قراءة وتعليق في وثائق المؤتمر العام الثالث لحركة القوى الديمقراطية الجديدة (حق)
(1 من 5)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مقدمة:
أوصل لي مشكورا؛ الأخ بهاء بكري من حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق)؛ مجموعة الوثائق التي نوقشت في المؤتمر العام الثالث للحركة؛ والذي انعقد في الخرطوم في بداية يناير الجاري؛ مع طلب بالقراءة والتعليق إذا أمكن.
اطلعت على الوثائق؛ وان لم يتاح لي الوقت للتعليق عليها قبل انعقاد المؤتمر؛ لأسباب كثيرة؛ والآن بعد أن أصبحت هذه الأوراق وثائقا رسمية للحركة أجازها ذلك المؤتمر؛ فان واجب نقاشها أو النقاش معها لا يزال قائما؛ كجزء من النقاش بين القوى الديمقراطية السودانية.
من ناحية أخرى؛ فاني انتهز هذه الفرصة؛ لأهنئ حركة حق باختيار الأستاذة هالة عبد الحليم رئيسا للمكتب التنفيذي للحركة؛ باعتباره خطوة تاريخية جبارة في الحركة السياسية السودانية؛ ينبغي الاعتزاز بها ودعمها؛ وأعلن أسفي للتصدع الذي حصل في قوام الحركة إبان وعشية المؤتمر؛ والذي أتمني أن تعالجه الحركة ككل بالحكمة الجماعية؛ وبما يؤدي الي إعادة لحمتها من جديد.

لماذا الحوار مع حركة حق:
لقد كانت حركة حق؛ بالنسبة للكثيرين من العناصر والقوى الديمقراطية في السودان؛ بمثابة أملا جديدا وبمثابة الركيزة الأساسية؛ التي يمكن أن تتوحد معها أو عبرها القوى الديمقراطية السودانية؛ وكانت تجربتها تشكل أملا لكل القوى الديمقراطية؛ حيث تضامنت معها ووقفت مع إنجازاتها وتألمت لإخفاقاتها؛ ودعمتها دائما بالقلب والكلمة والرأى.
لم يكن ذلك لان حق قد ولدت بأسنانها؛ ولا لأنها قد أنجزت الكثير على المستوى التنظيمي؛ وقطعا ليس مداهنة أو تزلفا؛ كما يفعل الكثير تجاه بعض القيادات والأحزاب العاطلة؛ والمسماة زيفا بالكبيرة؛ وإنما بسبب من الوضوح الفكري والسياسي الذي تميزت به حق؛ وبسبب من المبدئية السياسية والاستقامة الشخصية لقائدها ومؤسسها الراحل الخاتم عدلان؛ والذي افني سنين حياته القصيرة؛ مناضلا من اجل التنوير والاستنارة؛ وما بدل تبديلا.
وعندما انقسمت حق الي جناحين؛ هما الجديدة والحديثة؛ فان هذا الانقسام قد كان جرحا لكل القوى والعناصر الديمقراطية حقا؛ وكانت قلوبنا وعقولنا لا توال؛ تقف مع إعادة اللحمة لحق؛ باعتبار ذلك خطوة كبيرة لإعادة ثقة القوى الديمقراطية في نفسها؛ وتوحدها اللاحق في كيان اكبر؛ واحتفظنا بمساحة من الود والاحترام لشقي الحركة؛ وقدرنا إنجازات كل منهما على الصعد الفكرية والسياسية؛ فالحديثة في بعض المواقف كانت متقدمة على الجديدة؛ وفي الأخرى كان قصب السبق للجديدة؛ لكن واقع الانقسام اضعف من عملية تطور التنظيمين معا في اتجاهات أكثر ايجابية؛ بل أدى لتضخم الجوانب السلبية؛ ولان تزيد المنزلقات الفكرية والسياسية التي كان يعاني منها كل جناح؛ لأسباب كثيرة من أهمها طبيعة التكوين النفسي والفكري لقادتهما؛ والتي لو تمت في إطار تنظيم واحد لكان في الإمكان تجاوزها سريعا بفعل الحوار والتداول الديمقراطي.
