• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي لمزيد من المقالات في منبر الرأي شرح القانون الجنائى لسنة 1991: جرائم العرض والآداب العامة والسمعة .. بقلم: نافع حامد المحامى
شرح القانون الجنائى لسنة 1991: جرائم العرض والآداب العامة والسمعة .. بقلم: نافع حامد المحامى طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 19 كانون1/ديسمبر 2010 11:12


شرح نصوص الباب الخامس عشرمن القانون الجنائى لسنة 1991
جرائم العرض والآداب العامة والسمعة

nafei46@hotmail.com
فى هذا المقال نبدء باستعراض نص وعقوبة جريمة الزنا مع شرح وافى أضافة الى سابقة قضائية وفى المقالات القادمة سوف نتناول النصوص الاخرى من هذا الباب.
145ـ (1) يعد مرتكباً جريمة الزنا :
(أ ) كل رجل وطئ امرأة دون رباط شرعي ،
(ب) كل امرأة مكنت رجلاً من وطئها دون رباط شرعي ،
(2) يتم الوطء بدخول الحشفة كلها أو ما يعادلها في القبل .
(3) لا يعتبر النكاح المجمع على بطلانه رباطاً شرعياً .

عقوبة الزنا.
146ـ (1) من يرتكب جريمة الزنا يعاقب :
(أ ) بالإعدام رجماً إذا كان محصناً ,
(ب) بالجلد مائة جلدة إذا كان غير محصن .
(2) يجوز أن يعاقب غير المحصن الذكر ، بالإضافة إلي الجلد بالتغريب لمدة سنة .
(3) يقصد بالإحصان قيام الزوجية الصحيحة وقت ارتكاب الزنا على أن يكون قد تم فيها الدخول .
(4) من يرتكب جريمة الزنا في الولايات الجنوبية , يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سنة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً , فإذا كان الجاني متزوجاً فبالسجن مدة لا تجاوز ثلاث سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً .

مسقطات عقوبة الزنا .
147ـ تسقط عقوبة الزنا بأي من السببين الآتيين :
(أ ) إذا رجع الجاني عن إقراره قبل تنفيذ العقوبة وكانت الجريمة ثابتة بالإقرار وحده ،
(ب) إذا رجع الشهود عن شهاداتهم بما ينقص نصاب الشهادة قبل تنفيذ العقوبة .


الشرح:-

"جريمة" تعنى كل فعل معاقب علي بموجب أحكام هذا القانون أو أى قانون أخر.
"رجل" تعنى الذكر البالغ, " امرأة" تعنى الانثى البالغة, ويعتبر بالغاً كل من أكمل الثامنة عشرة ولو لم تظهر عليه علامات البلوغ.
تشير المادة أعلاه الى جريمة الزنا عامة سواء كان محصن أم غير محصن التى تقع عن طريق المعاشرة الجنسية بين رجل و امرأة ليس بينهما رابط شرعى واشترط لذلك شرطين هما:-
أن تتم العملية الجنسية كاملة وذلك بادخال مقدمة العضوء الذكرى كله أو ما يعادلة فى العضوء التناسلى لدى الانثى , بعملية أيلاج وخروج. أما الشرط الاخر هو أن لا يكون هناك زواج قائم بينهما وهو الرابط الشرعى كما أنه لا يعتمد بالزواج الفاسد أو المؤقت .
العقوبة:
يعاقب مرتكب جريمة الزنا بالاعدام رجماً اذا كان المتهم متزوجاً زواجاً قائماً على الشرعية ومستمر,كما يعاقب بالجلد مائة جلدة اذا كان غير متزوج\ عازب, كما يجوز للقاضى أن يبعدة عن المدينة أو المنطقة أو الحى الذى يعيش به الى مكان أخر لمدة سنة كاملة. هناك أستثناء فى العقوبة بالنسبة الى الولايات الجنوبية لاختلاف الدين والعقيدة.
سقوط العقوبة:-
هناك حالتين تسقط فيهما عقوبة الزنا عن المتهم , ففى حالة أقرارة بارتكاب الجريمة ولم يكن هناك شهود عليه, ثم تراجع عن اقرارة هذا لدى المحاكم الاستئنافية على انه لم يرتكب جريمة الزنا وانه تراجع عن أقواله التى أدلى بها فى مرحلة التحرى والمحاكمة الابتدائية , فأن رجوعه عن أقرارة يعد شبهة تدرأ الحد,فتسقط القعوبة الحدية. أما الحالة الثانية من مسقطات العقوبة هى النصاب فى الشهادة عددأ وهو أربعة رجال ذوى عدل, فأذا قل النصاب فى الشهادة فتسقط العقوبة.
ومن أجل التوضيح ومزيداً من الشرح فيما سبق نورد سابقة حكومة السودان ضد..... المنشورة فى مجلة الاحكام القضائية لسنة 1992.


بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساًَ
سعادة السيد/ إسماعيل عطية موسى قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ عبد الرحمن شرفي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان / ضد / -------
النمرة : م ع / غ أ / 48 /1992م

المبادئ:
جنائي – الإحصان الموجب لإقامة الحد في جريمة الزنا – معناه – المادة 146(3) .
إثبات –الإقرار – جريمة الزنا – إدعاء الإكراه على ارتكاب الجريمة –في المراحل الاستئنافية – يعتبر شبهة تدرأ الحد - .
