عرض نقدي لكتاب الخاتم عدلان (آن أوان التغيير) (1994)

                                           1
كتب الخاتم “آن آوان التغير" ( فرغ منه في1991) عن وجوب أن يغير الحزب الشيوعي ما بنفسه ونشرها في طبعة ثانية في فبراير  1994 في "الشيوعي"، مجلة الحزب الشيوعي السوداني النظرية. وهو تغيير أزف في نظر الخاتم من جهة انحطاط نظم الاشتراكية التي تركت عصر البطولة من خلفها وتحولت بأحزابها إلى بديل للطبقة العاملة التي جاءت باسمها إلى الحكم فأذاقتها الويل. ولم يكن فساد الماركسية ووجوب التخلص منها هو شاغله بصورة منهجية. بل جاء  إلى إبطال الماركسية من جهة قعود حزبه دون بلوغ مراق كان قد التزم به. فهذا الفشل هو الذي قاد الخاتم ليقول بصورة عامة "إن السير بالطريقة القديمة لم يعد ممكناً. فالإيدوجية القديمة (الماركسية) لم تعد ملهماً للأجيال الجديدة ولا مفجراً لطاقاتها ولا جامعاً لقوى التغيير" (صفحة 12).
ليس مهماً كيف جاء الخاتم إلى نقض الماركسية. ولكنه متى انشغل بالأمر وقعت عليه تبعة أن    ينقضها وجهاً لوجه، نصاً وممارسة، كما هي السنة المتبعة. ولذا نستغرب كيف أبطل الخاتم نظرية خدمها طويلاً أكثر عمره القصير بغير ذكر نص ماركسي واحد سوى إشارة عرجاء لماركس عن نبل البروليتاريا لم يحسن حتى توثيقها. ولم ير غضاضة بالاستعانة بكتاب لمبطل كبير للماركسية هو  ألان توفلر "تحول القوة" (  Power Shift). ولم يزد عليه كمرجع على الماركسية أو لها على طول كتابه الذي بلغ 110 صفحة.      
لم نأت بالضمور المرجعي المطلق لكتاب الخاتم جزافاً. فالتخلي عن عقيدة كالماركسية لمن التزمها كالخاتم مسؤولية لم ينهض بها على وجهها الحق. ولم يسعفه دون إطراح الماركسية، جملة وتفصيلاً، لا ذهنه الفلسفي وتدريبه الذي زكاه ليتفرغ مثقفاً في الحزب ولا خدمته الطويلة الممتازة في صفوف حزب ظل حسن الظن به حتى خرج عليه في 1993. وسنرى أنه تعامل بغير قليل من الإهمال مع هذه المسؤولية تجاه ماركس التي أحسن وصفها جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي والماركسي الذي انقطع عنها دهراً. فقد صدر له في 1994 كتابه "شبح ماركس" في نفس الوقت الذي ظهر كتاب الخاتم في مجلة “الشيوعي”.
وأول أبواب هذه المسؤولية لدى دريدا هو أن يكف المثقف عن إعادة اختراع العجلة. فالعقائد التي أبطلت الماركسية في الثمانينات وما بعدها، ورتبت نفسها لتجاوزها، لم تأت بما لم تسبق إليه. ف"نهاية الماركسية"، التي يقول بها فوكوياما صاحب كتاب "نهاية التاريخ"،  عند دريدا "قديمة". ولكن نفراً كثيراً من قراء فاكوياما، أو مستهلكيه، أو حتى فاكوياما نفسه، لا يعرف قِدم بضاعة التكهن ب"نهاية" هذا او ذاك من الأمر: "نهاية التاريخ"، "نهاية الماركسية" "نهاية الفلسفة"، "نهاية الإنسان"  وهلمجرا. وقال دريدا إنهم مضغوا ذلك شباباًً في الخمسينات. ولذا فإعادة القول عن نهاية هذا الأمر أو ذاك هو حديث خرافة عنده وعند جيله. أما الذين ينتشون بهذه الخرافة بفرح شبابي غرير فيبدون كمن جاء متأخراً إلى الحفل أو كمن يريد ما يزال أخذ آخر قاطرة في حين بارحت تلك القاطرة المحطة: يبدو كمن تأخر حتى عن نهاية التاريخ (شبح ماركس 14-15).  
أما الباب الاخر والمهم في المسؤولية تجاه ماركس وهو أنه لا نهاية له. ولا نقول ذلك لصلاحه في كل زمان ومكان. فحقيقة الأمر أننا لا نتعامل مع الماركسية معرفة بالألف واللام بل مع ماركسيات. فالخاتم نفسه لم ير غضاضة في أن تنفتح فلسفة الحزب الشيوعي السوداني، الذي رنا إليه في كتابه، على نظر كثير آخر من بينه الماركسية. فالماركسية تقليد فلسفي لا "ينتهي". ويقول دريدا:   
"سيظل من الخطأ أن لا نقرأ ماركس أو نعيد قراءته ومناقشة أفكاره . . . وسيكون الإضراب عنه أكثر فأكثر خطأ وفشلاً في المسؤلية النظرية والفلسفية. وسنتذرع لاستدبارنا مسوؤليتنا  حيال قراءة ماركس لأنه لن نوفق إلى سبب وجيه لذلك الإضراب بخاصة في الوقت الذي تخلص لنا نصوص الرجل من غوغاء التنطع والأيدلوجية التي تشبثت به طويلاً حتى تلاشت (الدول، الأحزاب، الخلابا، النقابات ومواقع الإنتاج العقائدي الأخرى). فليس ثمة مستقبل بغير تحمل هذه المسؤولية.  ليس بغير ماركس: فبغيره يسقط المستقبل. لن يكون هناك مستقبلاً بغير ذكرى الرجل وإرثه. لن يكون ذلك المستقبل بغير ماركس ما، بغير ذكائه، وبغير واحدة من أرواحه على الأقل . . .  هناك أكثر من ماركس واحد، يجب أن يكون هناك أكثر من ماركس واحد" (شبح ماركس 13)  
                                                   2

سنلقي في الجزء التالي أضواء على أفكار الخاتم عن منزلة الحزب الشيوعي والنواقص التي أخذها عليه التي جاءته من باب تمسكه بالماركسية. فمن رأيه أن حزبه الشيوعي ليس بمنأى عن الانحطاط الذي ضرب أحزاباً مثيلة وسابقة ومتمكنة في المعسكر الاشتراكي. فليس يسلم حزب السودان من ذلك لدعواه أنه حزب مختلف متجذر في مأثرة وطنه أوأنه حزب "عبد الخالق والشفيع". وقال إن حزبه كان لن يصمد أيضاً متى وضعته الظروف في وضع الأحزاب الشيوعية الحاكمة الظالمة. فقد بدت عليه مظاهر الشيخوخة أيضاً. فنظمه الداخلية "عفا عليها الزمن والديمقراطية يجب أن تدخل من جمبع النوافذ والأبواب، كما ان الوجوه يجب أن تجدد". وميز حزبه مع ذلك بأنه حامل لجينات الخلاص من تاريخه متى ما شرعنا في الإصلاح بعزيمة وقوة (9-11).
عرض الخاتم لتأريخ  موجز للحزب خلص منه إلى أنه كان "جزءا أصيلاً من نضال الشعب السوداني . . . لم يكن نبتاً شيطانياً ولا كياناً مصطنعاً ولا مقولة ملفقة، بل استدعاه الواقع: استدعته المهام الوطنية التي كانت مطروحة أمام الشعب والتناقضات المستعصية التي كانت تنتظر الحل والآمال المشروعة في الديمقراطية والاشتراكية، التي لم يتحرك بها وجدان الشعب السوداني فحسب، بل انداحت دوائرها لتغطي كل القارات، وتأخذ بشغاف أفئدة الشعوب". (19-20). بل تخطى الحزب "مستوى النضال السياسي المباشر إلى مستويات الفكر النظري والخلق الفني والأدبي والثقافي". وكتب عبد الخالق عن النظرية التي تنسق الوجدان وتفسر ظواهر الوجود وتعطي الإنسانية رسالة نبيلة في الحياة" (20). ونسب هذه المهارة السياسية والفكرية إلى الماركسية ونظرتها الطبقية. وميز الشوعيين لتمسكهم بالتحليل الطبقي برغم قول القائلين لهم بفساده لأن الطبقات لم تولد في السودان أو لعدم صلاحية المعيار الطبقي في الحكم على المواقف الاقتصادية والاجتماعية. وميز الخاتم بشكل خاص وثيقة المؤتمر الرابع "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" (1967) التي حاولت إنهاء "غربة الماركسية" بجعلها جزء من نسيج السودانين الثقافي الحي (21).
ولكن الخاتم لا يحاسب الحزب بالمتحقق من مشروعاته فحسب بل بما التزم به منها ولم تتحقق. وتساءل إن كانت ما تزال قابلة للتحقيق في ظروف عالمية عاصفة وتطورات متلاحقة لا سبيل للتغاضي عنها ثم نواصل السير كما كنا (24-25).ومن المشروعات المركزية للشوعيين التي لم تتحقق هو "تحويل الحزب إلى قوة إجتماعية كبرى" الذي تبناه المؤتمر الثالث في 1956. ورد ذلك إلى:
 (1) القمع الشرس الذي وقع عليه من النظم العسكرية وغيرها،
  (2)تعقد تركيبة المجتمع الذي يغلب فيه القطاع التقليدي بنظمه القبلية والطائفية والعرقية،
 (3) "غربة الماركسية": فالماركسية موقف فلسفي من الوجود عَزَّ على متناول الأغلبية الساحقة من شعبنا وأنه لطموح "غير عقلاني أن تحاول بناء حزب من الفلاسفة في بلد أمي" (22-23). ثم عرض لما يمكن تسميته لإلحاد الشيوعية وكيف سَهَّل لاعداء الحزب "إنشاء جدار أصم بينه وبين أغلبية الشعب". (33-34). وتذكر عرضاً عدم اتساق الخاتم هنا الذي ساغ له القول بهذه الغربة عن الماركسية في حين أطراها بجعل الشيوعيين يقتربون من واقعهم ويصوغون استنتاجاتهم بنظر دقيق فيه برغم النقائص ( 66) بل ونسب إزدهار الحزب إلى الماركسية وإلى تمسكه بطليعية الطبقة العاملة في نشأته الأولى في الأربعينات رغم نصح الناصحين بغير ذلك.