أقول هنا انه رغم ذلك التقدير الكبير لحق وقيادتها؛ إلا أن الديمقراطيون الحقيقيون قد كانوا دائما واضحون تماما في انتقاد ما يروه سلبيا أو قاصرا في اطروحات الحركة أو جناحيها؛ وفيما يتعلق بي شخصيا فقد أدرت نقاشات متعددة؛ شفهية وشخصية وفي المنابر العامة؛ مع العديد من قيادات حق؛ ومن بينهم الراحل العظيم الخاتم؛ لم تخل بعضها من الحدة؛ وان كانت دائما في إطار الاحترام المتبادل والحرص على مستقبل السودان.
اليوم على خلفية إجازة المؤتمر العام الثالث للأوراق مثار البحث؛ والمتعلقة ببرنامج الحركة وتكتيكاتها السياسية؛ وبقضية دارفور وقضية الهوية؛ وبوحدة القوى الجديدة؛ فإنني أرى انه قد أصبح ضربة لازب؛ فتح الحوار الشفاف والصريح مع حق؛ تقريظا للايجابي في تجربتها؛ ونقدا للسلبي؛ وفرزا للألوان؛ باعتبار أن هذا هو المدخل الوحيد والسليم؛ لأى وحدة ممكنة لقوى الديمقراطية والتغيير والاستنارة في السودان.

حركة حق وشعار السودان الجديد:
أبدا نقاشي لأوراق مؤتمر حركة حق الثالث؛ بمناقشة اطروحات عامة تتخلل هذه الأوراق وتسري في نسيجها سريان الدم في العروق؛ وهي مفاهيم القوى الجديدة والسودان الجديد؛ حيث تدعو حركة حق لوحدة القوى الجديدة أداة استراتيجية؛ ولبناء السودان الجديد كهدف استراتيجي لها..
إن هذا الطرح كما رصدناه؛ ظهر في أوائل وثائق الحركة؛ وهي وثيقة المنطلقات النظرية التي صدرت في عام 1995؛ وطورت الآن في صيغة معدلة؛ أجازها المؤتمر؛ وفي غيرها من الوثائق؛ كما تبدت في البيان الختامي للمؤتمر؛ وفي كامل الخطاب السياسي والفكري للحركة؛ بل حتى في اسمها؛ حيث تسمي نفسها حركة القوى "الجديدة" الديمقراطية؛ مقدمة الجدة على الديمقراطية.
إن كاتب هذه السطور قد كان من المؤيدين - لقرابة 7 سنوات- لشعار السودان الجديد؛ وقد حاولت جهدي المساهمة في الدعوة والتأطير لهذا الشعار؛ والنضال من اجل وحدة قوى السودان الجديد؛ بل لقد تصديت في مواقع كثيرة؛ وفي نقاشات مع تيارات وعناصر ديمقراطية؛ للدفاع عن هذه الأطروحة؛ وقد جمعت أهم ما كتبته في هذا الصدد؛ فكانت مسودة كتيب فاق ال200 صفحة؛ هو حصيلة كتابات في الأعوام 1998-2003؛ ومن هنا يتكون الخاص في اهتمامي بهذا الشعار في حياتنا العامة؛ فوق العام الذي يفرضه انتشار هذا الشعار؛ والنتائج السياسية المترتبة عن طرحه و تبنيه.
أقول هنا انه من التجارب العملية في المقام الأول؛ وبإعمال التحليل النقدي وتطوير الأدوات الفكرية في المقام الثاني؛ فقد توصل الكثيرون ممن دعوا للسودان الجديد - ووحدة القوى الجديدة أو وحدة قوى السودان الجديد- إلى أن هذا الشعار قاصر عن أن يقدم حلولا للمشكل السوداني؛ وانه قد اُفرغ من أى مضمون ايجابي؛ وان القوى التي دعت له قد اتخذته مطية لأسؤا الممارسات السياسية ممن يحسدهم عليها جهابذة السودان القديم؛ وانه قد أصبح الآن فرض عين على الديمقراطيين؛ أن يعيدوا تقييمهم لهذا الشعار؛ ناهيك عن أن يجعلوه شعارهم الأول والأساس.
في هذا الإطار؛ أعيد ما رصدته من مواقف نقاد شعار السودان الجديد؛ وذلك في مقالة كتبت عام 1998؛ حيث جاء فيها الآتي:
" إنّ المجادلات الرئيسية لمعارضي «السودان الجديد» يمكن تلخيصها في التالي:
النداء لـ «السودان الجديد» عام وفضفاض، وحافل بالعديد من الرؤى في داخله، الأمر الذي يجعل إمكانيات تفسيره متعددة، وإمكانيات تحديده من الصعوبة بمكان.