الإحصان الموجب لإقامة الحد في جريمة الزنا يستوجب تحقق شرطين أولهما قيام الزواج الصحيح وثانيهما الدخول أثناء قيام هذا الزواج .

إذا أقر المتهم بارتكاب جريمة الزنا في مرحلة التحري والمحاكمة لدى محكمة الموضوع ثم ادعى لدى المحاكم الاستئنافية بأنه استكره على ارتكاب جريمة الزنا فإن هذا الادعاء يعتبر شبهة تدرأ حد الزنا .
المحامون :
الأستاذ/ عبد الرحمن محمد هارون عن المتهمة

ملحوظة المحرر:
1- هذا الحكم خالف ما أرسته المحكمة العليا في قضية ........
مجلة الأحكام القضائية 1985م ص 91 والتي أيدت محكمة الموضوع بإدانة المدانة بجريمة الزنا الحدية والحكم عليها بالإعدام رجماً حتى الموت رغم ادعاء الإكراه .
3- لأحكام القضائية 1983م التي خالفت ا جرى عليه العمل وأعادت الأوراق لمحكمة الموضوع لاستيضاح المتهم عن رجوعه في الإقرار .
الحكم
القاضي: علي يوسف الولي
التاريخ: 2/4/1992م
هذا طلب استئناف تقدم به لهذه المحكمة العليا المحامي عبد الرحمن محمد هارون نيابة عن المدانة التي أدانتها محكمة جنايات تندلتي بجريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة تحت المادة 145(1) (ب) المعاقب عليها تحت المادة 146(1) (أ) من القانون الجنائي لسنة 1991م بالرجم حداً . كما وصل إلى هذه المحكمة استئناف من المدانة نفسها بواسطة رئيس محكمة استئناف الولاية الوسطى وفي نفس الوقت رفعت محكمة الموضوع أوراق هذه القضية لهذه المحكمة عملاً بالمادة 181 إجراءات جنائية لسنة 1991م وبالمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ وذلك للتثبت والتروي والتيقن من سلامة وصحة هذا الحكم الحدي وللاطمئنان لى التأويل السليم والتطبيق الصحيح لأحكام الشريعة السلامية السمحاء ونصوص القانون الجنائي المستمد منها .
يرى المحامي عبد الرحمن محمد هارون أن المدانة المذكورة لم تكن متزوجة وقت ارتكابها جريمة الزنا التي تقر بها وبالتالي يرى أن المدانة وقت ارتكابها الفعل لم تكن هنالك زوجية صحيحة ولم تكن في عصمة شخص وإنما كانت غير متزوجة وبالتالي فهي غير محصنة .
نوجز الوقائع في أن المدانة المذكورة في حوالي يوليو سنة 1990م مكنت رجلاً من وطئها دون أن يكون بينهما رباط شرعي حتى حملت منه سفاحا وقامت بدفن الجنين في منزلها في حي بئر المجلس بتندلتي وقد كانت المدانة متزوجة زواجاً شرعياً وصحيحاً أنجبت من زوجها ولداً عمره الآن حوالي ثلاث سنين إلا أن زوجها طلقها وبعد الطلاق قامت المدانة بارتكاب جريمة الزنا التي أدانتها بموجبها محكمة جنايات تندلتي وقضت عليها بعقوبة الرجم حداً . لا أثناء التحري ولا أثناء المحاكمة لم تدفع المدانة بأنها استكرهت على ارتكاب جريمة الزنا كما أنها لم تدفع أمام محكم الموضوع بأن اعترافها بجريمة الزنا لقاضي الجنايات وللمتحري قد انتزع بالإكراه وكانت في جميع مراحل التحريات لدى الشرطة والمحاكمة أمام محكمة الموضوع تقر بجريمتها وأنها عندما ارتكبت تلك الجريمة كانت مطلقة من زوجها السابق .
إلا أن محاميها –كما أسلفت _ دفع في مذكرة الفحص لهذه المحكمة العليا بأن المدان عندما ارتكبت جريمتها التي تقر بها دون إكراه كانت غير محصنة وكأني به يسعى لدرء حد الرجم والإبقاء على حد جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145(1)(ب) والمعاقب عليها بالجلد مائة جلدة في المادة 146(1) (ب) من القانون الجنائي لسنة 1991
وأما المدانة في مذكرتها الأولى التي وصلت لهذه المحكمة العليا ن طريق سلطات السجن قالت :_
" وأنا لم يسبق لي الزواج"
وهي بذلك تود أن تدرأ عنها عقوبة الرجم الحدية مستسلمة للعقوبة الحدية المذكورة أعلاه لجريمة الزنا رجل بواسطة امرأة غير محصنة .
ولكنها ترجع وتقول في مذكرتها الثانية التي وصلت أيضاً عن طريق الجهات الرسمية بما يشير إلى لأنها استكرهت على ارتكاب الزنا في قولها :_
" صادفني أحد رجال الشرطة ......... وقال لازم أقابله .......... وقابلته في المكان الذي حدده ووجدت أمامه زجاجتين من مشروب البيبسي ناولني واحدة وأخذ هو الثانية .....وشعرت بنعاس وفعلاً نمت وعندما صحوت وجدت نفسي مغتصبة ....".
