• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي د. سلمان محمد أحمد سلمان جمهورية جنوب السودان واتفاقية مياه النيل لعام 1959 .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
جمهورية جنوب السودان واتفاقية مياه النيل لعام 1959 .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان طباعة أرسل إلى صديق
الأربعاء, 27 آذار/مارس 2013 13:01



1
تناقلت وكالات الأنباء المحلية والإقليمية والدولية بسرعة البرق يوم 22 مارس عام 2013 (وهو اليوم العالمي للمياه) تصريحات السيد بول مايوم، وزير الري والموارد المائية بجمهورية جنوب السودان، عن موقف حكومته من اتفاقية مياه النيل لعام 1959. ذكر السيد مايوم أن بلاده لا تعترف باتفاقية عام 1959، موضّحاً: "كنا تحت سيطرة السودان عندما وُقِّعتْ الاتفاقية، لذلك لم نكن نستطيع أن نقول شيئا، أما اليوم فنقول إنه لا علاقة لنا بهذه الاتفاقية." لم يتوقف السيد الوزير عند رفضه لاتفاقية عام 1959 بل أضاف: "لقد التحقنا بمبادرة حوض النيل ونحن في طريقنا للالتحاق باتفاقية الإطار التعاوني، التي من خلالها يمكن لدول حوض النيل الالتقاء لمناقشة أفضل الطرق لاستغلال مصادر المياه."
لا بدّ من التنويه أن هذه التصريحات قد أتت بعد يومٍ واحدٍ فقط من زيارة الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء المصري لجوبا بغرض مناقشة قضايا مياه النيل والتأكّد من وقوف جمهورية جنوب السودان في الجانب المصري-السوداني الرافض لاتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل (المعروفة أيضاً بإسم اتفاقية عنتبي). عليه فقد أثارت هذه التصريحات وتوقيتها دهشةً عميقة وتساؤلاتٍ عديدة.
وقد رفعت هذه التصريحات عدد الدول المؤيّدة لاتفاقية عنتبي إلى سبع دولٍ هي: اثيوبيا وكينيا ويوغندا وتنزانيا وبوروندي ورواندا، بالإضافة إلى جنوب السودان. وتحتاج الاتفاقية إلى تصديق ست دولٍ لتدخل حيز التنفيذ. وتعترض مصر والسودان بشدّة على هذه الاتفاقية، بينما لم توضّح جمهورية الكونغو الديمقراطية موقفها. 
سوف نناقش في هذا المقال الأسباب التي نعتقد أنها أدّت إلى إصدار هذه التصريحات الخطيرة والإعلان عنها بهذه الصورة القاطعة، وعن تداعيات التصريحات وكيفية التعامل معها.
2
كنّا قد أشرنا منذ أن قرّر شعب جنوب السودان الانفصال وإنشاء دولته في 9 يناير عام 2011 إلى أن اليوم الذي ستنضمّ فيه الدولة الجديدة إلى تكتّل دول اتفاقية عنتبي آتٍ لا محالة. فالعلاقات التي تربط شعب جنوب السودان بدول منابع النيل في البحيرات الاستوائية (كينيا ويوغندا وتنزانيا وبوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية) عميقةٌ ومتشابكة، وتشمل العرق والثقافة واللغات والدين والجغرافيا والتاريخ. كما أن هذه الدول كانت قد وقفتْ وقفةً متكاملةً مع شعب جنوب السودان طيلة سنوات الحرب الأهلية الأولى والثانية. وقد استقبلت كلٌ من كينيا ويوغندا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية مئات الآلاف من اللآجئين من جنوب السودان وفتحت لهم حدودها ومدارسها وجامعاتها ومستشفياتها وأسواقها ومصانعها، وأمدّتهم بعونها المادي والعسكري والدبلوماسي والسياسي. وقد اتخذت قيادات الحركات السياسية والعسكرية الجنوبية من عواصم تلك الدول مقار لها. ومع مرور الزمن توثّقت العلاقات والمصالح الرسمية والشخصية بين الشعوب والحكومات في هذه الدول وبين شعب ومنظمات وحكومة جنوب السودان.
كانت هذه لوحدها أسباباً كافية لوقوف جنوب السودان مع دول المنبع في نزاعاتها المحتدمة مع مصر والسودان حول اتفاقية الإطار التعاوني (اتفاقية عنتبي) ومسائل مياه نهر النيل الأخرى.