النداء مغامر، بمحاولته أن يضع تغييرات ثورية ضد ومتجاوزة لمستوى تطور البلاد و المجتمع.
النداء بمفاهيمه الجديدة هو ضد تراث، أساليب حياة، وتقاليد الشعب (يعنون هنا تراث، أساليب حياة وتقاليد الأقلية المتميزة).
النداء يُمثل المجموعات السياسية الصغيرة والأقليات العرقية، ولهذا فان تحقيقه يُمكنُ أن يجئ فقط بواسطة العنف وضد إرادة الأغلبية.
النداء يُمثل وجهة نظر قوى عسكرية، وفي هذا لا يختلفُ عن تجارب نميري والمشروع الحضاري للجبهة الإسلامية.
النداء يستثنى (أو يتجاهل) دور قوى ديمقراطية أخرى (الأحزاب التّقليدية) في النضال ضد النظام ومن أجل تأسيس الدولة الديمقراطية.. بهذا، فهو يُضعفُ الكفاح ضد الدكتاتورية، ويُعطِّل إمكانية تنفيذ برامج عامة تتفق عليها القوى الجديدة والتقليدية..
بعض من هذه المجادلات تَعتمدُ على الضعف الفكري للنداء، أو على نقص المناقشة، وانعدام الصيغة الموحدة له بين قوى «السودان الجديد» وأدوات دعايتها الفقيرة. بينما البعض الآخر يشوّه النداء بشكل متعمَّد، ولا يتورع عن نسج الأكاذيب في ذلك. فيما البعض الثالث واضح في دفاعه عن مصالحه الضيقة، وأيديولوجيته الخاسرة المتوارثة تحت ظل «السودان القديم». (عادل عبد العاطي: مفهوم السودان الجديد: خطوط عامة للبحث.)

إنني ارجع اليوم بعد سنوات؛ لاعترف واقر بأن معظم هذه الانتقادات قد كانت - ولا تزال - في محلها؛ وان القوى المنسوبة للسودان الجديد والقوى الجديدة؛ قد عجزت عن أن تتجاوز هذا النقد ؛ وعن أن وتقدم بديلا سياسيا وفكريا وبرامجيا متماسكا؛ يعمل تحت هذا الشعار. بل لقد أسائت هذه القوى الي هذا الشعار وابتذلته؛ خلال الأعوام الفائتة؛ ولا تزال؛ مما جعل الشعار يصبح مطية لكل مغامر؛ وجعل حتى الأحزاب الطائفية " تتسلبط" فيه؛ بل ويتبناه النظام الحاكم في السودان؛ والذي يظن أن نظام الإنقاذ 2؛ إنما هو  لب السودان الجديد.
أقول ان هذه الانتقادات قد كانت في محلها؛ وخصوصا ما يتعلق بعمومية ذلك الشعار وميوعته وعدم دقته؛ والدليل انه حتى في اطروحات الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وهي التنظيم الذي جاء بالشعار ولا يزال يطرحه؛ تتضارب التفسيرات للشعار؛ فمرة السودان الجديد يقوم عبر أجراء إصلاحات عميقة في السودان وتغيير جذري في العلاقات فيه - تحرير السودان - ؛ ومرة أخرى هو مفهوم جغرافي ضيق؛ يقوم على أن السودان الجديد هو جنوب السودان أو المناطق التي تسيطر عليها الحركة؛ ومرة ثالثة أن السودان الجديد هو سودان ما بعد نيفاشا؛ أى نظام الإنقاذ 2.
 فوق ذلك فان القوى التي طرحت ذلك الشعار؛ لم تحدد الآليات الممكنة لتنفيذه؛ وهل يمكن أن يتم بنائه وفق آلية ديمقراطية برلمانية؛ أم يتم عن طريق تغييرات ثورية - أقرأ لا ديمقراطية - ؛ وخصوصا إذا علمنا إن الشعار قد  ولد وراج وسط القوى المسلحة أو التي كانت تتهيأ لممارسة العمل المسلح؛ مثل الحركة الشعبية وفوات التحالف ومؤتمر البحة والتحالف الفيدرالي وحركة تحرير السودان والأسود والحرة؛ من تلك التي حملت السلاح؛ وحركة حق؛ من تلك التي كانت في فترة ما راغبة في حمل السلاح.