وهكذا يدفع محامي المدانة بأنها غير محصنة وقت ارتكاب الجريمة وتدفع المدانة بأنها غير متزوجة وقت ارتكاب الجريمة وأنها استكرهت على ارتكاب الجريمة وكل هذه الدفوع لأول مرة ترد أمام المحكمة العليا ولم تشر لها المدانة من قريب أو من بعيد في إجراءات تحريات ومحاكمة القضية .
الأسباب
بعد استقراء يومية التحري ومحضر المحاكمة الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة المحامي عبد الرحمن محمد هارون محامي المدانة ومذكرتي المدانة نفسها الأولى والثانية وبعد الرجوع إلى نصوص القانون الجنائي لسنة 1991م وإلى آراء جميع فقهاء الإسلام الذين أخذ عنهم المشرع السوداني ذلك التشريع ، أرى أن المدانة لم ترتكب جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145(1)(ب) والمعاقب عليها بالرجم حداً فى المادة 146(1)(أ) من القانون الجنائى 1991 كما قضت محكمة الموضوع لانها كانت غير محصنة فى تاريخ أرتكاب الجريمة ولكنها ارتكبت جريمة الزتا برجل بواسطة إمرأة غير محصنة المعرفة فى المادة 145(1) (ب) المعاقب عليها بالجلد مائة جلدة فى المادة 146(1) (ب) ذات القانون وذلك اتفاق على ما رأى محامي المدانة عبد الرحمن هارون في مذكرته أمام هذه المحكمة العليا لأن عناصر تلك الجريمة ثابتة وذلك ارتكازاً على إقرار المدانة المذكورة وحده في جميع مراحل تحريات هذه القضية المؤيد والمعضد والمعزز بالأدلة الطبية والظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي أحاطت بوقائع الجريمة إلا أن ما أشارت إليه المدانة في مذكرتها الثانية أمام هذه المحكمة العليا بأنها استكرهت على ارتكاب جريمة الزنا يشكل عدواً ضمنياً عن إقرارها الوارد في جميع مراحل تحريات ومحاكمة القضية مما يؤدي إلى درء العقوبة الحدية لجريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المنصوص عليها في المادة 146(1)(ب) من القانون الجنائي لسنة 1991م وهي الجلد مائة جلدة على أن توقع ليها عقوبة تعزيرية وفقاً لنص المادة 39 من القانون الجنائي لسنة 1991م هي السجن بما قضت من مدة حتى تاريخ إخطارها بهذا الحكم .
وواضح أن القانون الأصلح للمدانة
هو القانون الجنائي لسنة 1991م وليس قانون العقوبات لسنة 1983م الذي ارتكبت الجريمة في ظله سنة 1990م .
إن الأركان الأساسية التي تنبني عليها جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145(1)(ب) والمعاقب عليها بالجلد مائة جلدة في المادة 146(1) (ب) ن القانون الجنائي لسنة 1991م .
نستطيع أن نوجزها في الآتي :_
1- أن تمكن المرأة رجلاً من وطئها .
2- أن يكون الوطء دون رباط شرعي .
3- أن تكون المرأة غير محصنة .
4- أن يكون الوطء في موضع خارج الولايات الجنوبية.
إن البينة الشرعية الوحيدة التي إستند عليها الإتهام في إدانة المدانة تتمثل في إقرارها أو إعترافها القضائي دون البينة الشرعية الأخرى المتمثلة في شهادة الشهود وفقاً للنصاب الشرعي للشهادة و ذلك لإنعدام شهود العيان في قوت إرتكاب الجريمة.
ومعلوم إن القاعدة العامة التي تحكم قبول الإقرار أو الإعتراف كبينة شرعية هي ضرورة الركون إليه ككل دون تجزئته لأنه لا يجوز- عدالة وإنصافاً أخذ ما هو ضد المعترف أو المقر وترك وطرح ما هو في صالحه.
ولكن جرى وتواتر وأستقر وإنتهى قضاؤنا على وضع إستثناءات معينة لهذه القاعدة العامة هي أن ترفض المحكمة أجراء الإقرار أو الإعتراف التي تتجافى وتتعارض مع العقل والمنطق السليم والمجرى العادي للأمور الطبيعية ولا تتفق وطبائع الأشياء والظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي تحيط بوقائع القضية وأن ترفض المحكمة أيضاً تلك الأجزءا من الإقرار أو الإعتراف التي تناهضها وتدحضها بينات أخرى والتي لا تطابق الحقيقة والواقع لأن المقر أو المعترف حشرها حشراً لتبرير أفعاله الإجرامية كإدعاءات وأكاذيب باطلة و إختلاقات و إفتراءات لا أساس لها من الصحة والواقع مما لا يركن إليه وجدان المحكمة ولا يصدقه الضمير ولا يطمئن لصحة الرواية ولا تستيطع المحكمة أن تكون عقيدتها تجاهه عن قناعة تامة.
ومعلوم إن للإقرار أو الإعتراف ضوابط وشرائط لابد من توافرها لتجعله جديراً- كشريحة من الشرعية- بإثبات الجريمة الحدية فوق كل الشبهات ودون مرحلة الشك المعقول وهذه الضوابط هي:
1- يجب أن يكون المقر عاقلاً وبالغاً سن المسئولية التي يتنص عليها القانون وغير محجور عليه وحسب نص المادة 23 (1) من قانون الإثبات لسنة 1983م.