ويرى الخاتم في برنامج الحزب عقبة كأداء حالت دونه والتحول إلى حزب جماهيري. ونظر إلى ذلك البرنامج من زاوية فريدة. فطبيعة البرنامج نفسها منفرة. فهو برنامج مترابط الحلقات لأنه ثلاثة في واحد. فهو يهدف إلى إقامة الحكم الوطني الديمقراطي فالاشتراكية فالشيوعية. وسمى هذا التثليث بالدعوة للإنتماء للحاضر وكل المستقبل. فيتعذر على المرء بهذا التثليث البرنامجي أن يختار حلقة دون الحلقتين الأخريتين. فهو إن اقتنع ببرنامج المرحلة الوطنية الديمقراطية فلن يصبح عضواً فيه لأنه لم يستنفد البرامج اللاحقة في الاشتراكية والشيوعية. فإن غرّب الدينٌ الحزبَ عن الريف فإن "لزوم ما يلزم" البرنامجي (أن تكون شيوعياً غصباً بمقتضى برنامج الحزب مترابط الحلقات) أبعد الحزب من قطاع واسع من جماهير القطاع الحديث. فلو اقتصر الحزب على مرحلة واحدة (بالطبع هي المرحلة الوطنية الديمقراطية) لأعفى هذا الجيل من التورط في مستقبل سيكون له أهله وخياراتهم. ومن جهة أخرى سيقل الإقبال على الحزب متى وصف نفسه بحزب الطبقة العاملة لأنه كمن يدعو الفئات الاجتماعية الأخرى بالانتحار الطبقي قبل دخوله. وبالطبع فمثل هذا الانتحار نبل لا يقوى عليه إلا القليل. ولهذا تناقص نفر الحزب الشيوعي. وعرَّج الخاتم من هنا إلى نقد عريض للماركسية استعان فيه بتوفلر ليقول إن الصراع الطبقي في عصر رأسمالية الثورة التكنولجية و نبوءة الماركسية باشتداد الاستقطاب بين البرجوازية والبروليتاريا باطلة. وسنعود لذلك حين نضع الخاتم موضعه في السياق الكبير للنظريات التي قضت بنهاية الماركسية.
وقصور الحزب عند الخاتم براني وجواني. فمصاعب الحزب مع الماركسية ومجتمعه في نظره عوامل "ذات طابع خارجي براني" في تعويق نمو الحزب. وعرج بعد ذلك إلى العوامل الجوانية في مباديء تنظيمه. وسنرى أن هذه العوامل الجوانية مست الماركسية (أو تفريعاتها اللينينة) أيضاً. و هذه العوامل الجوانية هي:
1- تمسك الحزب بالمركزية الديمقراطية التي عَقٌمت بها حياة الحزب الداخلية لضيقها بالخلاف وبرمها باستقلال الأعضاء ونمو شخصياتهم المستقلة وجعلت الطاعة المطلقة لازمة في كادره وشرطاً للترقي. وشاخت بذلك هيئات الحزب القيادية باكراً. وقال إن المبدأ، المركزية الديمقراطية، لينيني ناسب أوضاع الإمبراطورية الروسية ومستوى الثقافة التنظيمية فيها وليس ماركسياً (46-47)
2- تهيب الحزب من بناء مركزية قومية للجبهة الوطنية الديمقراطية. وخطَّأ الخاتم الحزب لامتناعه عن بناء تنظيم وطني للجبهة بذريعة أنه سيكون بناء فطيراً عمودياً مستعجلاً لا يرعى انبثاقات مكونات الجبهة القاعدية التي تنضج بصورة متفاوتة بين الجماهير.  وقال إن غيبة المركز عن هذه المكونات أدى إلى أن يفوض الحزب الشيوعي نفسه ليكون هو ذلك المركز يحمل منظمات الجبهة القاعدية حملاً لتتبني سياساته ومواقفه الوطنية. وأدخل ذلك المثقف الديمقراطي، الذي ينتمي عن طريق منظمته المهنية أو غيرها  لجبهة لا مركز لها، في أزمة لأنه ينفذ ما لم يكن له الفضل في التفكير فيه وبه.ولأنه لم ينشأ مركز لقوى الجبهة الديمقراطية سَاسَهم الحزب ب "الفراكشنات" (خلايا للشيوعيين تنسق نشاطهم في المنظمات الديمقراطية) التي صارت قيادة غير مرئية للجبهة. وأعطى ذلك الشيوعيين حقاً إضافياً في تنظيم الجبهة الوطنية الديمقراطية. وكردة فعل لذلك قام الطلاب الديمقراطيون في السبعينات بإنشاء تنظيم خاص بهم في جامعة الخرطوم سموه "الجناح الديمقراطي" لفرز كومهم عن حلفائهم الشيوعيين. ورغم الحيوية التي رفد بها هذا الجناح أعضاءه في عمل الجبهة الديمقراطية إلا أنها حيوية اتصفت بسلحفائية في تنظيم ذي رأسين (65-72).  
3- حصاد الحزب المتواضع من النفوذ وسط العمال والمزارعين: وقال هنا إن دور العمال تراجع منذ ضربة الحزب بعد انقلاب يوليو 1971 الذي ترافق معه إغلاق كثير من المصانع وتشريد العمال والانهيار الاقتصادي المريع. وخلال عقدين باءت بالفشل "مجهودات الحزب لإيقاظ الطبقة العاملة من سٌباتها". وهذا يمكن في قوله أن يتغير بجهد مثابر ولكن في إطار تراجع الحزب عن دور الطبقة العاملة الرائد النصي في الماركسية. والوضع بين المزارعين في قول الخاتم شبيه بالعمال. بل عزلة الحزب عن القطاع التقليدي برمته بارزة مع أنه يضم أكثر من سبعين في المائة من سكان البلاد، وظل هذا القطاع بوجه عام مغلقاً أمام الحزب الشيوعي، بما في ذلك جنوب البلاد الذي كان الحزب من أوائل الأحزاب التي نشطت فيه، وطرحت رؤية صائبة لحل قضاياه الأساسية (73-74).
4-  سوء أدب الحزب مع المثقفين. قال الخاتم إنه كان للمثقفين دور كبير في بواكير نشاط الحزب ثم اضمحل ذلك الدور في عقديّ الثمانين والتسعين للتحولات التي طرأت على أحوال أفراد منهم (الوظيفة، الارتباط بالدكتاتوريات). أما بالنسبة لأغلبية المثقفين فابتعادهم عن الحزب راجع إلى أسباب متعلقة بالحزب. فقد تواضع على تصنيفهم كبرجوازية صغيرة مع الشناعات المرافقة لذلك التوصيف من  نقص في الثورية وتذبذب. وهي طبيعة تقول بها الماركسية في الطبقة المتأرجحة بين العمال والبرجوازية بالنظر إلى وضعها في عملية الانتاج بين الجماعتين. وعليه صار وضع المثقفين في الحزب غير مريح " فهم دائماً في وضع الدفاع عن النفس". وقتلت مسلمات الحزب عنهم هذا الفعالية الحرة للمثقف. فنشاطهم في نظر الحزب ليس غير مرغوب فيه فحسب بل هو عٌصَابي نفساني. "فآثر بعضهم الابتعاد عن الحزب وآثر آخرون الخروج عن صفوفه، وبقي آخرون يضطلعون بأدوار تحدد لهم" ووجه نقده لإتهامات طالت المثقف في ما بعد هزيمة ثورة 1924 في "لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي" ( 1962-1965 ( لأستاذنا عبد الخالق محجوب. فقد نعى عليهم هروعهم للمكاسب الشخصية فصاروا رصيداً للمستعمر وانحصر نشاطهم في أندية الخريجين. ولم ير الخاتم بأساً في تَعَلق المثقف بوظيفيته ولا في الانضمام إلى جمعية أدبية. وهي الجمعيات التي ترعرعت فيها فكرة مؤتمر الخريجين وغذت مجلات تلك الفترة بالفكر (77-79). وقال إن ذلك الحكم لم يكن مطلقاً بل انحصر في فترة العشرينات. والتفت إلى ما جاء في وثيقة "قضايا ما بعد المؤتمر" (1968) التي اشترطت شروطاً إيجابية لجذب المثقفين التي علق عليها "أهمية كبيرة". فقال:
وذلك بوضعهم في المكان المناسب داخل الحزب، وفتح المجال لتوليهم المسئوليات القيادية حسب مقدرتهم، وعدم إخضاع ذلك للعمر الحزبي، أو سجل التضحيات وبمنع طغيان النشاط السياسي على النشاط الفكري والثقافي بالنسبة لهم . وبالتطبيق السليم للمركزية الديمقراطية لضمان الحرية الفكرية. وبحيث تترك آراء وانتقادات المثقفين أثرها في تطور الحزب واتخاذ قراراته ورسم سياساته. وذلك لأن حركة التثقيف والثقافة لا يمكن أن تنمو في جو تصادر فيه حرية النقد وتصادر فيه حرية التفكير (79-80).  
 وقال إن ما نادى به عبد الخالق أعلاه لم يتحقق. فالهجمة الشرسة  على الحزب لم تسمح لوظائفه الثقافية بالاتساع ولم تسمح للديمقراطية داخله أن تزدهر. فلم يستقطب جماعة من المثقفين في العقدين الأخيرين. "والذين بقوا داخله أو التحقوا بصفوفه لم يجدوا المكان اللائق بمقدراتهم ولا المناخ المفجر لطاقاتهم الفكرية".فالمركزية الصارمة استبعدتهم من مركز القرار لأنهم كانوا في مؤسسات حزبية لا تتمتع بسلطة يؤبه لها في رسم الخط السياسي العام للحزب. ووقعت الأعباء الفكرية بالنتيجة على السكرتير العام للحزب يعينه بالكاد واحد أو اثنين من الكادر وانحصر دور الآخرين في التلقي والمباركة والتلقين "وظهرت طبقة طفيلية فكرية معتمدة بالكامل على إنتاج السكرتير العام" فصارت تضيق بكل إجتهاد آخر لا يحمل اسم السكرتير وترى فيه مروقاً (80-81)..
ونبه الخاتم بصدد قعود الحزب عن بلوغ مراميه إلى سبق عبد الخالق في التنبيه إلى "بدائية في الأداء والتنفيذ" وأن الحزب إن لم يغير ما بنفسه "فسوف يصبح تنظيماً بدائياً ومتخلفاً، ولا يكون في مقدمة الأحداث بل خلفها". ويرى الخاتم أنه آن أن يجد المثقف مكانه الرحب في قيادة حزبه. ولن يحدث هذا إن لم نكف من طلبنا عليه أن يتحول ليكون هوية نقيضة بل "المطلوب منه فقط أن يكون أميناً لعلمه ولذاته ولشعبه ولوطنه والانسانية والعصر الذي يعيش فيه". وعاب على الحزب أنه لم يصدر خلال عقدين سياسة متكاملة حول المثقفين (82).

3    
تلازم عند كل منكريّ الماركسية القول بنهايتها بسبب بطلان أطروحتها في الصراع الطبقي في النظام الرأسمالي. ونقطة التركيز في إنكارهم هي فساد ما علقته النظرية من أمل على البرليتاريا في تحقيق مجتمع للاشتراكية أو الشيوعية. ولم يترك الخاتم مجالاً لمجتهد حول منطلقه في بطلان الماركسية بعد استشهاده بتوفلر. وهو منظر معروف لنهاية الماركسية على حيثيات الثورة المعلوماتية والتكنولجية المعاصرة. وأعاد الخاتم أقوال توفلر بحذافيرها كما سنرى. ولكننا سنعرض أولاً لاجتهادات خاصة للخاتم حول بطلان رهن المستقبل بالطبقة العاملة.    