إن ما أتضح اليوم في الممارسة؛ إن شعار السودان الجديد لم يسهم في تطوير أى وعي ديمقراطي أو مدني؛ فالحركات التي رفعت شعار السودان؛ قد انتهكت حقوق الإنسان أيما انتهاك؛ ونذكر منها الحركة الشعبية لتحرير السودان و قوات التحالف السودانية؛ وكانت تحسم خلافاتها بالعنف والسلاح؛ وغابت فيها تماما المؤسسية ومبادئ الشفافية والقيادة الجماعية والحوار الديمقراطية؛ وغيرها من آليات تطوير الوعي والممارسة الديمقراطية.
ليس من الغريب في هذه الحالة؛ أن تنخرط هذه القوى في مغامرات عسكرية فجة؛ دفع ثمنها المواطنين المدنيين؛ وتعاملت معهم هذه القوى بانتهازية؛ باعتبارهم دروعا بشريا ولحما للمدافع؛ وضحايا طبيعيين للحرب؛ ولكل حرب ضحاياها كما نسب للعميد عبد العزيز خالد في حديثه عن جماهير منطقة مينزا الذين اضطروا للنزوح؛ بعد أن دعموا تنظيمه لسنوات؛ أو أن تلجأ الي التسويات الانتهازية الفوقية؛ عن طريق اقتسام السلطة مع النظام الفاشي وحزبه؛ كما تم في نيفاشا؛ وكما يتم طبخه في ابوجا وطرابلس وغيرها.
طرح حركة حق إذن لهذا الشعار؛ وان كان مفهوما في الفترات الأولى لنمو الحركة؛ حيث كان الشعار لا يزال طازجا؛ لا يصبح مفهوما اليوم؛ بعد عقد من الزمان تطورت فيه الحركة؛ وأُختبر الشعار في الممارسة العملية فلم يزد عن كونه خرافة؛ كما قال الأستاذ عثمان محمد صالح؛ وتمت تحته مجموعة من اسؤا الممارسات السياسية في السودان.
ما هي القوى الجديدة:
هذا يرتبط أيضا بتعبير القوى الجديدة؛ والتي تعمل الحركة على توحيدها؛ بل وقد أخذت اسمها منها؛ وهو تعبير يسير في نفس النسق الذي سار فيه شعار السودان الجديد؛ رغم أن الحركة كانت أكثر دقة هنا في تعريف ما تقصد بالقوى الجديدة؛ والتي تسميها مرات قوى الحداثة والنهضة؛ حيث تقول:
"إننا ندعو ونسعى إلى توحيد قوى الحداثة والنهضة في بلادنا، القوى الجديدة وقوى السودان الجديد. ما هي هذه القوى الجديدة؟ هل لها قاعدة اجتماعية ذات وزن؟ وعلى أي أساس ندعي نحن تمثيلها؟ " (المرجع: حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق) : المنطلقات الأساسية والقيم الكلية للبرنامج)
وتمضي الحركة لتحدد هذه القوى في التالي:
"قوى الحداثة والنهضة تتمثل في المنتجين بأذهانهم وأيديهم، من مثقفين ومهنيين، ومن عمال ومزارعين، ومن رأسمالية منتجة، وفى القوميات المهمشة والمسحوقة، وفى جماهير النساء الرازحات تحت القهر، وفى الشباب والطلاب التواقين إلى توظيف طاقاتهم الخلاقة وتحقيق كل ممكناتهم الشخصية. إنها المقابل السياسي والإجتماعى للنخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من رأسمالية طفيلية، وزعامات طائفية وقادة عسكريين ومن مثقفين ومتعلمين وبيروقراطيين مرتبطين بهم وغيرهم من المستأثرين بالنصيب الأوفى من خيرات الشعب، والبانين سيطرتهم على تجهيل الشعب وتغييبه، والتي شكلت وسيطرت على السودان القديم، ببنياته السياسية الدكتاتورية، بعلاقاته الطائفية المغلقة، بتخلفه الإقتصادى وبمظالمه الاجتماعية. إن حراس البنية الاجتماعية الحالية للسودان، وعلاقات السيطرة القائمة فيه هم قوى التخلف حتى ولو ضموا بين صفوفهم العلماء الأفذاذ الحائزين على الألقاب الأستاذية". (المرجع: المصدر السابق).