2- يجب أن يكون الإقرار صحيحاً وليكون الإقرار كذلك يقتضي أن يصدر عن طواعية وإختيار وألا يكون نتيجة لإغراء أو إكراه حسب منطوق المادة 24 (1) من قانون الإثبات لسنة 1983 وألا يكون نتيجة لوعيد أو تهديد أو تعذيب أو وعد.
فإذا أرتكب المتهم الجريمة الحدية وأقر بذلك في مرحلة تحريات البلاغ لدى الشرطة وفي مرحلة المحاكمة أمام محكمة الموضوع ولكنه دفع في إقراره بأنه أرتكب الجريمة الحدية نتيجة إكراه وأثبت ذلك أمام محكمة الموضوع بالدليل القاطع فإن شبهة الإكراه في هذه الحالة قوية تمحو وصف الجريمة الحدية ويترتب عليها براءة المتهم نهائياً ويخلي سبيله من غير أية مساءلة جنائية والسند والحجة على ذلك ما ورد في محكم التنزل قوله عز وجل:
" إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان".
الآية (106) سورة النحل (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) الآية (33) سورة النور.
على الإقرار بواسطة الشرطة ولم يقم دليل على هذا الإكراه ولكن هذا يعني عدوله عن الإقرار....) وقالت المحكمة العليا على ص15 في قضية حكومة السودان ضد.... مجلة الأحكام القضائية سنة 84 ما يلي:-
( إن المتهم تقدم بإستئناف أنكر فيه إقراره بالزنا وإن الإقرار الذي جاء بيومية التحري كان تحت الضرب والتهديد.. وعلى كل فإنه يواخذ بإقراره وكان يجب حده- ولكن إنكاره الإقرار من خلال عريضة الإستئناف ولتكذيب الطرق الأخرى له فإنه يسقط عنه الحد- ويجب تعزيره....).
( ترى المحكمة إن ما إدعته المتهمة من إكراه لإرتكاب الجريمة قول يعوزه الدليل و ما جاء في أقوال المدانة في التحري و أثناء المحاكمة و ما ذكرته في طلب الإسترحام يجعل المحكمة تستيقن إنه لم يكن هنالك إكراه قد وفع على المدانة. فلقد ذكرت في التحري إنه قد تم الإتصال بها جنسياً مرتين وإنها قد خافت وسمحت له بالإتصال وذكرت في المحكمة إنه إتصل بها وهي نائمة....وذكرت في طلب الإسترحام...إنه قد إستعمل معها القوة لإرتكاب الجريمة وهي ترعى معه بهائمهما في الخلاء....الثابت إن المتهمة قد مكنت الزاني من إيتان الفاحشة معها وكانت مختارة في ذلك وطوال هذه الفترة لم تبلغ السلطات بالحادث والإكراه وقع عليها....).
"إن عريضة المتهم للفحص قد إشتملت فعلاً عن رجوع ضمني عن الإقرار و هذا لا يؤثر في سلامة قرار المحكمة السابقة وإجراءاتها ولا يعطي المحكمة العليا حقاً بموجب سلطاتها في الفحص أن تسقط العقوبة أثناء نظر الفحص بل هذا من حق المحكمة التي أصدرت الحكم بأن تنظر في الرجوع عن الإقرار الوارد بالعريضة وتستوضح المتهم عنه.....فإن صرح برجوعه يسقط عنه الحد تبعاص لجمهور الفقهاء الذين يشترطون في الإقرار عندما يكون هو الدليل الوحيد للإثبات (ألا ينزع عنه المقر حتى يقطع...)".
3- يجب أن يكون الإقرار قضائياً حسب نص المادة 20 من قانون الإثبات لسنة 1983م.
4- يجب ألا يعتري الإقرار أية شبهة.
العدول عن الإقرار في مرحلة الإستئناف أو التأييد أو الفحص عندما تكون أوراق قضية الحكم أمام محكمة الإستئناف أو المحكمة العليا و من ثم يجوز لمحكمة الإستئناف أو المحكمة العليا بناء على عدول المدان عن إقراره في عريضة الإستئناف أو مذكرة الفحص أن تقرر درء الحد وإصدار عقوبة تعزيرية بسبب شبهة العدول عن الإقرار ففي قضية حكومة السودان ضد..... مجلة الأحكام القضائية سنة 1984 ص94 قضت المحكمة العليا بأنه لما كان إنكار الإقرار بإرتكاب جريمة الزنا في مرحلة الإستئناف جائزاً بل يعتبر رجوعاً عن الإقرار كشبهة تدرأ الحد ولما كان يجوز العدول عن الإقرار بالزنا قبل تنفيذ الحكم وفقاً للمادة 77 (أ) من قانون الإثبات لسنة 1983م فإنه يتعين توقيع عقوبة تعزيرية على المتهم تسقط الحد.
5- يجب أن يكون الإقرار صريحاً ومبيناً ومفصلاً في إرتكاب الجريمة وشاملاً ومثبتاً لجميع أركانها.
دعني بعد ذلك أناقش الأركان الأساسية التي تقف عليها جريمة الزنا برجل بواسطة إمرأة غير محصنة لأبين كيف إن المدانة قد إرتكبتها دون مرحلة الشك المعقول إرتكازاً لإقرارها القضائي وفقاً لشرطه وضوابطه على نحو ما سلف بيانه.