من رأي الخاتم أن رهن المستقبل بالطبقة العاملة من أضغاث ماركس الشاب. فقد كان افتتن في شبابه بنبل هذه الطبقة افتتناناً لم يتجاوزه وقد تقدم به العمر الكفيل بتبديد نزوات الشباب. وقاريء كتابات الخاتم حتى غير المدقق سيجده يكرر أن من لم  يعتنق الماركسية شاباً خاطيء ومن تجاوز الشباب وما زال عَلِقاً بها خاطيء كبير. قال في معرض نبل ماركس الشاب:  
ولعله سيكون من المفيد أن نتذكر أن تعلق ماركس بالبروليتاريا في أساسه كان تعلقاً رومانسياً لفتى لم يتعد العشرين إلا قليلاً عندما كان يبحث عن العدالة المطلقة. فاستعار من دون أن يعي مفهوم المسيح المخلص، وأصبغه على طبقة أثارت شفقته واستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة. وقد ظل ماركس في سنيّ  نضجه وشيخوخته أميناً امانة مدهشة لمشروع كان صاغه في صباه. إن الذي يقرأ نصوصه حول العمال الفرنسيين والعمال المهاجرين الألمان "الذين يشع نبلهم من أجسادهم" سيدرك بسهولة ما نرمي إليه. وإن المطلع على أعمال ماركس لن يجد في ترشيحه البروليتاريا لقيادة التاريخ الإنساني سوى أسباب واهية (صفحة 43)
وهذا شطح من عدة جوانب لا بينة له في سيرة ماركس.  فقد صبغ الخاتم ماركس بسذاجة عاطفية لم يسبقها إليه الخبراء في سيرة الرجل. فقد وصفه إزايا برلين، الأكاديمي البريطاني، بأنه رجل منقطع بصورة غير عادية عن البيئة التي حوله. فالذي ليس مطبوعاً في مجلة أو كتاب كأن لم يكن. وإنه ظل حتى وفاته غير ملق بالاً بصورة كبيرة لنوعية الحياة من حوله ولا لخلفياتها الطبيعية أو الاجتماعية. فقد خلت طبيعته من العاطفية بل هي طبيعة مَثلوجة إن أردنا الدقة. فللبيئة من حولها تأثير يكاد لا يذكر . . . فهو كاره لكل شغف وبالذات ذلك الذي يتغذى بالعبارات البطولية.
كان ماركس، والقول ما يزال لبرلين، لا يطيق البسالة بغير نظر والولاء بغير بصر. وليس أدل على ذلك من حكايته مع الداعية الاشتراكي وليهام ويتلينق، الترزي، الذي دعا إلى حسم الصراع الطبقي بالإرهاب. وكان الرجل خطيباً مؤثراً على العامة. ويقال إنه التقى بماركس الذي طلب منه أن ينوره بما ينوي فعله للطبقة العاملة. ومن بين ما قاله الداعية إن نقد أوضاعها بالكتابة بعيداً عن عالم شقوتها غير مجد. وواضح أن الرجل من العمليين الذين يعتقدون أن شقاء الجماعة البين هو كل ما يحتاجه الرجل العطوف للنضال من أجلها. وليس هذا مزاج ماركس ولا فكره. فخبط ماركس على المنضدة وصرخ فيه " لم يخدم الجهل أحداً أبداً". وانفض اللقاء ولم يجتمعا معاً مرة ثانية (برلين 92).
لم تكن البروليتاريا على رادر ماركس (الذي عاش بين 1818-1883) إلا بعد خمس سنوات من تأرخة الخاتم. وليس المهم هنا سن ماركس بل الأشراط التاريخية والفلسفية التي توصل فيها إلى خطر البروليتاريا في التاريخ.  فلم يكن ماركس شيوعياً حتى تهجيره من وطنه المانيا إلى باريس في 1843 لنقده الاستبداد القيصري بقوة في مجلة أصدرها. فقبلها ما عرف سبيلاً للشيوعية. بل جعل الغرض من المجلة، التي قرر معاودة إصدارها في باريس، المدينة التي سماها "الجامعة القديمة للفلسفة" أن تنأى عن التماهي مع أياً من التنطعات الجذرية وذكر منها الشيوعية بالذات لقصورها وتعبيرها عن جانب واحد من جوانب الواقع الإنساني. وكان الهدف من المجلة أن تعين المتنطعين على استيضاح أفكارهم. ولكنه سرعان ما وجد نفسه يحث الخطى إلى الشيوعية. ومن دلائل ذلك نشره مقاله عن هيغل بالمجلة جنح نحو الشيوعية فيها حتى أغضب ممول الجريدة الليبرالي اليوتوبي-الخيالي. وفي ذلك المقال اكتشف ماركس البروليتاريا كالقوة التي ستحل النظام الاجتماعي القائم ومحررة البشرية من أسقامها (بادوفر 173 ).
نمى ماركس في سنوات المنفى في باريس (بين سنوات 1843 و 1849 داخلاً خارجاً) مفهومه للمادية التاريخية في خضم التيارات الفكرية والمؤثرات العاجة بالمدينة موئل المفكرين الأوربيين الثورييين. وخلافاً لقول الخاتم فإنه تخلص من الرومانسية الهيغلية يوم اكتشافه للبروليتاريا كقوة لبناء المجتمع الجديد. فقرأ الاقتصاديين مثل سميث وريكاردو ووجد أسلوبهم صاف وبارد وغير مؤجج بالعاطفة مما لا يقارن ببلاغية وعاطفية الألمان المزجاة. وجذبه للاقتصاديين مزيج من المكر العملي وتركيزهم على التحري الإمبريقي بالفرضيات العامة الحاذقة. وقوى ذلك ميله الطبيعي لتفادي كل أشكال الرومانسية والقبول بالتفسير الطبيعوي للظواهر وحده لا غيره مما يمكن إثباته بدليل من الملاحظة العلمية. وخلَّصه الاقتصاديون الإنجليز والاشتراكيون  الفرنسيون بالتدريج من ركام غيوم الهيجلية. فآخى بين هيغل والاقتصاد السياسي الذي استولى على فؤاده في باريس. فأعطى مفهوم التغريب الهيغلي الفلسفي المجرد معنى جديداً ربطه بالعالم المادي وبخاصة عالم الشعور الإنساني والفعل الإنساني. وجاء بمفهوم "تغريب العمل" في النظام الرأسمالي وهو تغريب العامل عن ما ينتجه في الصناعة للآخرين  (بادروفر  191) .
جاء ماركس للعمال بمقتضى النظر للتاريخ الذي وضع سره في الطبقة العاملة كالطبقة التقدمية للإنسانية الجديدة في العصر الرأسمالي. وهذا ما دفعه ليكون سيء الظن بالفرنسي الاشتراكي الفوضوي ببيير-جوزيف برودن. فقد وجده أخلاقياً أكثر منه تاريخياً. فمواقفه قبولاًً ونقداً للظواهر بناها على معايير أخلاقية مطلقة وجَهِل تماماً اعتبار الأهمية التاريخية للنظم والمؤسسات. ونقد ماركس كتابه "فلسفة البؤس" بغير رحمة لأنه، كما قال، مضلل. فمن بين مائة عامل قرأوه ربما تجاوز عشرة منه أفكاره ولكن التسعين الباقين سيعمهون في ضلاله. وقال لاحقاًً في وجوب نقد مثل برودون لإنه إذا تركت الخطأ بغير فضح فإنك إنما تشجع التبذل الفكري أو الخنا.
ومن فرط "لا رومانسية" ماركس أن أواصر صداقته لفردريك إنجلز التي نوه بها الخاتم تنويهاً خاصاً، انعقدت انتصاراً للنهج العلمي والعقلي. فرد سول بادوفر، مؤلف ترجمة عصماء عن ماركس،  صداقته مضرب الأمثال مع إنجلز إلى مقتهما معاً للرومانسيات. كان ماركس أعجب بمقال لإنجلز نشره في مجلته عرض فيه لتطور الرأسمالية من الميركنتالية إلى نظام المصنع في انجلترا. ثم استمد من كتاب إنجلز عن أوضاع الطبقة العاملة في بيريطانيا علماً غزيراً. ووجد ماركس الجاهل بالشأن في شغل صديقه دراسة مبادرة ملموسة لواقع ملموس هو تطور النظم والمؤسسات الرأسمالية. وفي لقاء الرجلين (28 أغسطس إلى 6 سبتمبر 1844) تطارحا افكارهما ووجدا أنهما متطابقان في نظرتهما للأشياء وقررا التناصر في خدمة الشيوعية (بادوفر 184).
تحول ماركس إلى الشيوعية بتداخله مع العمال في باريس. وقد عرّفه بهم جماعة من حلقة منعقدة حول موسيس هيس، المعجب بماركس. وكذلك أقامت بباريس جماعة عمالية وصنائعية من الألمان احتكرت صناعة الأحذية وسادت فيها اتجاهات شيوعية قوية. وتعرف ماركس على منظمة شيوعية وسطها اسمها تحالف العدالة وتركت أثراً قوياً عليه. بل نجده نظم الدولية الشيوعية الأولى في 1864 على هيكلها التنظيمي (بادوفر 177-178). من جهة أخرى كان الصراع الطبقي مٌلقَى على أرض باريس ليراه الغادي والرائح. فذكرى ثورة 1789 كانت ما تزال عابقة فيها تلهج بها البرجوازية والعمال معاً. لهجت بها البرجوازية لأن الثورة مكنت لها فأمسكت بمقاليد البلد تحت لويس فليبي. وتتذكرها البروليتاريا الغبينة بالهزيمة أيضاً. وقال بادوفر : "كان التباين الطبقي في باريس ,واضحاً وحاداً ولا تنازل لطرف عنه. ولم يكن ماركس بجاجة لاختراع الصراع الطبقي أو تصوره. يكفيه من ذلك أن يدير النظر في ما حوله". (بادوفر 177).
وفي مناخ هذه الزمالة المبتكرة قال ماركس بنبل عمال باريس الذي أخذه الخاتم عليه ونسبه لرومانسية الشباب. قال ماركس: الزمالة بين أولئك العمال ليست شعاراً ولكنها الحقيقة ويشع النبل من وجوهم التي أيبسها العمل . . . وعليك أن تحضر واحداً من اجتماعاتهم   لتقف على الطزاجة والنبل العذريين اللذين تنتجهما لقاءات أولئك العمال" ( بادروفر 183).
ولا سبب عندي لربط الزمالة ونبلها بالشباب. فهي مطلوبة في كل كدح وضمانة نجاحه. وربما عزت في الكبر ولكن ماركس تحلى بها في كبره. علماً بأن الخاتم نفسه لا يبدو أنه يعترض على نبل الزمالة. فقد جاء في موضع آخر من كتابه بالبشريات التي قدحتها الماركسية في العقول والقلوب والأجساد.  فقال إن ماركس وإنجلز رسما مشروعاً لشبحهما الذي طارد أوربا العجوز"، الشوعية، بما جذب إليه "أكثر العقول إستنارة، وأكثر المناضلين شرفاً وحماسة، وقد تفجرت في صدور الرجال والنساء احلام، وأمتلأت آفاقهم باحتمالات نبيلة وخيرة، كفيلة باجتياح السماء" (صفحة 1). وزاد بأنه نشأت لتحقيق هذه المطامح "أخويات بشرية لم تكن أقل من تلك الأخويات التي حققها الأنبياء وسط أتباعهم". وقال إن نضال القوى التي تجيشت للمهمة اتسم "بالبطولة وبالشجاعة الفائقة، وبنكران الذات، والإزدراء بالمنفعة الشخصية، والاستهانة بالمصاعب والأخطار" (صفحة 2). ولم يكن هؤلاء الذين نبلت زمالتهم كلهم من الشباب بالطبع.