وتواصل لتكون أكثر تحديدا:
" قوى الحداثة والنهضة توجد في القطاع الحديث، حيث العلم والاستنارة، حيث الأساليب المتقدمة في الإنتاج، وحيث الإنتاجية الأعلى نسبياً، وحيث أساليب الحياة الحديثة، والمؤسسات العصرية والاتصال بالعالم والتعامل مع ظواهر التجديد وتيارات التغيير العاصفة. وتمتد أيضا على أرض السودان طولاً وعرضاً، وتنهض للتعبير عن نفسها من خلال الحركات القومية والإقليمية المناضلة من أجل سودان جديد، وعلاقات ديمقراطية بين المركز والأطراف، وقسمة عادلة للسلطة والثروة، ومشروع وطنى للنهضة الشاملة. " (نفس المرجع السابق)

إن مشكلة التعريفات المقدمة أعلاه؛ إنها لا تستند على سياق معرفي ثابت؛ فهي إذ تبدأ بتحديد هذه القوى اجتماعيا ؛ أى في شكل قريب من الشكل الطبقي الذي طرحه الشيوعيين من قبل ( طبقة عاملة ومزارعين ورأسمالية وطنية ومثقفين ثوريين )؛ تذهب في الفقرة التالية إلى تصنيفها مناطقيا وسياسيا؛ حيث تقول إنها توجد في القطاع الحديث؛ حيث العلم والاستنارة والعلاقات الجديدة الخ؛ كما تؤكد أنها توجد في طول السودان وعرضه؛ وتذهب تحديدا للقول أنها تعبر عن نفسها من خلال "من خلال الحركات القومية والإقليمية المناضلة من أجل سودان جديد، وعلاقات ديمقراطية بين المركز والأطراف، وقسمة عادلة للسلطة والثروة، ومشروع وطني للنهضة الشاملة. "
من الواضح إن هذا الطرح متأثر في تعريفه الأول بأدوات التحليل الشيوعية؛ ولا أقول الماركسية؛ حيث يرمي مجموعات وطبقات كاملة؛  أو يصنفها؛  في إطار مشروع سياسي معين؛ بناءا على انتمائها الطبقي؛ دون النظر إلى أن خيارات الناس تكون دائما فردية؛ ولا لواقع التجربة التاريخية؛  في تجارب النازية والقومية والأصولية الإسلامية مثلا ؛ حيث شكلت بعض العناصر القادمة من "الطبقات الكادحة" راس الرمح في ممارسات معادية للديمقراطية والتغيير؛ أما في تعريفه الثاني فهو يحاول أن يخرج من هذه العقدة؛ بالبحث عن هذه القوى وفق مفتاح مناطقي؛ يتحول الي مفتاح سياسي في النهاية.
ما هو هذا المفتاح السياسي؛ وخصوصا أن الحركة ترفض - نظريا - منطق الوصاية وجبر الناس - كلهم أو جلهم - لمشاريع رسالية فاشلة؛ دون رغبتهم وعلمهم؛ أو كما قالت محقة:
أن يزعم حزب ما، أو حركة ما، بأنه يمثل طبقة معينة من الطبقات الاجتماعية، أو قطاعاً معيناً من الشعب، أو قومية محددة من القوميات، دون تفويض صريح معبر عنه ديمقراطيا من قبل تلك الطبقة أو ذلك القطاع أو تلك القومية، ما هو إلا شكل من أشكال الوصاية المتغطرسة وادعاء ساذج بأن هناك عصاة سحرية لتحديد الأصول الطبقية والاجتماعية للأفكار والبرامج بمجرد النظر فيها، وتزييف فطير لإرادة الآخرين وتقييد للخيارات الشعبية، وتصور شمولي تخطاه التاريخ وأثبت خطله. " (المرجع السابق).
ما هو هذا المفتاح السياسي؛ انه كامن في هذه الجملة؛ والتي ستلقي ظلالها على كامل تحليل الحركة الفكري - السياسي؛ ومواقفها العملية في الممارسة:
"تنهض للتعبير عن نفسها من خلال الحركات القومية والإقليمية المناضلة من أجل سودان جديد، وعلاقات ديمقراطية بين المركز والأطراف، وقسمة عادلة للسلطة والثروة، ومشروع وطني للنهضة الشاملة. ." (المرجع السابق)
إننا قد وضعنا خطا تحت عبارة " من خلال الحركات القومية والإقليمية المناضلة من اجل سودان جديد"؛ باعتبارها هي المفتاح الذي تلجأ له الحركة الآن لتفسير الواقع السياسي والتعامل معه؛ ورغم أن الوثيقة قد تحدثت عن أهداف أخرى عرفت بها هذه الحركات؛ من تبنيها لعلاقات ديمقراطية بين المركز والإطراف؛ وقسمة عادلة للسلطة والثروة؛ ومشروع وطني للنهضة الوطنية؛ إلا إننا نعتقد إن ما يذكر أولا؛  يكون دائما أكثر أهمية؛ وبذلك نركز عليه؛ في ظل المفاهيم الغائمة لبقية العبارات.