س1 هل مكنت المدانة رجلاً من وطئها؟
ج1 نعم.

عندما تمكن المرأة الرجل من وطئها ذلك يعني أنها كانت موافقة طواعية وإختيار ودون إكراه إو إرهاب أن يدخل حشفة ذكره كلها أو ما يعادلها في قبلها أي في فرجها وليس في دبرها أو أي موضع آخر من جسمها. وبإستقراء البينة الشرعية في هذه القضية التي بين أيدينا والمتمثلة في إقرار المدانة ثابت إن رجلاً مجهولاً يدعى (التاج) واقعها بإختيارها مرتين بإدخال ذكره في فرجها إلي أن حملت منه سفاحاً ودفنت الجنين في داخل منزلها و ذلك تقريباً في يوليو سنة 1990م والقرار الطبي عن المدانة يعضد إقرارها بشأن هذه الوقائع و أما دفاع المدانة بأنها إستكرهت على إرتكاب هذه الجريمة الحدية والذي أثارته في مذكرتها أمام هذه المحكمة العليا لا يجديها فتيلاً لأنها لم تثره ولم تثبته بالدليل القاطع أمام محكمة الموضوع بأي بينة مباشرة أو غير مباشرة بالظروف وقرائن الأحوال والملابسات المحيطة بوقائع الحادث كما فعلت المتهمة في قضية حكومة السودان ضد .....المشار إليها سابقاً ومن ثم لا يمكن أن تترتب على هذا الدفاع براءة المدانة لأن شبهة الإكراه هذه لن تمحو وصف جريمة الزنا على نحو ما سلف بيانه.

س2 هل الوطء دون رباط شرعي؟
ج2 نعم.
وفقاً لنص المادة 145(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م لا يعتبر النكاح المجمع على بطلانه رباطاً شرعيا ومهما يكن من شئ فإنه لم يرد على لسان المدانة كلثوم خليفة عجبنا في إقرارها في جميع مراحل إجراءات القضية بأن الرجل الذي أوقعها تربطه بها أية علاقة زوجية من أي نوع ولذلك لا حاجة بنا لمناقشة ما إذا كان النكاح في هذه الحالة باطلاً أم لا طالما نفت المدانة وجوده في الأساس وعليه أقرر –في إطمئنان- بأن المدانة المذكورة عندما مكنت ذلك الرجل من وطئها لم يعد هنالك رباط شرعي بينهما.
س3 هل كانت المدانة غير محصنة؟
ج3 نعم.
تنص المادة 146 (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م على أنه يقصد بالإحصان قيام الزوجية الصحيحة وقت إرتكاب الزنا على أن يكون قد تم فيها الدخول وعليه فإن للإحصان شرطين لابد من توافرهما لإعتبار الزاني محصناً وإذا تخلف أي واحد من الشرطين فإن الزاني يكون غير محصن وهما:
أ- قيام الزواج الصحيح:
يشترط القانون في الإحصان أن يكون الواطئ قد سبق له أن تزوج زواجاً صحيحاً و إن ذلك الزواج الصحيح قائم وموجود في الوقت الذي إرتكب فيه الواطئ جريمة الزنا- فبقاء الزواج لازم لبقاء الإحصان فلو تزوج الواطئ زواجاً صحيحاً ثم إنتهت العلاقة الزوحية وزنا بعد ذلك فإن قيام الزوجية الصحيحة وقت إرتكاب الزنا في هذه الحالة غير وارد وبالتالي لا يعتبر الواطئ محصناً. ففي القضية التي بين أيدينا وبناء على إقرار المدانة الذي أخذنا به ككل دون تجزئة وصدقناها فيما روت بأنها كانت قبل إرتكاب الجريمة متزوجة وعاشت مع زوجها لمدة ثلاث سنوات ثم بعد ذلك طلقها بعد أن أنجبت منه والداً الآن عمره ثلاث سنوات فالثابت إن المدانة المذكورة قبل إرتكابها جريمة الزنا كانت في عصمة رجل بمقتضى زواج صحيح ولكن في تاريخ إرتكاب جريمة الزنا كانت مطلقة وأما دفاع المتهمة في مذكرتها الأولى أمام المحكمة العليا بأنه لم يسبق لها الزواج مرفوقض والسؤال الذي يفرض ويطرح نفسه ويثور وتجب علينا الإجابة عليه ما إذا كان الطلاق ينفي قيام الزوجية الموجبة للإحصان وبالتالي ما إذا كان الزاني المطلق أو الزانية المطلقة يعتبر أو تعتبر غير محصن أو غير محصنة؟
" إن المحصنة بالزواج هي التي لها زوجها محصنها فإذا فارقها لا تسمي محصنة بالزواج- كما أنها لا تسمي متزوجة كذلك المسافر إذا عاد لا يسمي مسافراً... ولكن ما بال الثيب التي فقدت كلا الحصنين تعاقب أشد العقوبتين إذا حكموا عليها بالرجم؟ هل يعدون الزواج السابق محصناً لها وما هو إلا إزالة لحصن البكارة وتعويد للمارسة الرجال فالمعقول الموافق للفطرة هو ألا يكون عقاب الثيب التي تأتي بالفاحشة عقاب المتزوجة..." وذكر أبوزهرة:
": نرى من هذا إن هنالك حصنين: حصن البكارة التي تحافظ عليه صاحبته. ولكن مع ذلك كانت العقوبة الجلد لعزارتها ولقوة الطبع الدافع عند الرجل والمرأة على سواء".