4
ونريد في ما تبقى من هذه الدراسة مناقشة الخاتم في حيثياته التي إطرح الماركسية على ضوئها. وسنتسعين هنا بشكل رئيسي بكتاب "ماركس الإسفيري" للدكتور نيك داير-وزيفورد الصادر في 1999 عن جامعة إلينوي للنشر. فبه سنضع الخاتم في وضعه اللائق من مبطلي الماركسية ومدارسهم وحججهم. وسَنٌعَرِف بفكر توفلر، الذي اقتدى به الخاتم بصورة مطلقة، في سياق هؤلاء المنظرين لنفهم بصورة أقضل فكرة الخاتم في تخطي الماركسية. من جهة أخرى سنرد على الخاتم في قوله إن ماركس لم يعتبر الثورة التكنولجية المعلوماتية التي ألفت بين رأس المال والبروليتاريا فطفت فتيلة الصراع الطبقي. ثم نعرض لبعض الماركسيين المعاصرين الذين واجهوا تحدي "نهاية الماركسية" الذي يروج له منظرو الثورة التكنولجية.  
ونوجز هنا بسرعة غرض داير-وزيفورد من كتابه ليتابع القاريء أفكاره التي عليها اعتمادنا هنا. أراد المؤلف بكتابه المحاجة كيف أن عصر المعلوماتية الجديدة (كمبيوتر، اتصالات، هندسة وراثية)، خلافاً لقول القائل إنه تجاوز الخصام التاريخي بين رأس المال والعمل، يشكل حالياً آخر المعارك في المواجهة بين الخصمين. وكيف أن التكنولجيا المتقدمة قد جرى تشكيلها لتسليع (من سلعة) عام غير في مسبوق في عالميته. فخرج بكتابه لبيان كيف أنه، خلافاً لمراد من تواضعوا على هذه التكنولوجيا بقصد كسر شوكة الطبقة العالمة،وللغرابة، سيخرج من كنفها للوجود قوى تنتج مستقبلاً مغايراً قائماً على تشارك الثروة هو شيوعية القرن الحادي والعشرين (صفحة 2).

صنّف داير-وزيفورد المدارس الفكرية القائلة بنهاية الماركسية وقال إنها الليبرالية الجديدة والتوفلرية. وشرح منطلقها ومرماها كما يلي:
1-الليبرالية الجديدة: وهي ردة فعل على الليبرالية الاجتماعية التي اعتقدت في دور للدولة في إحلال العدل الاجتماعي وأفضل تمثيل له الرئيس ريغان ومارقرت تاتشر اللذان حاولا سحب الدولة من "التطفل" على المجتمع. ومن باطنها خرجت دعوة فوكاياما عن "نهاية لتاريخ" التي قوامها أن الماركسية قصرت دون استيعاب ثورة المعلومات. فتهافت الاتحاد السوفياتي راجع إلى تنكبه ثورة المعلومات وهو تنكب دفعته إليه نواقص كامنة في الماركسية وعلل. أما الرأسمالية  فقد أنجاها أنها استصحبت هذه الثورة لذا توجت التطور البشري بصورة خاتمة.
وجاء نقد فوكاياما للماركسية بحليف غير متوقع لها هو الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا كما رأينا. وسبق لنا عرض مقولة دريدا عن "شبح ماركس" واستعيد أكثره هنا من على لسان داير-وزيفورد طلباً للتوسعة في مسألة ربما كانت جديدة على أكثرنا. نقد دريدا فرضية نهاية التاريخ القائلة بأن تهافت اشتراكية الدولة في آخر العقد الثمانين من القرن الماضي استأصل "الشبح" الثوري" (الماركسية) الذي لاحق رأس المال لحقب طويلة. وأحيا دريدا بذلك فهماً مستقراً في بعض الدوائر مفاده أن الماركسية ليست جسداً جامعاً للفكر ولكنها اشتملت على عديد النسخ المتداخلة والتي بينها تناقضات جذرية. وتحدى دريدا كل قائل أن التقليد البلشفي السوفيتي قد استنفد مأثرة الماركسية. فخلافاً للزاعمين أن الماركسية قد ولى عهدها بعصر المعلومات فإن أهميتها لن تتضح بصورة كاملة إلا حين نأخذ في الحسبان  بعض التطورات المعلوماتية (العولمة، طغيان الوسائط) التي أتى عليها ماركس بنصوص شددت على الكوكبية وأتمتة الإنتاج. فدريدا يتحدث لا عن ماركسية وإنما عن ماركسيات. فقد كتب ماركس أشياء مختلفة في أوقات مختلفة وليس كلها سوية أو أن كلها يصلح لينتظم في أنساق تامة ومختلفة. وأخذ الناس جمل ماركس في سياق تطور الماركسية التاريخي وأصعدوا  بها واسفلوا وصبوها في طيف من أشكال شتى وفي أحوال كثيرة متشاكسة. فبعيداً عن الزعم بموت الماركسية، في قول دريدا، التبعة الآن أن نرى من فرجة تهافت البلشفية فضاء تينع فيه فروع مصمتة من شجرة نسب الماركسية وتزدهر (4-6).
2-التوفلرية: عائدة إلى الآن توفلر الذي اشتهر بالتنظير لثورة المعلوماتية والاتصالات التي تخطت الماركسية وقتلتها. سبقت التوفلرية، ثورة المعلومات، نظرية ما بعد المجتمع الصناعي.  والأخيرة تتحدث عن طبقة تكنوقراطية في المجتمع ما بعد الصناعي  تراوح في التوتر القائم بين راس المال والعمال. ولكن ثورة المعلوماتية ذهبت إلى القول إلى أن الكمبيوتر ومتعلقاته نَقَض نظرية ماركس وألف بين العمل ورأس المال فصارا بفضل وفرة المجتمع ما بعد الصناعي إخوانا.
ولا ينكر منظروّ ثورة المعلوماتية ماركس وإنما يستدركونه بملاحقة كر الزمن الذي فاته. فهم يأخذون بمنطقه ذاته ولكنه يبلغون به غايات ما طرأت له. فبالنظر إلى نظريته عن تطور وسائل الإنتاج يقولون إنه إذا أعطتنا طواحين الهواء النظام الإقطاعي وأعطتنا الآلة البخارية الرأسمالية الصناعية فلا بد من قبول أن الكومبيوتر سيعطينا المجتمع المعلوماتي. فعليه فهم على نهج ماركس ماديون تاريخيون التاريخ عندهم تطوري جدلي.
وليس بين دعاة نظرية المعلوماتية من أمعن فيها التنظير مثل توفلر الذي تخلى عن ماركسيته سقماً من الإستالينية وعِزة برفاه المجتمع الأمريكي ووفرة حياته. وغدا توفلر ناقضاَ لا يريم  لفكرة ماركس من فوق مفهوم ماركس نفسه للتاريخ. فتجد مطابقة بين موجاته التاريخية الثلاث: الزراعية ثم الصناعية فالمعلوماتية وبين موجات ماركس الثلاث: الإقطاعية فالراسمالية فالشيوعية. الفرق أن موجة المعلوماتية، بحسب توفلر، لا تتحقق بالصراع الطبقي. فلن يتخلل تحقيقها صراع طبقي، أو استغلال للعمال، أو تغريب، أو تركيز للثروة ومركزة لها، أو مكننة لا إنسانية.فكل ذلك من عقابيل المرحلة الثانية، الراسمالية الصناعية، التي هي سمة الماركسية. فالتكنولجيا وحدها ستتكفل بتحقيق المعلوماتية التي ستبسط المجتمع اللاطبقي والعمل الذي لا يٌغَرِب العمال، وتتلاشي فيه الملكية الفردية.
ويرى توفلر أن قصور الماركسية عن اللحاق بالمعلوماتية علة فيها. فمادية ماركس قائمة على معارضة بين عالم الأشياء الفيزيائي الحسي، ساحة الإنتاج، وعالم الأفكار الأثيري المجرد. وهذه المعارضة هي التي تلتبس مجاز ماركس الزائط "القاعدة-والبناء الفوقي". ومفاده أن المعلومات والفن والثقافة والنظريات وغيرها من منتجات العقل غير المحسوسة هي جزء محض من "البناء الفوقي" الذي يٌحَلق فوق الأساس المادي للمجتمع. ومع أنه من المتفق عليه أنه يغذي واحدهما الآخر إلا أن القاعدة، حسب ماركس، هي التي تتحكم في البناء الفوقي وليس العكس. وهذه الإزدواجية هي التي تعمي الماركسية عن القيمة الإنتاجية للأفكار والعوالم الرمزية. فمن رأي توفلر أن المعرفة هي التي تََقطٌر قطار الاقتصاد لا العكس. فإذا كان ماركس بمعارضته البناء الفوقي -القاعدة (واختياره للقاعدة كالمسبب للبناء الفوقي) قد جعل هيغل (الذي يقدم الفكرة على القاعدة المادية) يقف ، في قول ماركس نفسه، على رأسه فالمعلوماتية، بإعلاء الفكر، قد جعلت ماركس يقف على رأسه، أي في الوضع الخطأ.
ما استنكره توفلر على الماركسية هو قولها بأن الخلاص الثوري في طبقة البروليتاريا. فمن رأيه إن ما حفز العمال للثورة ليس ملكية الرأسماليين لوسائل الإنتاج بل التكنولجيا المتخلفة لعصر المداخن التي أرهقت العمال فثاروا. فهو يقول بأن الماركسية تٌعلي من قدر العمال الجٌهم ذووي العضلات المشدودة في مصانع الحديد. ولكن كتل العمال تلك  تتبخر الآن. فاقتصاد المعلومات يلغي المصنع وبالمرة العمال الذين عهدت لهم الماركسية بمهمة الثورة.ويتخذ "وداع العمال" في نظرية المعلوماتية وجهان:
أ-الأتمتة (بما يصير العمل كله رهن الالآت) ستحوجنا إلى عمال أقل فأقل مما يضعف حجم العمالة،
ب- لن يقود هذا بالضرورة إلى التبطل. فالأتمتة ستفتح جبهات جديدة  لتشغيل العمال في حقول الكنولوجيا العليا وحقول للصناعة تطغى فيها المعلوماتية. وهي أشغال أفضل لن يعاني بها العمال من التغريب. فالحاسوب خلق آلي آخر يستبدل شقوة العمل اليدوي بصحو العمل الذهني وتنحل به هرميات المصنع التقليدي وتسترد للعامل كينونته فيرضى بما يقوم به من عمل.
ويفترق رواد ثورة المعلوماتية حول ما هم بصدده: هل مجتمعهم الموصوف تجاوز للرأسمالية أم أنه مجرد مجتمع لرأسمالية متطورة. فجماعة "ما بعد الرأسمالية" منهم  يقولون إن تكنولوجيا المعلومات وفيضها سيؤدي إلى انحلال قبضة العلاقات الرأسمالية وتوؤل فيه الملكية إلى العمال والمواطنين. فالمصادر التي ستوفرها ثورة المعلومات ستلغي تبادل السلع وسنكون بإزاء مجتمع إلكتروني لاطبقي.