3
غير أنه لا بدّ من إضافة أن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 نفسها كانت قد تعاملت باستخفافٍ مبالغٍ فيه  مع جنوب السودان ومستنقعاته وحقوق القبائل التي تعيش وتعتمد عليها وعلى مياه النيل فيه. فقد نظرت الاتفاقية إلى مستنقعات جنوب السودان كمياهٍ ضائعةٍ يستوجب إعادة تجميعها وإضافتها إلى نهر النيل لصالح التوسّع الزراعي في مصر والسودان من خلال مجموعة من المشاريع من بينها قناة جونقلي. تمّ التفكير والاتفاق والتخطيط لهذه المشاريع دون أي اعتبارٍ للتأثيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية السلبية، والحقوق المائية لسكان جنوب السودان الذين يعيشون حول هذه المستنقعات ويعتمدون عليها في حياتهم وحياة أبقارهم وأغنامهم وحيواناتهم الأخرى، وبدون استشارتهم أو حتى التحدث إليهم.
انطلاقاً من هذه العقلية الاستعلائية فقد أشارت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 إلى أنه تضيع كمياتٌ من مياه النيل في مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال ونهر السوباط في جنوب السودان. ووضعت الاتفاقية مجموعةً من الإجراءات لإقامة مشاريع لزيادة مياه نهر النيل من هذه المستنقعات لصالح التوسّع الزراعي في مصر والسودان، على أن يُوزّع صافي المياه والتكاليف مناصفةً بينهما. وتنصّ الاتفاقية على أن يتولّى السودان الإنفاق على هذه المشروعات من ماله وتدفع مصر نصيبها في التكاليف بنفس نسبة النصف المقرّرة لها في فائدة هذه المشروعات.
غير أن الاتفاقية تُعطي مصر الحق في البدء في أيٍ من هذه المشروعات إذا دعتْ حاجتُها للتوسع الزراعي لذلك. في هذه الحالة تُخْطِر مصرُ السودانَ بالميعاد الذي يناسبها للبدء في المشروع. وفي خلال عامين من تاريخ هذا الإخطار يتقدّم كل من البلدين ببرنامجه للانتفاع بنصيبه في المياه. وبعد انتهاء العامين تبدأ مصر في التنفيذ بتكاليف من عندها، وعندما يتهيأ السودان لاستغلال نصيبه فإنه يدفع نسبةً من جملة التكاليف تتفق مع نسبة المياه التي سيحصل عليها، على ألا تتجاوز حصة أيٍ من البلدين نصف الفائدة.
وهكذا أعطت الاتفاقية مصر حقاً آحادياً في بناء أيٍ من مشاريع زيادة مياه النيل من مستنقعات جنوب السودان سواءٌ كان السودان قد تهيأًّ لاستغلال نصيبه أم لا، وسواءٌ كان يوافق على قرار مصر أم لا. كل ما تحتاحه مصر هو إخطار السودان بالميعاد الذي يناسبها وإعطاء السودان فترة عامين ليتقدم لها ببرنامجه للانتفاع بنصيبه.
لكن الأخطر من هذا كله أن الاتفاقية لا تتضمّن أية إشارةٍ إلى المجموعات المحلية التي تعتمد في حياتها وحياة ماشيتها على بيئة ومياه المستنقعات، والتي ستتضرّر من هذه المشاريع. وقد تجاهلت الاتفاقية الحديث عن حقوق هذه المجموعات، ولم تشتمل على أي  نصوصٍ عن تعويضاتٍ لها عن الأضرار البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي ستلحق بها من جراء تجفيف هذه المستنقعات وفقدانها لسبل كسب عيشها. وكما ناقشنا في مقالات خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959 فإن تعويضات أهالي وادي حلفا كانت إحدى العقبات الرئيسية في المفاوضات في كل مراحلها.
وقد صاحب تنفيذ قرار بناء قناة جونقلي في سبعينيات القرن الماضي نفس عقلية الاستخفاف بالمجموعات المحلية التي ستضرّر بالقناة التي اشتملت عليها نصوص اتفاقية مياه النيل.  