والحصن الثاني حصن الزواج به تكاملت النعمة فتضاعف العقاب والتي فقدت الحصنين فزالت بكارتها بزواج ثم إنقطع تبفى لها قوة الطبع الدافعة فتكون عقوبتها هي أخف العقوبتين ولا نص يمنع ذلك لان العقوبة المشددة لم تثبت إنها تطبق على مثل هذه الحالة ولا حد من غير نص....".
ولقد أخذ مشروع القانون المصري المستمد من الشريعة الإسلامية بهذا الرأي حيث نص في المادة الرابعة في البند الرابع:
"يقصد بالإحصان حصول جماع مثل الزنا في نكاح صحيح قائم وقت إرتكاب الجريمة".
ورأيي إنه من المناسب والأفضل أن نأخذ برأي الإمام الصادق الذي أيده الشيخ رضا ووافقه العلامة أبوزهرة إذ الأخذ برأي الجمهور عليه مشقة وحرج خاصة في هذا الزمن المتشبع بالفتن والمفاسد كما إنه لا يوجد نص صريح يشترط فرض عقوبة الرجم في هذه الحالة وهذه شبهة تدرأ الحد عن المتهمة.
وعليه وبما إن المتهمة في هذا البلاغ قد طلقها زوجها قبل إرتكاب الجريمة..وهذا يعني إنه لم يوجد نكاح قائم ساعة إرتكاب الحادث.
وفي قضية حكومة السودن ضد ..... المشار إليها فقد قضت المحكمة العليا بأن حدوث الطلاق قبل إرتكاب جريمة الزنا ينفي وجود الإحصان الموجب للرجم لأن المطلقة لا تعتبر محصنة عند بعض الإئمة وقد جاء ذلك الحكم بما يتفق مع التفسير السليم والصحيح لنص المادة 146(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م.
ب- الدخول أثناء قيام الزواج الصحيح:
يشترط القانون في الإحصان أن يكون الزاني قد دخل أو الزانية قد دخل عليه أثناء قيام زواجه الصحيح بإمرأة أخرى أو أثناء قيام زواجها برجل آخر والدخول يجب أن يكون في القبل وليس في الدبر أو في موضع آخر من جسم المرأة والدخول دخول الحشفة كلها أما يعادلها. ففي القضية التي بين أيدينا ثابت من إقرار المدانة إنها أنجبت من زوجها الشرعي السابق قبل طلاقها منه ولداً الآن عمره ثلاث سنين وذلك دليل واضح بأن الدخول عليها قد تم أثناء قيام زواجها الصحيح قبل طلاقها بواسطة زوجها السابق.
عليهم لعدم توافر الشرط الأول من شرطي الإحصان وهو عدم قيام الزوجية الصحيحة وقت أن إرتكبت المدانة جريمة الزنا وذلك بسبب الطلاق فإن المدانة المذكورة تعتبر غير محصنة.
4- هل كان الوطء في موضع خارج الولايات الجنوبية ؟
ج 4: نعم .
بالطبع إذا كان مسرح جريمة الزنا في الولايات الجنوبية حيث لا تطبق أحكام الشريعة الإسلامية فإنها لا تكون حدية بل ستقع تحت المادة 146(4) من القانون الجنائي لسنة 1991م ولكن ثابت دون شك أن الجريمة التي نحن بصددها وقعت في بلدة تندلتي خارج الولايات الجنوبية .
عليه لتوافر جميع الأركان التي تنهض عليها جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة فإننا نقرر باطمئنان أن المدانة قد خالفت المادة 145/1 (ب) المعاقب عليها بالجلد مائة جلدة في المادة 146/(ب) من القانون الجنائي لسنة1991 م وعليه أرى إلغاء حكم محكمة الموضوع بإدانة المدانة بجريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة .
بعد أن بينا أن المدانة لم ترتكب جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145/(ب) والمعاقب عليا بالرجم حداً في المادة 146/1(أ) من القانون الجنائي لأنها غير محصنة وقت ارتكابها الجريمة المذكورة بل ارتكبت جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145/1 (ب) والمعاقب عليها بالجلد مائة جلدة في المادة 146/1(ب) من ذات القانون – يتعين علينا أن نوضح لماذا يجبب أن توقع على المدانة المذكورة عقوبة تعزيرية وفقاً لنص المادة 39 من نفس القانون دون العقوبة الحدية المذكورة .
إن السبب في ذلك هو عدول المدانة المذكورة ضمناً في إقرارها عندما أشارت –كما أسلفنا _ في مذكرتها الثانية لهذه المحكمة العليا بأنها استكرهت على ارتكاب جريمة الزنا . فان نكوص المدانة المذكورة عن إقرارها أمام هذه المحكمة العليا شكل شبهة درأت العقوبة الحدية عنها واستبدالها بعقوبة تعزيرية لأن الرجوع عن الأبرار جائز قبل القضاء وبعد القضاء ويصح قبل الإمضاء والتنفيذ وأثناء الإمضاء – أنظر قضية حكومة السودان /ضد /..... ساكن المشار إليها سابقاً ولأن الرجوع عن الإقرار بارتكاب جريمة الزنا حتى في مرحلة الاستئناف وأمام محكمة الاستئناف والتأييد أمام المحكمة العليا جائز - انظر قضية حكومة السودان/ ضد/ .......المشار إليها آنفاً .