وكان لتوفلر موقفان. بدأ "ما بعد رأسمالياً" يرنو لمجتمع يتجاوز الرأسمالية ثم تحول إلى الاعتقاد بأن ثورة التكنوولجيا ستقتصر على "أنسنة" الرأسمالية. في موقفه الاول قال إن عامل مجتمع ثورة المعلومات، خلافاً لعامل ماركس الصناعي الذي تملك النذر من أدوات الإنتاج، يمتلك شفرة الإنتاج في ذهنه. وعليه فهو يحتفظ في رأسه بالرموز  التي يتكاثر بها رأس المال. وعليه فهو "يمتلك نصيباً هاماً وغير قابل للإحلال من وسائل الإنتاج". وهنا تسقط نظرية ماركس للصراع الطبقي. فالنزاع الطبقي في مجتمع توفلر المتصور لن يتبخر فحسب بل سيصبح الفصل بين العمال والإدارة مستحيلاً. وستحل محل النزاع خلقية مشتركة من المساهمة والمهنية يغذيها اقتسام الأرباح، وفرص الحصول على أسهم في المنشأة، والميزات النوعية لبيئة العمل. سيكون هناك عملاً بلا طبقة عاملة لأن الطبقة، كهوية جماعية قائمة على التباغض في الإنتاج، ستنحل.
أما الداعون لرأسمالية أحسن، وهو الموقف الذي تبناه توفلر بآخرة، فهم يقولون إن تكنولوجيا المعلومات ستأتي بوفرة ترسي رأسمالية رحيمة. ومع اختلاف المدرستين فهما متفقان في أن مفهوم ماركس للثورة والصراع الطبقي قد بطل (26-30).       



5
أضع في هذا القسم من البحث الخاتم في سياق مبطليّ الماركسية. وهو بالطبع توفلري كما شهد بنفسه وكما سنترك للقاريء استنتاجه (أو دحضه) من قراءة تخريده للماركسية بعد أن وقفنا على آراء توفلر في نفس الموضوع . وحرصت على المجيء بأكثر ما جاء به الخاتم بخصوص فساد الماركسية في مبحث كهذا لأنني لا أعرف مقدار ذيوع كتابه "آن أوان التغيير".   
دلف الخاتم إلى تعطيل الماركسية من باب نقده لقصور حزبه كما رأينا ومن ذلك تبنيه الماركسية فلسفة ما يزال. فقال إن الحزب يدعو إلى أنه حزب الطبقة العاملة  منحاز لمصالحها في وقت لا تنحاز الطبقة نفسها لمصالحها وفكرها. فمثل هذه الدعوة ربما نجحت لو صدقت "النبوءة الماركسية الأساسية حول الاستقطاب الاجتماعي الشامل بين البروليتاريا من جانب، والبرجوازية من الجانب الآخر. ذلك الاستقطاب الذي لا تجد إزاءه الطبقات الوسيطة سوى الانحياز إلى هذا الجانب أو ذاك". وبقفزة طويلة للأمام إلى أوضاع صناعية وطبقية في الرأسمالية المتقدمة، وعلى بينتها، قال الخاتم قال إن هذا الاستقطاب لم يحدث. ولبيان ذلك لجأ إلى توفلر، أحد ابرز المنقلبين على الماركسية وناشر بطلانها بالنظر إلى الثورة المعلوماتية كما رأينا، وكتابه "تحول الشوكة" (Power Shift).
قال الخاتم ناظراً لتوفلر إن الطبقات التي تناقصت لعهدنا هي البروليتاريا والبرجوازية لتنامي الطبقات الوسطى وعلى حساب البروليتاريا أساساً. فهذه الطبقات أصبحت تشكل الأغلبية الساحقة في كل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. فالثورة العلمية والتكنولجية همَّشت البروليتاريا فصار عددها يتراوح بين 10 و15 % من السكان. وزاد بقوله إن انتاج الثروة القومية قد تحول "بصورة حاسمة من اليد إلى الدماغ. وأصبحت المعرفة والمعلومة والفكرة والتصميمات الذهنية هي أداة الإنتاج الأساسية". وتملٌك هذه الخزائن المعرفية الجديدة، بصورة حصرية، الطبقات والفئات الجديدة التي ولدتها الثورة العلمية وأهلتها وحدها دون غيرها لقيادة المجتمع. وسمى توفلر هذه القوى الجديدة ب"الكمومنتاريا"  (من "كومنت" تعليق    comment أي التي بيدها القلم الفصيحة) تلك "التي تمتلك وسائل إنتاجها بامتلاكها للمعرفة، وهي أدوات إنتاج لا تستطيع البرجوازية نفسها أن تجردها منها. وهذه ظاهرة جديدة لم يعرفها ماركس ولم ينظر لها" (37-38).
ثم نجد الخاتم يوالي نظرية الثورة المعلوماتية في قولها بنفي الصراع الطبقي من المجتمع المعلوماتي. فقد انتهى مجتمع المعلوماتية إلى سلام طبقي بفضل المساومة التاريخية التي تنزلت عندها البرجوازية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي البرجوازية التي يصفها منظرو ثورة المعلوماتية ببرجوازية "ما بعد الفوردية". ويعنون ب"فورد" هنا صانع السيارات الأمريكي الأشهر الذي يعتقد أولئك المنظرون أن ما بعد الرأسمالية قد تجاوزات مصنعه الكلاسيكي الذي شهد مواجهات العمال ورأس المال. فبفضل المساومة المذكورة بين العمال والبرجوازية أصبحت البرجوازية أكثر ديمقراطية عن طريق إشراك العاملين في رسم أهداف الإنتاج وفي ملكية وسائل الإنتاج بأقدار متفاوتة. ووقع ذلك في سياق تنامي خلق ديمقراطي تسرب إلى خلايا المجتمع ترسخت به حقوق ديمقراطية وضمانات اجتماعية. وقيدت الأعراف الاجتماعية المبتكرة سيادة البرجوازية على العملية الإنتاجية والمجتمع.  
وقال الخاتم إن هذه البروليتاريا، التي لم تنشأ عندنا في السودان أصلاً، مكتوب عليها الاضمحلال (متى جئنا لها) أسوة بالدول الصناعية التقليدية "التي ربطت إنتاج القيمة الزائدة بالانتاج اليدوي أساساً، والاتجاه إلى التغليب التدريجي للانتاج الفكري المستند على المعرفة والمعلومة والوسائل التكنولوجية الحديثة. و"سنحرق مرحلة" الإنتاج القائم على العمل اليدوي" في السودان لأنه "ليس مكتوباً على مجتمعاتنا أن تترسم خطى المجتمعات المتقدمة وقع الحافر على الحافر". فسنبلغ بالطائرة ما بلغته هي بالقطار. وطالما ستضمحل البروليتاريا عندنا، أو هي لن تنشأ أصلاً عندنا نشأتها الأولى، فأولى بالحزب الشيوعي، الذي يرتكز على عقيدة أن الطبقة العاملة هي القوة القائدة في المجتمع، أن يركب "طائرة التاريخ" إلى المجتمع ما بعد الصناعي الذي لم تعد فيه هذه الطبقة سوى جزء من المنتجين لا أعظمهم (40-41).
ثم يعرج الخاتم على الطبقة العاملة كما هي عليه في السودان حالياً. ويدعو للكف عن التعامل معها "كمقولة ذهنية خيالية وكستودع خيالي لكل ما هو خير ونبيل والتعامل معها كما هي في الواقع" ونحدد مكانها بمعطيات موضوعية ومقدمات الحقيقة. ومن هذه المقدمات أن هذه الطبقة "ضيئلة الوزن بالقياس إلى مجموع السكان وهي محصورة في قطاع حديث محدود وهي غير نقية في تكوينها الطبقي لأن عدداً كبيراً من أبنائها يجمع بين الانخراط في العمل المأجور والاحتفاظ بالملكية الصغيرة". وهي غير مستقرة بالنظر إلى موجات العمال الموسميين الذين يرواحون بينها وبين الريف. وتوصل الخاتم من ذلك إلى أن موقع الطبقة العاملة في الإنتاج ليس المحدد الوحيد لإيدلوجيتها حتى بقولنا جدلاً أن الأيدلوجية تابعة لموقع الجماعة من الإنتاج. وبناء على ذلك يزعم الخاتم صعوبة الحديث عن إيدلوجية للطبقة العاملة السودانية "إلا إذا تعاطينا مع التلفيق وحددنا بصورة مسبقة وتحكمية أن الماركسية اللينينة هي تلك الأيدلوجية وأن على الطبقة العاملة أن تتيبناها رغم أنفها. وهذه وصاية لا تستقيم مع تنامي الوعي الديمقراطي" (41-42).
ومن تلك المقدمات التي جاء بها الخاتم ليطعن في تمييز الحزب الشيوعي لقيادة الطبقة العاملة تشخيصه للتناقضات في المجتمع. فالتناقض الأساسي ليس بين الطبقة العاملة والبرجوازية "بل هو التناقض بين المجتمع ككل والشرائح الطفيلية السائدة والحاكمة، بين المجتمع ككل والتخلف، بين المجتمع ككل ودوائر الاستغلال الإمبريالي " وستلعب الطبقة العاملة هنا دوراً لن تكون له الغلبة لضآلة وزنها السياسي والاقتصادي والثقافي والبشري. وغالباً ما يذهب هذا الدور المقدم "إلى الفئات المرتبطة بالثورة العلمية والتكنولوجية من المثقفين والفنيين والتقنيين والطلاب". وسيتجه نضال هذه الجماعات الغالبة ضد دعاة الديكتاتورية من كل شاكلة ولون بما في ذلك دعاة "ديكتاتورية البروليتاريا". ويقر الخاتم بدور هام للطبقة العاملة في السودان في هذا النضال. فهي ذات "أرث مجيد" فيه ولكن الزعم بأنها "وحدها تملك المفاتيح السحرية للابواب المفضية إلى التحرر الإنساني الشامل، زعم لم يؤكده الواقع، ولم يشهد له التاريخ" (42-43)
ويعرج الخاتم من هنا إلى ماركس. فيرى أن ما أضر بالحزب هو تمسكه بهوية الحزب البروليتارية وكدحه ل"ترقية تكوينه البروليتاري". قساقه هذا التمسك إلى ضيق في الاهتمامات "وغذى روح الانتظار الحالم لتلك اللحظة التي تنمو وتنضج وتسود فيها الطبقة العاملة. وقد أدى ذلك إلى غربة الشيوعيين عن واقعهم  غير البروليتاري أساساً. فأعرضوا عن الانخراط اليومي الحميم في معرفة الواقع وتوجيهه وفق منطقه الخاص وليس وفق تصورات ذهنية غير واقعية". وسلب التركيز على البروليتاريا الحزب من الحساسية "تجاه الفئات والطبقات الأخرى. وأنشأ جداراً من الاستعلاء والغربة بين الحزب وبين العناصر الراغبة في الانضمام إليه من تلك الفئات والطبقات." كما أدى طلبه (النقاء البروليتاري) إلى التعصب واحتقار الرأي الآخر بما يقرب من التخوين لاتهامه بأنه فكر غريب عن إيدلوجية الطبقة العاملة". ونٌشرت بذلك محاذير الخروج عن "ملة البروليتاريا" جواً فكرياً حانقاً في الحزب عطل خلاف الرأي وأخرس حرية التعبير وفرض لغة مؤممة للحديث لا مجال فيها للخطاب الخاص. ونشأ حراس أشداء ل "ملة البروليتاريا" هم قساوسة في خطر سوسولف الروسي. وهكذا خرَّجت الأحزاب الشيوعية روبوتات بدلاً عن الأفراد ذوي صوت الخاص. وربما لم يحدث هذا بكامله في جميع الأحزاب "ولكنه اتجاه قوي لا يستطيع أن ينكره أحد" (44-45).