4
فى 27 فبراير عام 1972 تمّ التوقيع على اتفاقية أديس أبابا بين حكومة السيد جعفر محمد نميري وحركة تحرير جنوب السودان بقيادة السيد جوزيف لاقو. وقد منحت الاتفاقية جنوب السودان الحكم الذاتي الإقليمي، وتوقّفت إثر ذلك الحرب الأهلية فى جنوب السودان التي كانت مستعرةً منذ عام 1955. وفي 12 فبرايرعام 1974 تمّ الاتفاق على "منهاج العمل التكاملي" بين مصر والسودان. وكان من أوائل المشاريع التي بدأ التفكير في التخطيط لبنائها قناة جونقلي. وهكذا مهّدت عودة السلام فى جنوب السودان والتطورات في العلاقات المصرية السودانية لفتح ملف قناة جونقلي بغرض البدء في تنفيذها. وفي 6 يوليو عام 1974 قامت مصر والسودان بتوقيع اتفاقية بناء قناة جونقلي. وإثر ذلك تمّ تكوين مجلس قومي لتنمية منطقة قناة جونقلي مع جهاز تنفيذي للقيام بالأعمال اليومية. واتفق السودان ومصر على أن تقوم الهيئة الفنية الدائمة المشتركة بينهما، والتى تمّ تكوينها بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959، بالإشراف العام على بناء القناة. وقد أوضحت الدراسات أن القناة ستضيف حوالى خمس مليارات متر مكعب من المياه لاستعمالات مصر والسودان مناصفةً بينهما، كما تمّ الاتفاق على تقاسمٍ مماثلٍ للتكلفة، كما تقضي بذلك اتفاقية مياه النيل. 
وفي 28 يوليو عام 1976 تمّ التعاقد بين حكومة السودان والشركة الفرنسية العالمية للبناء (والمعروفة اختصاراً بـ سي سي آي) لحفر قناة جونقلي. وكانت هذه الشركة قد قامت بحفر قناةٍ شبيهة بقناة جونقلي فى باكستان تربط نهر الإندوس بنهر جيليم. وقد قامت الشركة الفرنسية بتفكيك الحفّار الضخم والذى كان يَزِنْ حوالى 2,000 طن، وكان لا يزال فى باكستان، وشحنه بالبحر للسودان حيث قامت مجموعة من المهندسين الفرنسيين والباكستانيين بإعادة تركيبه فى موقع القناة. وقد قامت الشركة ببناء معسكرٍ للمهندسين والفنيين الأوروبيين (حوالى الستين) والباكستانيين (حوالى خمسٍ وأربعين) وأسرهم قرب نقطة التقاء النيل الأبيض ونهر السوباط، أُطلِق عليه معسكر السوباط.
5
لكنّ مشروع قناة جونقلي قُوبِل بكثيرٍ من المعارضة والسخط فى جنوب السودان. وقد وصفه معارضوه بأنه مشروعٌ مُضِّرٌ بالسكان المحليين، وسيفصل المنطقة الشرقية للقناة عن المنطقة الغربية ويُوقِف حركة القبائل فى المنطقة بحثاً عن الكلأ والماء، وسيعرّض الحياة البرية لنفس المشاكل. كما تحدّث المعارضون عن التأثيرات البيئية السلبية للمنطقة والتى ستشمل شحّ الأمطار فيها بسبب تجفيف المستنقعات وتقليل التبخر، وإضعاف الثروة السمكية التى تعتمد عليها القبائل المحلية اعتماداً كبيراُ، وتقليل مناطق الكلأ لرعي الماشية. وقد وصف المعارضون المشروع بأنه لمصلحة مصر والسودان وأنه مُضرٌّ لجنوب السودان وللسكان المحليين.
خرجت مظاهرات طلابية ضخمة ضد المشروع شارك فيها أيضاً الكثير من المواطنين فى جوبا وبعض المدن فى جنوب السودان. وقد تعرّضت لها الشرطة بعنفٍ وقُتِل ثلاثةٌ من المتظاهرين بنيران الشرطة وجُرِح آخرون، وتم اعتقال عددٍ من المتظاهرين والمعارضين. وقد خفّت حدّة المعارضة بعض الشئ بعد أن التزمت الحكومة السودانية بتمويل مجموعةٍ من المشاريع التنموية للمنطقة والتى تضمّنت طريقاً برّياً من ملكال وحتى بور (مع التخطيط لوصوله إلى جوبا مستقبلاً)، وعدداً من الكباري على القناة لعبور السكان وماشيتهم، ومشروع ري يشمل مصنعاً للسكر، ومساكن ومدارس ومستشفيات وشفخانات بيطرية.
6
بدأت الشركة الفرنسية أعمال حفر القناة فى عام 1978. وقد بدأ العمل ببطء بسبب التربة والطقس ومشاكل الوقود للحفار الذي كان استهلاكه عالياً. انتظم العمل مع بداية عام 1979، وسار بصورةٍ سلسة رغم مشاكل الوقود والزيادة الكبيرة التى طرأت على أسعاره عالمياً. وخلال الأعوام الأولى للثمانينيات كانت الأطراف الثلاثة – حكومة السودان والحكومة المصرية والشركة الفرنسية – سعيدةً بالتقدم المطّرد فى حفر القناة، إذ اكتمل فى النصف الثاني من عام 1983 حفر حوالى 267 كيلومتر من الطول الكلي للقناة البالغ 360 كيلومتر من بور وحتى ملكال. وقد كان الجزء المتبقي هو الأقل مشاكل على طول القناة، وأسهلها. عليه فقد بدأ الحديث عن احتفالاتٍ ضخمة عند اكتمال القناة فى شهر مارس من عام 1985، وبدأ أيضاً الحديث والتحضير لدراسة قناة جونقلي الثانية.