وهذه المحكمة العليا عندما تدرأ العقوبة عن المدانة المذكورة بسبب عدولها عن الضمني عن إقرارها على ما سلف بيانه دون أن تأمر بإرجاع الأوراق لمحكمة الموضوع للتحقيق في ثبوت ذلك العدول إنما تتبع المنهج الذي جرى عليه العمل في المحاكم الأعلى -أنظر قضية حكومة السودان /ضد/ ..... وقضية حكومة السودان /ضد/ ....... المشار إليهما آنفاً .
وهذه المحكمة العليا عدما تدرأ العقوبة الحدية عن المدانة المذكورة وتستبدلها بعقوبة تعزيرية إنما تنصاع لأمر رسولنا المطاع الصادق الأمين في حديث عائشة ضي الله عنها قالت قال رسول الله _ صلى اله عليه وسلم _ :_
" إدرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم , فان كان له مخرج فخلوا سبيله فان الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .
وفي حديث علي رضي الله عنه _ أمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " ادرءوا الحدود بالشبهات , ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود " .
وفي حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مرفعاً " .
وأيضاً هذه المحكمة عندما تدرأ العقوبة الحدية عن المدانة المذكورة وتستبدلها بعقوبة تعزيرية إنما تتبع الآثار الوارد عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن عمر – رضي الله عنه –
" لأن اخطأ في الحدود بالشبهات احب إلي من أن أقيمها بالشبهات " وقد روي عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما :_" إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل ".
لهذه الأسباب مجتمعة أرى أن العقوبة التعزيرية المناسبة التي يجب توقيعها على المدانة المذكورة هي السجن بما قضت من مدة حتى تاريخ إخطارها بهذا الحكم وذلك وفقاً لنص المادة 39 من القانون الجنائي لسنة 1991م .
القاضي : إسماعيل عطية موسى .
التاريخ ك 16/7/1992م
بعد الإطلاع أوافق مولانا علي الولي في أن المدانة ليست محصنة لأنها كانت مطلقة وقت الفعل والإحصان يقصد به قيام الزوجية الصحيحة وقت ارتكاب جريمة الزنا على أن يكون قد تم في تلك الزوجية الدخول (انظر المادة 146/3 من قانون العقوبات لعام 1991م ومع أن المحكوم عليها لم تقدم أية بينة ( القسيمة مثلاً ) على زواجها السابق من رجل طلقها فعلاً قبل مدة من الحادث إلا أنه يجوز أن نقبل ما جاء في إقرارها الذي اعترفت ففيه بالزنا من رجل لا تعرف من اسمه إلا الاسم الأول (التاج) .
ولقد جاء في طلبات الاستئناف والاسترحام التي تقدمت بها بعد أن واجهت الحكم بالإعدام رجماً بالحجارة أنه لم يسبق لها أن زوجت بل هي بكر وقدمت شهادة من اللجنة االشعبية للحي الذي تسكنه بعدم زواجها السابق الذي ادعته وعلى كل حال فإن سبق لها أن تزوجت فالقدر المتيقن من الحقيقة أنها لم تكن ساعة الحادث محصنة سواء بسبب الطلاق أو بسبب كونها بكراً فالجريمة الحدية في حالة الزنا أم وقعت في حالتها فعقوبتها واحدة هي مائة جلدة لغير المحصن إذا ما أقرت على نفسها بالزنا واستمرت مصرة متمسكة و بذلك الإقرار ( انظر المادة 146/1 (ب) من القانون الجنائي لعام 1991م .
لقد أدانت محكمة الموضوع المدانة تحت المادة 145/1 (ب) المعاقب عليها بالرجم في المادة 146/1(أ) من القانون الجنائي لسنة 1991م ولكنا نرى أنها ليست محصنة بنفس القانون ما دام لم يثبت أمام محكمة الموضوع أن هنالك زوجية قائمة وقت ارتكاب المتهمة للفعل وبما أن المتهمة كانت مقرة بارتكاب الجريمة حتى تمت إدانتها أمام المحكمة بناء على إقرارها افقد تبدل الحال بعد صدور قرار الإدانة ووجدت نفسها مواجهة بجريمة حدية عقوبتها الإعدام رجماً بالحجارة وبالرجوع إلى ما جاء في الطلبات التي تقدمت بها وهي حبيسة السجن في انتظار توقيع العقوبة الحدية نجد إنها رجعت عن إقرارها بالزنا ففي يوم 22/1/1992م أي بعد يوم واحد من صدور الحكم بالرجم كتبت قائلة :" إنني متهمة تهمة باطلة لا يسندها دليل ولا يوجد فاعل حقيقي لهذه الفعلة حيث لا تتم إدانة من جانب واحد في جريمة حدية من أخص اختصاصاتها الشراكة في الفعل " وعليه طلبت المدانة إعادة النظر في فالموضوع بالعدل والإنصاف وقالت أن عدم التأكد من طرف الجريمة الآخر به شبهة قوية لصالحها أن اعترافها كان خوفاً من العقاب لأنهم وعدوها بالإفراج أن اعترفت وتقول خاب أملها وجاءت النتيجة رغماً عنها كما قالت " أؤكد لسيادتكم أنني لم أرتكب جريمة الزنا أبداً " .