نجحت الرأسمالية في رأي الخاتم في عقد مساومة تاريخية بينها والمنتجين كسبت به بعداً اجتماعياً تصور المنظرون الباكرون أنها غير قادرة على تحقيقه. فالربح، هذا الدافع الأزلي للانتاج الرأسمالي، "لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تنازلات حقيقة للمنتجين. وصارت العملية الانتاجية أكثر ديمقراطية بما لا يقاس. إذ دخل المنتجون والإداريون والتقنيون والمستهلكون في تحديد أهدافها، وفي كيفية الوصول إلى هذا الأهداف، جنباً إلى جنب مع مالكي وسائل الإنتاج." وظهرت فئة الحرفيين الجدد الذين يبيعون منتجاتهم وليس قوة عملهم من المهندسين والمصممين والفنانين  والمبدعين وصانعي الموضة ونجوم الرياضو البدنية والذهنية إلخ." ارتبطوا بالثورة العلمية التكنولجية (91-92).
ويزكي الخاتم الصفوة التكنولجية لقيادة مجتمع المصالحة بين الرأسمال والمنتجين. فمع رأيه  في وجوب تجييش قوى الشعب كلها للنهضة لتجاوز التخلف إلا أنه يرهن القيادة المأمولة إلى المثقفين الذين ارتبطوا بالثورة العلمية. فهي الفئة "القادرة على استيعاب العملية الاجتماعية في كلياتها والمنخرطة في أرقى العلاقات الانتاجية والتي سيتعاظم نصيبها في انتاج الثروة القومية باستمرار. وهي القادرة على قيادة المجتمع وتسيير وسائل التوجيه والاتصال، وتفجير منابع الطاقة بكل اشكالها والتي لا يمكن لمجتمع معاصر أن يحلم بالتقدم بدون تفجيرها". وهو ينفي أن قوله بما تقدم "نظرية جديدة للصفوة" لأن المراد منه مجرد استيعاب متواضع لطبيعة عصرنا وإلمام بسيط بقواه المنتجة. ويركز الخاتم على "المثقف الشعبي الديمقراطي، المزود برسالة وطنية جامعة، الشاحذ ذهنه لمواجهة التحديات الكبيرة" وهو لايرى أن المثقفين عندنا مؤهلين لذلك الدور إلا بعد تغيير أنفسهم(93-94). وربما لم تكن أشراط الخاتم للمثقف الشعبي مما ينطبق على مثقف صفوة الثورة المعلوماتية. فقد بدا لي وكأنه هو نفس المثقف الذي طمع الشيوعيون في استنباته طويلاً ولم يوفقوا. وزاد الخاتم بأن الدور الذي رسمه للمثقفين لا يقلل من أدوار الطبقات والفئات الأخرى. ولكن المثقفين قطاع ديمقراطي يدخل إليه الأفراد من كل الطبقات. وسيخضع دوره القيادي لأعراف المجتمع وإرادته. وينتهي الخاتم برسم المثقفين قادة لهذا المجتمع بقوله "وهذا يرشحهم لدور وطني قيادي ويجعلهم مجسدين لوحدة المجتمع" (95-96). وهو يدعو إلى استيعاب للمثقفين الأكفاء "دون تصورات إيدلوجية مسبقة" مستفيدين من كل الإرث الفكري الإيجابي "في العالم ومنها وعلى رأسها الماركسية وما حققته من منهج علمي في الاقتراب من الواقع، وما كشفته من حقائق إجتماعية واقتصادية وثقافية لا يستطيع أي مفكر جاد أن يتجاهلها  . . " وميز في الماركسية انطلاقها في النشاط النظري أو العملي من "دراسة المنطق الملموس للواقع الملموس" (102).
وعليه فالحزب الذي يدعو إليه الخاتم فوق هذه المقدمات هو حزب القوى الحية في المجتمع (منتجين بالدماغ واليد، رأسماليين مرتبطين بالانتاج والوطن، أقليات قومية ودينية وثقافية) يجبه التخلف. وعليه فهو ليس "الحزب الشيوعي" لأنه "لا يتبنى موقفاً إيدلوجياً متكاملاً إزاء الكون، ولا يبشر بمرحلة معينة يتوقف عندها المجتمع البشري، ولا يرمي إلى صياغة المجتمع وفق مخطط نظري شمولي. إنه حزب للعدالة الاجتماعبة التي هي مقولة عامة مفتوحة (105-106). وهو حزب سيخرج من حزب شيوعي قرر الانتحار. فهو يدعو إلى عقد المؤتمر الخامس وحل الحزب الشيوعي وتكوين لجنة تمهيدية من الشيوعيين السابقين وعناصر ديمقراطية مؤثرة وشخصيات وطنية مثقفة ومناضلة وممثلين للأقليات العرقية والثقافية لوضع برنامج الحزب الجديد ولوائحه (108).

6
اختار الخاتم كما رأينا أن يخلع الماركسية حين بدا له تراخيها عن تطور التكنولوجيا ومجتمعها الجديد. وسنعرض هنا لماركسيين عضوا على الماركسية بالنواجذ وجابهوا بها تحدي الثورة التكنولجية. ومنهم من أحسن ومنهم من أساء. ونبدأ بمقدمة عن أفكار ماركس نفسه عن الثورة العلمية والكنولجية وجدلها في عصره.  
من رأي داير-وزيفورد أن مزاعم منظريّ الثورة التكنولوجية وبطلان الصراع الطبقي هي خمر جديدة في قناني قديمة. فأرجع فكرة من قالوا بأن ثورة المعلومات ستلغي الصراع الطبقي في الرأسمالية إلى منظرين من عصر ماركس نفسه. ففيه كتب شارلس بابيج مؤلفاً عن اقتصاد الألات والصناعات في 1835. وبحث فيه عن سبل أتمتة العمل (الذهني والجسدي) للتقليل من وزن العامل البشري في الإنتاج، بل والتخلص منه نهائياً. فقد كدَّر الصناعيين الذين نظروا إليه كمصدر خروج عن الضبط والربط والخلل والخطر. ومن رأي بابيج أنه ستقوم على تعبئة الموارد النظرية لخدمة الصناعة "طبقة جديدة من محللي إدارة الأعمال".
قرأ ماركس كتاب معاصره بابييج. ولم ير في فكرته سوى استراتيجية أخرى للتخلص من الصراع الطبقي. وكان من رأي ماركس أن استخدام الآلات في الصناعة هي من حيل البرجوازية لإخضاع البروليتاريا المتمردة. ولمّح لبابيج في فصله "الالآت والصناعة الثقيلة" من كتاب رأس المال بوصفه للصراع الطبقي كواقعة بين العامل والماكينة. ونظر ماركس في ما كتبه أحد أنصار بابيج القائل "حينما يوظف رأس المال العلم لخدمته فإن ذلك يكسر شوكة العامل ويؤدبه". وعلق ماركس أنه بالوسع كتابة تاريخ مٌكَمل عن الاختراعات التي تمت منذ 1830 لغرض وحيد هو تزويد رأس المال بسلاح ضد ثورة الطبقة العاملة. فهو يرى أن العلم ومنتوجاته مشروع إنساني جماعي استأثرت بثمرته "جماعة من النوع الرديء من راسماليّ النقد" (3)
وقف ماركس على هذا التوتر بين الطبيعة الجماعية للتطور التقني العلمي واستئثار رأس المال به في مذكراته لكتابه رأس المال. وتنبأ ماركس بأن خلق الثروة الحقة سيعتمد أكثر فأكثر على الحالة العامة للعلوم وتقدم التكنولجيا لا على الوقت المبذول في العمل أو كمية العمل المبذول. وسيكون العامل المفتاحي في الإنتاج هو المعرفة الاجتماعية اللازمة للابتداع العلمي التكنولوجي. وسمى ذلك "الذهن العام" (general intellect). وهو ذهن يقوم على نظامين تكنولوجيين سيميزانه عما سواه متى بلغا أشدهما:
1-الآلات التي تنبأ ماركس بأنها ستستأصل العمال من المصنع،
2-وشبكة دولية من المواصلات والاتصالات تَصِل السوق العالمي بعضه ببعض.
وهذا حلم الرأسمالي وغايته. ولكنه حلم تنخر فيه من غير أن يدري حقيقة أخرى.  فمتى أطلق رأس المال عنان قوى المعرفة التكنولجية والتعاون الاجتماعي فإنه إنما يبذر بذرة تضعضع حكمه. فالأتمتة، بسبب تخفيضها المبالغ فيه للحاجة للعمال، ستهدم علاقة الأجور التي هي ركن ركين في الرأسمالية. فكلما أزداد تطبيق العلم التكنولوجي في الانتاج سيصعب ربط الدخول بالوظائف واحتواء الإبداعية في حيز صور السلعة. ففي عهد الذهن العام إذاً يعمل رأس المال نحو تحلله كصورة من صور الانتاج الغالب.
ويخلص الكاتب إلى أن كل من بابيج وماركس من أنبياء مجتمع ثورة المعلومات الحالي. وخلاف الرجلين راكز في أن الأول يعتقد في التمكن العلمي التكنولجي لعلاقات السوق بينما يرى الثاني تحلل هذه القاعدة. ومع فارق الزمن بينا وبينهما فتفكراتهما القديمة تبدو معاصرة في الذي نراه في القول الرائج الآن بموت الماركسية بالنظر إلى هجوم عصر ثورة المعلومات الذي لم تتحسب له (4).
وعرض المؤلف في فصل كتابه الثالث لفكرة أن الماركسية إنما هي ماركسيات لا ماركسية واحدة. وفيه تطرق أولاً لما كتبه ماركس عن التكنولوجيا ثم عرض لكيف استفاد منها ماركسيون في صراعهم الفكري ضد ثورة المعلوماتية ومقابلة تحدي نظريات القائلين بموت الماركسية. فيقول الكاتب إن ماركس مثلنا جميعاً متعدد. وقال الرجل عن التكنولوجيا أشياء  مما يصعب مواقعة بعضها على بعض أو مما يمكن مواقعته ولكن بصور مختلفة وربما بصور جذرية في خلافها. ونشأت من جراء ذلك  ثلاث مدارس ماركسية تصدت لتثبيت الماركسية من حيث أرادت ثورة المعلوماتية خلعها وهي:
1-الاشتراكية العلمية
2-اللودية الجديدة
3-ما بعد الفوردية
والكاتب يعتقد أن أصحاب هذه المدارس جميعاً لم يحسنوا الاستجابة لتحدي ثورة المعلومات. ففي ماركس نسب إلى ثورة المعلومات بقوله: الطاحونة الهوائية جاءتنا بالإقطاعية وآلة البخار بالراسمالية الصناعي. هذه التحكمية التكنولوجية ليست كماً مهملاً في فكر ماركس. فهو القائل في مقدمة كتابه (المساهمة لنقد الاقتصاد السياسي): "يدخل الناس في الإنتاج الاجتماعي لحياتهم في علاقات إنتاج محددة مستقلة عن إرادتهم، علاقات تتطابق مع مرحلة محددة من تطور قوى إنتاجهم المادية" ويضيف أنه في طور من تطور الناس "تدخل القوى الإنتاجية المادية للمجتمع في نزاع مع علاقات الإنتاج السائدة" وتتحول هذه العلاقات من مٌعين لتطور قوى الإنتاج إلى قيد يثقل على تطورها. وهنا منشأ الثورة الاجتماعية,
واضح هنا في قول ماركس أن القوي الإنتاجية هي تكنولوجية بينما علاقات الإنتاج إجتماعية. وللأولى سبق على الثانية. ورد داير-وزيفورد هذه الفكرة إلى أثر إنجلز على ماركس. فألهمت ماركسيين مثل نيكولاي بوخارين الذي فهم أن التطور التكنولوجي طاقة مستقلة، محركة للتاريخ، تهدم قواها الإنتاجية المطردة أشكال الملكية المتخلفة في مسار قاصد لنصر الاشتراكية.