كان عقد حفر القناة مع الشركة الفرنسية قد تمّ تعديله في 13 مارس عام 1980، بعد تغييراتٍ في خط حفر القناة. وتمّ بناءاً على هذا زيادة المبلغ الذي ستدفعه حكومة السودان للشركة الفرنسية بموجب العقد ليصل إلى حوالى 125 مليون دولار. ولكن بالإضافة إلى تكلفة حفر القناة فقد كانت هناك الأعمال المكمّلة والتي تشمل الأعمال الميكانيكية والكباري وقوارب النقل والمباني، وكذلك الفرق في أسعار الوقود والتكلفة الإدارية. وقد قُدّرت تكلفتها بحوالى 95 مليون دولار. وقد جعلت هذه الإضافات التكلفة النهائية لقناة جونقلي حوالى 220 مليون دولار. لكن هذه الأرقام لم تشمل تكلفة مشاريع تنمية المنطقة التي وعدت بها الحكومة من مشروع ريٍ وطرقٍ ومصنع للسكر، ومساكن ومدارس ومستشفيات وشفخانات بيطرية.
7
في الوقت الذي كانت الشركة الفرنسية تقوم بحفر القناة كان العقيد جون قرنق، مُبتعث وزارة الدفاع السودانية بجامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، يعدّ بحثه لدرجة الدكتوراه عن مشروع قناة جونقلي، والتي نالها عام 1981. وقد عاد بعدها إلى السودان، ثم انشقّ عن الحكومة السودانية ليقود الحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 1983. وقد كانت قناة جونقلي، بحكم دراسته ومعرفته الوثيقة بها، وبحكم أنه من مدينة بور، من أوائل الأهداف العسكرية للحركة الشعبية. كما لا بد من إضافة العامل الاثيوبي هنا.  
قامت الحركة الشعبية بأول هجومٍ لها على منطقة القناة فى 16 نوفمبر عام 1983 (أى بعد أقل من ستة أشهرٍ من تأسيس الحركة) واختطفت تسعةً من المهندسين والفنيين الفرنسيين والباكستانيين العاملين بالقناة. وترك الخاطفون مذكرةً فى مكان الاختطاف تطالب فيها الحركةُ الشعبية الشركةَ الفرنسية بوقف العمل فى القناة كشرطٍ لإطلاق سراح الرهائن. تمّ إطلاق سراحهم بعد ثلاثة أيام بعد أن سحبت الشركة معظم عامليها من مواقع العمل فى القناة إلى المعسكر.
وفى 30 نوفمبر عام 1983 بعث السيد جوزيف أودوهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية للحركة الشعبية برسالةٍ إلى الشركة الفرنسية والسفارة المصرية في نيروبي تضمّنت نقداً حاداً للقناة، وذكرت أن البرنامج التنموي الذى وعدت به حكومة السودان منطقة قناة جونقلي من طريقٍ برّيٍ وكباري ومشروع ري ومصنع سكر ومدارس ومستشفيات لم يُنفّذ منها أي شئ، في حين أن العمل فى بناء القناة أوشك على الانتهاء. ذكرت الرسالة أن القناة أصبحت عازلاً للأسر والقبائل فى ناحيتى القناة، وعدّدت مجموعةً مما تراه آثاراً ضارة على المواطنين فى المنطقة. طالبت الرسالة بوقفٍ فوريٍ للعمل فى القناة، وهدّدت أنها تعتبر القناة هدفاً عسكرياً مشروعاً.