وفي طلب استئناف آخر قالت :" لم يسبق لي الزواج وترجو أن ينظر في العادة الحكم ضدها علماً بأنني لم أحط بما حدث ولم أفعل ذلك اختياراًَ ولم تكتف بذلك بل رفعت طلباً آخر استأنفت فيه الحكم في أربعة صفحات من القطع الكبير ذكرت فيه تفاصيل أكثر قالت أنها بكر وعمرها 17 سنة وتعاني من الجوع والعري والفقر وقد طلق والدها والدتها التي تزوجت من رجل آخر وتسكن هي مع والدتها من دون نفقة من والدها وهي تعاني من الحرمان وغرر بها رجل من رجال الشرطة بعد أن وعدها الزواج وبعدها ارتكب معها الفاحشة وحبلت منه وتهرب منها وهددها بفتح بلاغ ضدها لأنه رجل قانون وستحاكم أن هي ذكرت اسمه خاصة وأنها لا تملك بينة ضده وتمت المحاكمة كما أراد الشرطي واسمه التاج . ويلاحظ أن هذا هو الاسم الذي ذكرته أول مرة دون أن تكشف حقيقة انه رجل شرطة واستطردت تقول انه قدم لها مشروباً شعرت بعده بنعاس ونامت فعلاً وبعدها صحت وجدت نفسها مغتصبة وحاولت إجباره على تنفيذ وعده بالزواج لكنه رفض ونفذ تهديده .
إن ما جاء في هذه الطلبات يعتبر عدولاً عن الإقرار والرجوع عن الإقرار يشكل شبهة تسقط عنها الحد ويجوز لها أن ترجع في إقرارها في أي وقت قبل تنفيذ العقوبة الحدية . ولنا في رسول الله صلى الله ليه وسلم أسوة حسنة فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يلتمس الستر على المجرمين بل كان يلقن من حضر إليه معترفاً بجريمته بأن يرجع عن إقراره وعلى الأخص في جريمة الزنا . فقد ثبت أنه عندما جاءه ماعز وأقر بالزنا رده النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات وكان يقول له لعلك قبلت لعلك لامست لعلك غمزت وقوله صلى الله عليه وسلم لراجمي ماعز ( هلاّ تركتموه ) وذلك عندما طلب منهم ماعز رده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . وكذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم عندما جاءته العامرية مقرة بجريمة الزنا فقال لها صلى الله عليه وسلم ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه .......... وكان غرضه صلى الله عليه وسلم أن يرجع المقر عن إقراره حتى تكون هنالك شبهة تدرأ الحد وهذا يعني أن التضييق في الحدود أمر محبب في الإسلام .
والرجوع لقانون الإثبات لعام 1983م نجد أن المادة 77 منه قد نصت على ثبوت جريمة الزنا بالإقرار الصريح في مجلس القضاء ما لم يعدل عنه قبل البدء في تنفيذ الحكم ويكون الإقرار ولو مرة واحدة في مجلس القضاء (مادة 78) من نفس قانون الإثبات لسنة 1983م وقد جاء في المادة 26/2 أن الرجوع في الأبرار في المسائل الجنائية يعتبر شبهة تجعل القرار بينة غير قاطعة كما أن الرجوع عن الإقرار يعتبر من الشبهات وتدرأ الحدود بالشبهات كنص المادة 80 /1و 2 من نفس القانون .
نرى أن نكتفي بعقوبة تعزيرية على المتهمة كلثوم هي المدة التي تقضيها بالسجن وقت صدور هذا الكم وعلمها به .
أما حديث المدانة عما كانت تعانيه من الجوع والحرمان وظروف عيشتها مع زوج والدتها وعدم صرف أبيها عليها بعد طلاق والتها فلم يسبق أن حققت في المحكمة وأكدته وهي ليست ظروف ملجئة للرذيلة .
والله ولي التوفيق .
القاضي : عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي
التاريخ : 27/8/1992م
أوافق على ما ذكره مولانا الأخ العالم علي يوسف الولي وقد تضمنت مذكرته كل ما ارتأيناه وتداولنا فيها خلال المداولة ومن ثم لا أجد ما يدعو للإضافة حتى لا تكون تكراراً من غير ففائدة – فقط أضيف أمراً أثار منا الدهشة وهو ما ذكره قاضي الموضوع بشأن الإحصان . ذلك أن نص المادة 146/3 من القانون الجنائي لسنة 91م صريح في الدلالة على أن ( قيام الزوجية الصحيحة ) شرط لصحة الإحصان , وهو بالفعل مأخوذ من مذهب الإمامية ( الجعفرية ) وهو اختيار الشيخ رشيد رضا والشيخ محمد عبده , وأعجب فيما أهدره قاضي الموضوع من جهد ووقت في موضع نص قانوني صريح , مستمد من الفقه الإسلامي وقائم على أدلة , ولا يسوغ في مثله الاجتهاد للقاضي .




(nafei46@hotmail.com)

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com