ولكن لماركس عبارات أخرى تعدل بل تنقض هذا الفهم الميكانيكي للتاريخ. ففي رأس المال يحكي عن رأسمالية، ولسيطرتها على مواقع العمل والمجتمع، تحول وسائل الإنتاج بتعميقها. ويصور ماركس حدوث ذلك في درجات متفاوتة متلاحقة منا التضمينات. في الفترة الأولى يفرض رأس المال العمل المأجور على أنماط أقدم موروثة من عهد الإنتاج الحرفي. وفي الطور الثاني يعيد رأس المال تنظيم العمل فيطبق العلم في الصناعة فيفشو الإبتداع التقني ويتصل بلا توقف، ويصبح الاستغلال، لا في تمديد ساعات العمل، بل في التكثيف النسبي للإنتاجية. ويقع هنا استبدال العمل العضلي بالعمل بالآلات. وما يدفع الرأسمالي لذلك هو أنه يريد تعظيم سيطرته على القوى العاملة بتجريد الحرفيين من مهاراتهم  وتوسيع مستودع جيش العاطلين. وهنا يعكس ماركس آية روايته الميكانيكية التحكمية آنفة الذكر (طاحونة الهواء أعطتنا الإقطاعية إلخ) . فالذي يدفع بالآلة ويزكيها هو نازع الرأسمالي للتحكم بالقوى العاملة (وهو عامل اجتماعي) وليس العكس. وخرجت من هذه الماركسية الأخرى قراءة للماركسي جورج لوكاش تصر على أن الآلات ما هي إلا لحظة في حياة قوى الإنتاج التي يخضع تشكيلها نفسه للشوكة الاجتماعية.
ماركس حمَّال أوجه في نظرته للتكنولوجيا والإنسان. فيمكن النظر إليه كمنظر رائد ل "النظم التقنية الاجتماعية" للعلاقة المعقدة التي أقامها أعلاه بين  "الاجتماعي" و"التكنولوجي". ولكنه في أحوال أخرى يكون "لودياً جديداً" مصاباً بالتكنوفوبيا (أي كراهة الكنولوجيا). ونعني باللودية الجديدة مدرسة من المفكرين ناقدة للتكنولوجيا وآثارها على الفرد والمجتمع. وقد أخذت اسمها من لودية القرن التاسع عشر التي احتج فيها حرفيون صنائعية في بريطانيا ضد استخدام الآلات التي جاءت مع الثورة الصناعية بل وسعوا لتهشيمها لأنه رمت بهم في البطالة وقطعت رزقهم.  فقد حفلت كتابات ماركس أيضاً بتصاوير من قرنه التاسعشري دالة على بغض التكنولوجيا. وفيها نجد آلة البخار تصادم العامل كتجسيد بليغ لرأس المال. فالآلة بذلك نظام متقن لتعذيب العامل. فتكنوفوبيا ماركس تظهر في قوله بأن كل مخترعاتنا وتقدمنا تبدو وكأنها تنتهي إلى تزويد القوى المادية بحياة فكرية بينما تشل الحياة الإنسانية وتجعلها قوة مادية. وهذ الغضبة من الالات تظهره  ك "اللودي الجديد" الذي ألمحنا إليه أعلاه. ولكن تجد ماركس في مواضع أخرى يتحدث في نفس الوقت عن الوعد التحريري للآلات. قال في كتابه رأس المال إن الصناعة الحديثة تحول نفسها وتغيرها "بواسطة الالآت والعمليات الكيمائية وغيرها" وبفعلها هذا تٌهًجِر كتلاً من العمال ورأس المال من قطاع صناعي إلى آخر". وهو يرى في هذه المرونة والتغير هجمة على العامل تنزع الطمأنينية من نفسه. ولكنه يرى من الجانب الآخر في هذا الإبتداع حسنة. فهو يهدم التخصص الضيق الذي مَيَّز الصناعة الحرفية بجعله التباين في العمل شِرعة تؤهل العامل ليعمل في العديد من أنواع الشغل. وهنا نرى ماركس آخر مأخوذاً بالإمكانيات التقدمية لعلاقة الماكينة والإنسان.
مثلاً: كيف نظر ماركس إلى تقدم تقنية الاتصال في عصره من تلغراف وبواخر وسكك حديد؟ هي عنده أدوات لا محيص عنها لتطوير انتاج المصنع ولخلق السوق العالمي وثمرة لتثوير رأس المال الذي لا يني لوسائل الإنتاج. فهذه التقنيات هي التي تضطر البرجوازية لتضرب في أنحاء سطح المعمورة لتنسرب في كل مكان وتقيم العلائق في كل فضاء. فهذه الوسائط التقنية في نظره أخطبوط يمدد من نظام سيطرة رأس المال. وفي عبارة له سبق بها عولمتنا قال: كل تطور في وسائل القوى الجديدة هو في نفس الوقت سلاح ضد العمال. فكل تحسين في وسائل المواصلات هو مكون هام في أتمتة السوق العالمي" تحيل التبادل النقدي قوة تبدو أنها تقف بوجه أي إمكانية للتحول الإنساني أو للتدخل الإنساني من فرط عملياتها الموضوعية غير الشخصية التي لا تني". وهذه عبارات جعلت ماركسيين كثيرين يركزون على التأثير الهيمني للوسائط الرأسمالية في صناعة المعلومات كما سنرى بالذات عند مدرسة فرانكفورت وثورة طلاب الستينات التي انتظمت حول أفكار هربيرت ماركوز .
ومن جهة أخرى نظر ماركس إلى الإمكانية التي وفرتها ثورة اتصالات القرن التاسع عشر (التلغراف، البريد المتسارع) لهدم الحواجز الريفية والقومية وتدويل البروليتاريا. وسبق ماركس وإنجلز شعار "يا عمال العالم اتحدوا" في المانفستو بقولهم إنه قابل للتحقيق لظرف" تحسن وسائل الاتصالات التي خلقتها الصناعة الحديثة ووشجت ما بين العمال في مواضعهم المختلفة". ولهذا قالا بأن البرجوازية، وهي التي خلقت هذه البئية من التآخي العمالي، قد شحذت "الأسلحة التي ستقضي عليها" في الوقت الذي جاءت لمسرح التاريخ "بالرجال الذين سيمتشقون هذه الأسلحة، الطبقة العاملة الحديثة، البروليتاريا". وأهتبل ماركس هذه السانحة للدعوة لنظريتهما على نطاق اسع. فسعى مع إنجلز للتسلل، عير وكالة أنباء سويسرية ، إلى وكالات أنباء عالمية في بروكسل، لبث أفكارهما على نطاق واسع. وقال الكاتب معلقاً إن هذا لن يجعل ماركس "هاكر" بالمعنى الحرفي ولكنه يشف عن تعلقه بإمكانيات ثورة الاتصالات في عصره.
واضح أن كتابات ماركس عن الآلة تأرجحت بين قطبين. الأول هو أن التكنولوجيا هي أداة لتمكين الرأسمالية ولتعزير استغلاها واعتقال العالم في التبادل السلعي. أما القطب الثاني فهو أنها قاعدة للحرية من العوز وللتداخل الاجتماعي اللذان هما بمثابة تمهيد للمجتمع الشيوعي. ومن إتبع ماركس جنح إلى قطب دون آخر أو راوح بينهما (39-42).
وبعد هذه المقدمة المفيدة  نظر الكاتب إلى الثلاث مدارس الماركسية التي نازلت مدرسة ثورة المعلوماتية (التي قضت بنهاية الماركسية) وعرض لاستجابتها لتحدي تلك الثورة وعلاقة التكنولجي والثورة. وسنعالج أدناه كل منها ونتعرف على كيف لاقت التحدي ومدى نجاحها من إخفاقها.

1-الاشتراكية العلمية: ركزت على مقولة ماركس عن التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقاته. وعليه رأت التاريخ مدفوعاً في سيره بقوانين نافذة تجاه الاشتراكية (42).  وتمثلت هذه المدرسة بأجلى صورها في كتاب إرنست ماندل "الرأسمالية المعاصرة-المتأخرة) (1968). وفيه يرد على بشائر دعاة إلغاء الماركسية بالنظر إلى ثورة المعلومات التي كان نجمها آنذاك دانيل بل بكتابه (قدوم مجتمع ما بعد الصناعي)(1973). وكان دافعهم لنقض الماركسية هو ما بدا لهم من قوة السبرنيطيقا وتنامي أهمية التخطيط والتعليم وتنامي "قاعدة المعرفة" التي يقوم عليها التطور الاقتصادي. وتمسك ماندل بماركسية ماركس. وقسّم المجتمع الراسمالي في الغرب إلى رأسماليات: رأسمالية السوق وتكنولجيا الآلة البخارية، فرأسمالية الاحتكار وآلتها كهربائية واحتراقية، فالرأسمالية المتأخرة وآلتها الكمبيوتر والذرة. وكل تحول في الرأسمالية يجلب مزيداً من الربح للرأسماليين (43).
ويصف ماندل الرأسمالية المتأخرة بتزايد وتيرة الأتمتة وإحلال نظم السبرنيطقيا محل العمال. ويترتب على ذلك أمور1- يتحول العمل الحي من معالجة مواد خامة حقيقية إلى وظائف تحضيرية وإشرافية، 2-تقع تطورات مبتكرة في تنظيم الأبحاث والتعليم الجامعي، 3-تسارع في الإنتاج وضغوط لإحداث ضبط أفضل للتفريدة inventory  وأبحاث السوق وإدارة سوق الطلب وزيادة الاستثمار في نظم تكنولوجية سرعان ما يجري استبدالها بأخرى أفضل. وستٌملى هذه القسمات على الرأسمالية المتأخرة ضرورة تنظيم أدق للإنتاج لا يقتصر على المنشأة بل يشمل الاقتصاد بأسره. وسيقود هذا جميعه إلى تدخل الدولة في الاقتصاد. ولن يغير هذا كله من الغريزة الأم للرأسمالية وهو الحفاظ على نسبة الربح.
وهكذا واجه ماندل طلائع نظرية مجتمع ما بعد الرأسمالية. ورفض فكرتها القائلة بأن المركزية الاقتصادية الناشئة للعلم والمعرفة التكنولجية هي من علائم مرحلة جديدة في التاريخ. قال: "إنه خلافاً لزعم الرأسمالية المتأخرة من أنها تمثل مجتمعاً ما بعد صناعي تبدو كالفترة التي (تصنعت) فيها كل فروع الاقتصاد للمرة الأولى". وقال بأن الاعتقاد في فحولة التكنولوجيا هو الشكل المخصوص من إيدولوجية البرجوازية في الرأسمالية المتأخرة. وهي "نظرية تزعم أن بوسع النظام الاجتاعي القائم، وبالتدريج، أن يستأصل شأفة بؤر الأزمات وأن يجد حلاً "تكنيكياً" لكل تناقضاته، وأن يدمج فيه كل الطبقات الثائرة ،ويتفادى التفجر الثوري". وانتهى ماندل إلى وصف الزعم بأن الإبتداع في التكنولوجيا سيعين الرأسمالية لتخطي أزماتها المزمنة بالضحالة. فعلى العكس، قال مندل، إن تلك الإبتداعات ستسوقها حتف أنفها إلى الهلاك الحتمي (43-44).