ماذا يعني مثلا؛ تعبير علاقات ديمقراطية بين المركز والأطراف؛ ولماذا يغيب ذكر العلاقات الديمقراطية في المركز نفسه؛ والعلاقات الديمقراطية في الأطراف؛ وما هي القسمة العادلة للثروة والسلطة؛ وهل قسمة الثروة تتم بقرار إداري؛ أم هي تعتمد على تفعيل علاقات السوق وتشجيع المبادرة الحرة؛ وهل يفترض علينا أن نرعى نمط الدولة الريعية التي تتحكم في الرزق؛ أم نسعى لترسيخ اقتصاد وعلاقات السوق؛ وتنقيتها من المحسوبية والفساد الخ ؛ وهل التوزيع العادل للسلطة يتم في أى إطار آخر ؛ غير الإطار الديمقراطي البرلماني؛ حيث صوت واحد لكل فرد واحد؛ أم وفق مساومات سياسية من شاكلة اتفاقيات  أديس ابابا ونيفاشا؛ ليس فيها من صوت للمواطن؛ وما هو المشروع الوطني للنهضة الوطنية؛ ومن يتبناه وكيف ولماذا؟
الثابت إن القطاع الحديث؛ كما القطاع التقليدي؛ والمركز كما الإطراف؛ تعاني من الانقسام الأفقي وليس الرأسي؛ بين قوى الديمقراطية وقوى التسلط؛ بين قوى الاستنارة وقوى التخلف والتجهيل؛ بين قوى التسلط والمحسوبية والعلاقات الفاسدة؛ وبين قوى المنتجين بشرف ومبادرة وكدح؛ وان الشكل الوحيد لمعرفة انتماء الفرد المعين لأحد المعسكرين؛ ليس هو في التقسيم الطبقي أو المناطقي؛ وإنما في موقف الفرد السياسي والفكري المعلن؛ مهما كان موقعه الاجتماعي الطبقي أو المناطقي.

القوى الجديدة أم القوى الديمقراطية والسودان الجديد أم البديل الديمقراطي الليبرالي العلماني؟
سيطرة فكرة السودان الجديد؛ تجعل حق ترى تلك الحركات التي ترفع شعار السودان الجديد؛ من ضمن قوى الحداثة والنهضة؛ حتى إذا كانت هذه القوى عسكرية مركزية قمعية قاهرة لحقوق الإنسان؛  ومفتقرة لأبسط القواعد المدنية في تعاملها مع عضويتها ومع الجماهير؛ وتفتقد للبرنامج السياسي والتنموي؛ مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ أو كانت حركات عسكرية فجة؛ قائمة على مركزيات عرقية أو جهوية؛ مثل حركة تحرير السودان أو غيرها.
التشبث بفكرة السودان الجديد الغائمة وغير المحددة؛ وتعبير القوى الجديدة المتناقض وغير المحدد؛ يجعل الحركة في النهاية ترى القوى الجديدة في تلك التشكيلات السياسية التي تلهج بشعار السودان الجديد؛ مهما كانت مرجعيتها وممارستها متخلفة ولا ديمقراطية؛ والدليل هو التقارب الشديد بين حركة حق والحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وخطوات التقارب والعمل المشترك؛ التي افتر عتها الحركة سابقا مع قوى عسكرية وذات مركزيات عرقية أو جهوية؛ لا علاقة لها بالحداثة ولا التنوير؛ ومثقلة باسقطات شمولية عنيفة؛ أو ممارسات ديكتاتورية وقمعية مسجلة.