فى فجر يوم الجمعة 10 فبراير عام 1984 قامت الحركة الشعبية بهجومٍ كبيرٍ على موقع القناة والمعسكر، ودمّرت جزءاً من المعسكر فى معركةٍ متقطّعة استمرت أكثر من خمس ساعات. غادر بعدها جنود الحركة المنطقة بعد أن أخذوا معهم سبع رهائن. قامت الشركة بإخلاء المعسكر وتوقّف العمل كليةً ونهائياً فى قناة جونقلي فى ذلك اليوم من شهر فبراير عام 1984،
وتبخّرت أحلام مهندسي الري الذين درسوا وكتبوا عن مستنقعات جنوب السودان، وكذلك أحلام الحكومتين المصرية والسودانية. وقد بقي الحفار الضخم قابعاً قرب الكيلومتر 267  للقناة، يتآكله الصدى ويتراكم فى أطرافه التراب والغبار والمياه، وتنمو حوله فروع الأشجار. وأصبح الجزء الذى اكتمل من القناة خندقاً وشركاً قاتلاً للحيوانات البرية فى المنطقة، وحاجزاً بين الجانب الشرقي والجانب الغربي للقناة، يعيق حركة السكان المحليين وتحركات مواشيهم. ووصل الخلاف بين الشركة الفرنسية والحكومة السودانية إلى المحاكم الدولية التي أصدرت أحكاماً متتاليةً لصالح الشركة.
8
هذه هي نصوص اتفاقية مياه النيل لعام 1959 عن مستنقعات جنوب السودان واستخدامات مياهها، وهذه هي قصة تطبيق نصوص الاتفاقية عبر مشروع قناة جونقلي. عليه فقد كان متوقعاً أن تعلن جمهورية جنوب السودان رفضها للاتفاقية، مثلما أعلنت دول المنبع من قبل عدم اعترافها بالاتفاقية. غير أن المستشار القانوني لوفد السودان التفاوضي لمبادرة حوض النيل ظلّ يحدثنا بانتظام عن إلزامية اتفاقية مياه النيل لعام 1959 على كل دول المنبع. وقد نبّهنا نحن من جانبنا مراراً إلى أن القواعد الأولية لمبادئ القانون الدولي تنبني على عدم إلزامية أي اتفاق على طرفٍ ثالث، إلا إذا قبل ذلك الطرف الثالث الالتزام صراحةً أو ضمناً. وقد رفضت كل دول المنبع اتفاقية مياه النيل لعام 1959 صراحةً، وذهبت أكثر من هذا بتبنيها اتفاقية عنتبي، والتي قالت اثيوبيا الأسبوع الماضي أنها قد بدأت في إجراءات التصديق عليها.
من الجانب الآخر فإني أتوقع أن يطلَّ علينا بعض الخبراء لتذكيرنا أن تصريحات السيد وزير الري والموارد المائية في جنوب السودان الرافضة لاتفاقية مياه النيل لعام 1959 سببها التحريض الإسرائيلي. من المؤكد أن إسرائيل قد سعدت وستسعد كثيراً بهذه التصريحات. غير أن العرض أعلاه للاتفاقية يوضّح بجلاء أن مواطني جنوب السودان ليسوا بحاجةٍ إلى اسرائيل (أو أية دولةٍ أخرى) لتشرح لهم مساؤي ومناقص اتفاقية مياه النيل وتعديها على حقوق المجموعات المحلية التي تعيش وتعتمد اعتماداً تاماً على مياه تلك المستنقعات منذ فجر التاريخ.
9
لقد ظللنا نطالب منذ عام 2009 بمراجعة جذرية لموقف السودان تجاه دول المنبع، وتجاه اتفاقية عنتبي لحوض النيل. بل ذهبنا أكثر من هذا وكتبنا مقالاً مطولاً عدّدنا فيه عشرة أسباب رأينا أنه يتعيّن بموجبها انضمام السودان لاتفاقية عنتبي. 
إن تأكيد انضمام جنوب السودان لدول المنبع، وتصديقه المتوقّع على اتفاقية عنتبي (كما ذكر السيد الوزير نفسه) سيزيد ويؤكّد عزلة السودان ومصر بين دول حوض النيل. والآن تقف سبع دولٍ من دول حوض النيل العشرة في جانب، ويقف السودان ومصر بمفرديهما في الجانب الآخر. وسوف تنضمّ دولة الكونغو الديمقراطية إلى إخواتها دول البحيرات الاستوائية، طال الزمن أم قصر، خصوصاً بعد انضمام جنوب السودان. فتلك حتمية التاريخ والجغرافيا والسياسة.
لكننا نأمل أن تُعجِّل هذه التطورات بتطبيق الاقتراح الذي قدّمناه قبل أكثر من ثلاثة أعوام بعقد ورشة عملٍ تضمّ الخبراء الوطنيين السودانيين لمناقشة والاتفاق على موقفٍ سودانيٍ متكاملٍ وعلميٍ وموحّد يُخْرِج السودانَ من هذا النفق الضيّق المظلم الذي أدخله فيه الوفد المفاوض لمبادرة حوض النيل منذ أكثر من عشر سنوات.
Salmanmasalman@gmail.com

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com