثورات الشعبية كما هي الحال مع إيران، أو بفعل ثورات الربيع العربي التي أطاحت بديكتاتوريات إما صنعتها بأيديها   لها السند المعنوي والسياسي والديبلوماسي!!
*        مرت العلاقات الأمريكية السودانية في عهد الانقاذ بعدة مراحل منها مرحلة فرض الحصار على السودان، مرحلة قصف مصنع الشفاء، محاولة إغتيال حسني مبارك في أديس أبابا والتي فبركها عمر سليمان بعد التنسيق مع وكالة المخابرات والموساد لإيجاد مبررات لزيادة الضغوط على النظام واستعداء جواره عليه، وأخيراً مرحلة إستغلال أمريكا للمنظمات الأممية كالأمم المتحدة "مجلس الأمن" ، ومنظمات حقوق الانسان والمحكمة الدولية ، ومنظمات العمل المدني الممولة من أمريكا وذلك لتنفيذ خطة الضغط عزله ضمن استراتيجية  تحقيق انفصال جنوب السودان.
الحاشية:
*        وفي تلك الفترة من عمر الانقاذ نجحت أمريكا إلى حد كبير في تأليب كل الأنظمة المجاورة ضد السودان، والتي أوهمتها أمريكا  بفوبيا الاسلام وأخطاره وتهديده أنظمة حكم دول الجوار، وسارعت أمريكا بتعقيد علاقات هذه الدول كلما لاحت بوادر تقارب بينها، خاصة في حال التعامل مع المخلوعين حسني مبارك  ومعمر القذافي!!.
*        أما دول الجوار الأفريقي مثل تشاد واريتريا واثيوبيا فقد تم تطبيع العلاقات بعد أن اكتشفت هذه الأنظمة بنفسها أن أمريكا تستغلها كمخلب قط، وأيضاً بعد أن استدارت أمريكا اً على أنظمة بعض هذه الدول تحت مبررات شتى منها خروقاتها لحقوق الانسان، أو غياب الديمقراطية، وغياب حرية التعبير والصحافة وقمع المعارضة في هذه الدول، والعجيب أن مادلين أولبرايت قد وصفت زعامات هذه الدول بأنها قادة الديمقراطيات الجديدة. فسبحان مغير الأحوال!!
*        لقد رصدت أمريكا أن هناك تأييد  شعبي نسبي لنظام الانقاذ مع ضعف المعارضة الحزبية التقليدية ، بالاضافة إلى تطبيع السودان بعلاقاته مع كل من إفريقيا الوسطى، أريتريا ، أثيوبيا ، تشاد ، ليبيا ومصر فبلغ التنسيق مع بعضها مرحلة متقدمة، كالتعاون الأمني وملاحقة المعارضة المسلحة التي تنطلق ضد كل دولة من الدولة الأخرى، وجعل الحدود منطقة تبادل المنافع ، وها  هي دولة جنوب السودان أيضاً  تدخل ضمن هذه المجموعة بعد توقيع اتفاقية التعاون المشترك وتنفيذ مصفوفاتها ، هذا إضافة إلى  العلاقات المتميزة مع المملكة العربية السعودية والتنسيق معها في تحقيق تعاون استراتيجي لضمان أمن البحر الأحمر.
*        يبدو جلياً لأمريكا، والغرب عموماً، أن علاقات السودان مع دول الجوار الأفريقي قد تحسنت بصورة إيجابية ومتقدمة، أيضاً مع جوارها العربي مثلما هو الحال مع مصر و ليبيا وتونس،  وهي من دول الربيع العربي، إذ أفرزت الانتخابات فيها فوز الأحزاب الاسلامية ووصولها لسدة الحكم، هذا بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية المتميزة مع تركيا وماليزيا،علاوة إلى أن علاقات السودان مع الصين الشعبية علاقات متميزة ويرجع للسودان فضل دخول الصين آفاق التعاون مع دول القارة الأفريقية!!
الهامش:
*       إن الخطأ الذي وقعت فيه الانقاذ  في سنين عمرها الأولى، هو أنها لم تتبع سبيل الحوار الهاديء خلف الأبواب المغلقة مع أمريكا ، وبدلاً عن ذلك استعاضت في خلافها على الخطاب الجماهيري الشعبوي المتشنج ،  وهذا أتاح الفرصة لسماسرة السياسة من قادة الدول المجاورة ـ وحتى تخفف الضغط الأمريكي عليها ـ  بأن تقدم أنفسها برسم تنفيذ ما تطلبه أمريكا منها ضد السودان ، أي عرضت نفسها مخلب قط ، مقابل التعاون معها لتكثيف الضغوط على السودان وتقديم الدعم اللوجستي للمعارضة وتسهيل تحركات المعارضة المسلحة والانطلاق من حدودها للاعتداء على السودان  جنوباً ، شرقاً وغرباً !!