كذلك هذا يفسر؛ غياب تعبير " وحدة القوى الديمقراطية " من الخطاب السياسي والفكري للحركة؛ والاستعاضة عنها مرة بوحدة القوى الجديدة؛ ومرات وحدة اليسار؛ ومرات أخرى قوى الحداثة والنهضة؛ الخ؛ باعتبار أن تعبير القوى الديمقراطية تعبير محدد ويمكن ضبطه؛ بينما التعبيرات المستخدمة تعبيرات عامة ومائعة لا يمكن ضبطها؛ وتفتح الباب لإدخال المغامرين العسكريين ولوردات الحرب وحركات المركزية العرقية والأحزاب الشمولية الشيوعية والقومية وسط القوى الجديدة المزعومة.
هذا أيضا يفسر؛ الجسور التي تخلقها الحركة مؤخرا؛ مع التنظيم الشمولي المرتبط بأكثر التجارب الشمولية دموية وعنفا؛ والمربوط تاريخه في السودان بممارسات فظة من التفكير الانقلابي والممارسات الانقلابية والمركزية القاتلة واغتيال الشخصية واستلاب حقوق الفرد الخ؛ والمسمي بالحزب الشيوعي السوداني؛ تحت قيادته الحالية؛ وقبل أن ينجز تيار التجديد فيه القطع السياسي والفكري مع منهج الشمولية وممارساتها.
كذلك لا نستغرب؛ في تعامل الحركة أو تقاربها؛ مع تنظيمات حققت تجاههم؛ في مرحلة مبكرة؛  نقدا سليما لتجربتهم الفكرية والسياسية والتنظيمية في السودان والمنطقة؛ وهي أحزاب القوميين العرب من بعث وناصريين؛ بكل تشكيلاتهم وانقساماتهم؛ قبل أن يجروا التحول الديمقراطي المطلوب في مناهجهم؛ وقبل أن يعلنوا ويمارسوا القطع الفكري والسياسي والتنظيمي مع الفكر القومي العربي المدمر في واقعه السودان؛ ومع تراث التسلط والقمع الناصري البعثي؛ ومع بنائهم لأحزابهم امتدادات لأنظمة عربية شائهة داخل السودان.
في مقابل وحدة قوى السودان الجديد الغير محددة؛ أو القوى الجديدة المصنفة إما طبقيا أو مناطقيا؛ أو وحدة اليسار التي ستفتح الباب للشموليين الشيوعيين والقوميين؛ فإننا كنا نتوقع من حركة حق؛ بما توفر لها من وضوح فكري وسياسي عبرت عنه وثائقها الأولي؛ عندما أنجزت قطعا واضحا مع المنهج الشمولي؛ أن تدعو لوحدة القوى الديمقراطية (والليبرالية والعلمانية)؛ وذلك للأسباب التالية:
القوى الديمقراطية هي كيانات سياسية؛ يمكن معرفتها بدقة وبالتحديد؛ وليست قوى اجتماعية أو مناطقية عامة أو غائمة؛ يدعي الكثيرون الحديث باسمها؛ دون أن يكون لهم أى تفويض منها لذلك.
تحديد ديمقراطية اى قوة؛ أمر من الممكن معرفته؛ وذلك بمراجعة منهجه الفكري؛ وبرنامجه السياسي؛ وممارسته التنظيمية والسياسية؛ وبذلك يتم قفل الباب على كل الشموليين من كل شاكلة ولون؛ والذين يغطوه علي شموليتهم بالحديث باسم السودان الجديد والقوى الجديدة والقوى الحديثة الخ .
وحدة القوى الديمقراطية؛ هي خطوة في بناء وترسيخ حزب ديمقراطي متين وقوى وعريض؛ يستطيع أن يجابه - برلمانيا وانتخابيا - القوى التي أنتجت الأزمة؛ من طائفيين وعقائديين وتجار حرب؛ ويقفل الطريق على مناهج الحرابة والتسوية؛ وينجز مشروع الاستنارة والتغيير في السودان
وحدة القوى الديمقراطية؛ تكفل ضمان الطريق الجماهيري السلمي للتغيير؛ وعدم إغراق البلاد في حروب ومغامرات عسكرية جديدة؛ يبدو أن ما يسمي بقوى السودان الجديد مولعة بها؛ ولا تتوقف عنها إلا اضطرارا؛ لتمارس بعدها اسؤا الصفقات؛ مع "أعداء " الأمس. كما أن وحدة القوى الديمقراطية تكفل ترسيخ الوعي المدني والديمقراطي؛ في صفوف المناضلين والجماهير المخاطبة.