*       إن لأمريكا تجربتين في الغزو المباشر في أفغانستان والعراق وما نتج عنهما من ارتفاع أسعار البترول ، لذا فإن تنفيذ مزيد من هذه الاستراتيجية مكلف مادياً ولوجستياً بالنسبة لها خاصة بعد الأزمة المالية التي عصفت بها وبالاتحاد الأوروبي، هذا وقد بدأت في تطبيق استراتيجية " الفوضى الخلاقة" فهي أجدى اقتصادياً وتحقق أهدافها ولو مرحلياً ، وقد بحثت تنفيذ ذلك في السودان، ولكنها عندما استصحبت أحداث ثورتي 64 و85 شعرت بأن النجاح غير مضمون لإدراكها بالتأييد النسبي للإنقاذ بين  شرائح الشارع السوداني ، لذلك بدأ  القائم بالأعمال الأمريكي بمحاولة جديدة ويبدو أنه لم يكن واثقاً من نجاحها عند  محاولته استقطاب السادة شيوخ الطرق الصوفية وتقديمها على أساس أنها "الاسلام المعتدل"، وحينها أدرك أن هذه المحاولة غير مضمونة العواقب وقد تثير حفيظة وعداء بعض دول الربيع العربي التي وصل فيها الاسلاميون إلى سدة الحكم.
*       يجب علينا أن نقرأ محاولة الانقلاب على الرئيس الأريتيري من قبل مجموعة مقربة منه قراءة صحيحة ونبحث في علاقتها بالوضع الاقليمي، فقد تم اختراق واستقطاب وكالة المخابرات والموساد لدائرة المقربين من الرئيس أفورقي، على أساس إن نجحت الحركة الانقلابية، يصبح النظام الجديد موالياً بالتمام والكمال، لذا يمكن فتح جبهة شرق السودان مرة أخرى بدعم من هذه  المجموعة الجديدة التي استولت على الحكم ، أما وقد فشلت هذه المحاولة، فيكفي أن يعي نظام أسياس أفورقي الدرس ويعلم أن وكالة المخابرات والموساد يمكنهما تهديد نظامه، إن لم يرضخ لطلبات أمريكا وتقديم كل عون مطلوب لفتح جبهة الشرق مرة أخرى!!
قصاصة:
*        أي نظام حكم عقلاني يفترض أن يعمل من أجل رفاه شعبه، ومن أجل تحقيق ذلك عليه أن يعمل من أجل بناء علاقات بناءة وسوية خاصة مع الدول الكبرى المؤثر نفوذها وقرارها في مسار العلاقات الدولية، والتي تضغط  بإتجاه قرارات لا تصب في مصلحة " إستقرار النظام"!!.. من السهل أن نخرج في مظاهرات ترفع شعارات شعبوية عدائية ، ولكن السؤال هل هذا هو الأسلوب الأمثل في معالجة الخلافات بين الدول ، خاصة إن كانت هذه الدول بينها  القطب الأوحد الذي يحرك كل خيوط لعبة الأمم؟!!
*        علينا أن نعترف ـ دون مواربة وكبرـ  بأن أمريكا دولة مؤثرة وبإمكانها فرض سياساتها على كل دول الأقليم والمنطقة، ومن دول المنطقة، هناك من لم يفرط في ثوابته ولكنه وجد معادلة للتعامل والتعاون ، وعلى السودان أن لا يعتمد على أي واحدة من هذه الدول، فكلها دول إما مؤتمرة بما يُملى عليها، أو متحالفة "بندية إيجابية"!!، وعلى السودان أن يتلمس طريقه لوحده في بناء علاقات بناءة مع الدول العظمى المؤثرة وفي ذات الوقت عليه أن يراعي التوازنات في علاقاته مع الآخرين دون أن تخسرأي واحدة منها، فمن الصعب بناء صداقات مبنية على المصالح ومن السهل جداً خلق عداوات معها. دعونا نقوم بجردة لحساب الأرباح والخسائر في علاقتنا مع أمريكا ، فأمريكا تحاصرنا تقنياً فلا نستطيع توفير قطع للطائرات ولا القاطرات، أليس النقل هو من أهم دعامات البنى التحتية والتنمية وواحد من أهم دعامات جذب الاستثمارات التي عليها أن تقوم بتصدير منتجاتها؟!
*        فكروا فيما ذكرت بعقلانية وموضوعية ودون تشنج وتعصب، أحياناً تجد نفسك مجبور للتعامل مع من لا تحب أو تتفق معه ، ولكن هناك يجب أن تقدم بعض التنازلات لأن هناك مصالح  لشعبك ووطنك عليك تحقيقها. حتماً في النهاية نجد أنفسنا مجبورين للجوء للمنطق البراغماتي في بناء علاقاتنا مع الدول الكبرى وحتى الصغرى!!.. مصلحة الوطن فوق كل مصلحة!! ويقال في الأمثال: " عليك تقبيل اليد التي لا تستطيع أن تعضها"!! . أشعر بالتفاؤل جداً بأن العلاقات السودانية الأمريكية ستتجه نحو منحى إيجابي وبخطوات متسارعة!!
عوافي..



Abubakr Yousif Ibrahim [zorayyab@gmail.com]

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com