 2- - مدرسة التكنولجيا كإخضاع. تعود فكرة التكنولجيا كقيد إلى مدرسة فرانكفورت (ماكس هوركهيمر وثيودور برونو وهربرت ماركوز) ومفادها أن عقلانية التكنولوجيا خدمت التحرر الإنساني في ما سبق ولكنها صارت الآن ظالمة. وتعاصرت هذه المدرسة التكنولجية في الستينات مع مدرسة الاشتراكية العلمية المشروحة أعلاه. وروادها ماركسيون من أوربا وأمريكا استدعوا الجانب البغيض للتكنولوجيا من ماركس ناظرين إلى سوءة التكنولوجيا في عصرهم من استخدام قنابل النابالم، ووحشة خط التجميع (أسمبلي لاين) في المصانع، ومحطات التوليد الذري. وبدا لهم من عنفوان هذه الأدوات التكنولوجية وقهرها أنها تٌقَوى رأس المال بدلاً من إضعافه. فلم يصح عندهم بالتالي أن قوى الإنتاج الجديدة ستنشق عن وسائل الإنتاج وتحقق الاشتراكية. خلافاً لذلك بدا لهم أن قوى الإنتاج قد حصرتها علاقات الإنتاج التي رتبها الراسماليون لتمكين أنفسهم. وصار رأس المال المدجج بالتكنولوجيا بالنتيجة من المنعة بما مكنه من  صناعة "الإنسان أحادي الجانب" في قول ماركوس. واتخذت المدرسة مسارين. ركز أحدهما على مجريات العمل والآخر على اكتشاف الوسائط الجماهيرية (48-49).
وخلص المسار الأول إلى أن استخدام رأس المال للتكنولوجيا في الصناعة هو ضد الإنسانية في جوهره وناشيء من تصور مفاده ألا حاجة للناس لإحداث التقدم.ويرى مسار  الوسائط أن استخدام التكنولجيا يستهدف فرض "ثقافة الصناعة" التي تروج لمنشآت التسلية والإعلان مستنبطة حاجات زائفة في الناس لبضائع يشترونها فيأمنون لها ويلتذون فتٌبطِل فيهم التمرد والإنشقاق وتٌمكن للنظام السائد وتحميه. ومن هؤلاء الماركسيين الناقمين على "ثقافة الصناعة" هربرت شيللر الذي قال إن الاستبشار بثورة المعلومات باطل. فما نراه من مجتمعها المزعوم مجرد مجتمع تستأثر المؤسسة الرأسمالية به بما تذيعه من معلومات وليس مجتمعاً تخطينا فيه الرأسمال إلى مجتمع كوني من أفراد إنسانيتهم معصومة تخدمهم الإكترونيات. ولا يرى أهل المدرسة غضاضة في الرجوع بموقفهم إلى تقليد اللوديون  القدامي الذين حاربوا الاستغلال الراسمالي في القرن التاسع عشر بتهشيم الآلة التي استعبدهم المستغلون لها. فشيللر وصحبه  هم  لوديو ثورة المعلومات.  وبلغوا من ذلك أن  قال أحدهم إن جوهر مسألة التكنولوجيا الآن أن هناك حرب اجتماعية (بين العمال ورأس المال) ولكن جانباً واحداً منها هو المسلح.  وأضاف "إذا بدأ العمال صراعهم بتهشيم الآلات في معادنها لأنها أداة استغلالهم  فمسؤولية المثقفين الآن أن يبدأوا بغير تلفت هشم الماكينات الفكرية للاستغلال . وكان ماركس قد تعاطف مع اللوديين. ولكنه قال لقد مضى بعض الوقت حتى تمكن العمال من التفريق بين الماكينة وبين استخدامها بواسطة رأس المال لإستغلالهم. وبهذا الوعي انتقلوا بالتهشيم من الآلة المادية للإنتاج إلى هدم نوع المجتمع الذي يوظف هذه الآلات (50-54)  
3-ما بعد الفوردية (من هنري فورد صاحب مصانع السيارت الأمريكي الشهير). وهي دعوة لرأسمالية عاقبة للفوردية الذي هو مصطلح في رأسمالية التراكم المٌمَيزة للرأسمالية الصناعية لمنتصف الخمسينات من القرن العشرين. فهي نظام شامل للتنظيم الاجتماعي يقوم فيه الإنتاج على مصانع خطوط التجميع ، وسوق استهلاكي جماهيري مشراه بضائع منمطة، ويتمتع باستقرار كينزي (عائد إلى جون كينزي 1883-1946) لدورة المال والأعمال (بيزنس). وكان عصر الفوردية الذهبي في ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأخذت ما بعد الفوردية مساراً مختلفاً عن اللودية الجديدة والاشتراكية العلمية. فهي على خلاف اللودية الجديدة متفائلة بالطاقة التحريرية للتكنولوجيا الجديدة. ولكنها خلافاً للاشتراكية العلمية لا تنتظر من هذه التكنولجيا أن تنصر الاشتراكية بل إصلاح ذات بين العمال ورأس المال. وهي بهذا خطاب يقرب الماركسية كثيراً من تحليلات الأكاديميين الليبراليين ومستشاري الإدارة ومنظريّ مجتمع المعلومة (55-56).
ونشأت مدرسة الفوردية الجديدة من تحليل الأزمة التي استحكمت بالفوردية في الستينات والسبعبنات فابطلتها. وتولت "مدرسة الرقيوليشن (الضوابطية)" الفرنسية التنظير لتلك الأزمة والمخارج منها. فمن أسباب الأزمة في رأيها تشبع سوق الفوردية الجماهيري، وضيق العمال ببيئة الورش، وتفاقم تكلفة دولة الرفاه، وتغيرات في صور المنافسة العالمية. ويقول الانضباطيون في محنة الفوردية إنه منذ منتصف السبعينات تهافت نظامها للتراكم الفوري الناجح من قبل وتدنى الربح فتوالت فترات من الشك والتفكك وإعادة بناء للاقتصاد العالمي ما تزال جارية. وتساءل منظرو الضوابطية عن ماذا بعد الفوردية. ومع تباين الإجابات اتفق للمنظرين أن ما بعدها سيشمل إدخال تكنولوجيا جديدة تغير في وتائر الصناعي. وتكهن المفكر ميشل أقليتا بأنه ستحل بنا فوردية جديدة تستبدل خط التجميع الإنتاجي بنظام حاسوبي مؤسس على مبادي المعلوماتية. ولم يتفاءل أقليتا بهذا التحول لأنه سيضاعف من مطلوبات العمل ويستغني عن المهارة ويطبع المجتمع عامة باتجاهات شمولية تحكمية. واتجه منظرون بالفوردية الجديدة إلى مذهبين. فمنهم من اخذها بنبرتها المتشائمة بينما تفاءل آخرون بها وبنوا على ذلك. وممن تفاءلوا مايكل بيو وسارلز سابل. وهم من غير الماركسيين الذين تقاطعت أفكارهم مع مدرسة الإنضباطية الماركسية التي نظَّرت للفوردية الجديدة.  فإطار التكنولوجيا ما بعد الفوردي، في نظر بيو وسبل، سيعيد إلى العمل نعمة النظر والتعلم والتنوع الذي فقده بتمكن الآلة الميكانيكية في فترة الفوردية  وخلاصة قول بيو وسبل إن هذا الإنعاش التكنولوجي في مصانع ما بعد الفوردية سيزيل التباغض من موقع الإنتاج الراسمالي ويعلى من قيمة التعاون بين الإدارة والعمال. وصارت ما بعد الفوردية في طبعة بيو وسابل صناعة أكاديمية لرواجها بين اساتذة الجامعات (56-57)
لا اعتراض لداير-وزيفورد على الفوردية الجديدة من حيث قوة تحليلها لحقائق مبتكرة في الثقافة والأقتصاد في الرأسمالية المعاصرة. فهي أفضل نظراً من نقادها الماركسيين العقائديين. بل طرقت باباً من كتابات ماركس عن الرأسمالية كتجربة غير جامدة أهملها عقائدة الماركسيين. ولكن لا يعني توفيق الفوردية الجديدة في طرق مرونة الرأسمالية إعفاءها من المؤاخذة لتضعيفها التناقض في الرأسمالية. ففي حماسة منظريها ل" الزمن الجديد" للرأسمالية نسيوا "الأعداء القدامى". فركزوا على احتياجات التنظيم الموفق لرأس المال للمجتمع وغضوا الطرف عن العمال الذين نازعوه سلطانه (59). فأعتنوا بنمو رأس المال وتلاؤمه مع بيئاته المستجدة لا بالصراع الطبقي. وقد ألجأهم ً تهافت اليسار في الثمانينات إلى قبول حيوية الرأسمالية قبولاً كفوا به عن التفكير في مصرعها كما راهنت الاشتراكية العلمية بذلك. فلم يعدوا ينتظرون ميلاد نظام جديد بل قنعوا من غنيمته برأسمالية ذات تجليات مرنة وبالصفقة التي ستعقدها مع العمال فينحل الصراع الطبقي. فالنظرية لا تصوب نظرها للعمال الذين يمكن لهم استخدام سعة تجديد الرأسمالية وآلياتها لتداول الثورة لا البضائع. وسمى ناقد للفوردية الجديدة منظريها  ب"بيع المستقبل رهنا" . فالمنزل متى أفلس صاحبه يباع بثمن يحل دين الدائن وغالباً ما كان  ثمن البيع بخساً (61).    
ونظرا لتعقد هذا الباب وغرابة أطواره في المسميات أترجم هنا تلخيص الكاتب له. قال:
رأينا في الفصل كيف استجابت مدارس ماركسية بطرق متباينة لتحدي ثورة المعلوماتية. وهذا التباين مردود إلى كتابات ماركس المعقدة عن التكنولوجيا. فكل أخذ ناحية من فكرة ماركس عن التكنولوجيا والمجتمع واشتغلها مخالفاً آخرين. فالاشتراكية العلمية تنبؤوية رأت في تداخل قوي الإنتاج وعلاقاته طريقاً سالكاً مؤكداً لقيام الاشتراكية. بينما رأت مدرسة  التكنولوجيا الإخضاعية أن التكنولجيا تمكن للراسمالية. وعالج الفورديون الجدد تطور التكنولجيا كفرصة لأنسنة العمل وتجاوز صور استغلاله الموروثة.
وتعاني هذه النظريات من نواقص كبيرة. فالاشتراكية العلمية سحبت المكر البشري من المعادلة وأحلت محله آليات تقود بصورة أتومتيكية  إلى الاشتراكية. وأما مدرسة التكنولجيا الإخضاعية فردت الفاعلية للمكر الإنساني إلا أنها لم تخرج به من نطاق الاستغلال بما يملي عليه تهشيم التكتولوجيا. أما الفوردية الجديدة فقد امتصت عقائد منظري ثورة التكنولوجيا وتتازلت عن تبعة نقد رأس المال بل بايعته على منطقه في المرونة والتطور.
وخرجت كل هذه المدراس من الماركسية بطريق أو آخر. فلم يبق حجر على حر في بناء الاشتراكية العلمية المتفائل بمستقبل الاشتراكية بعد تهافت نظمها في آخر الثمانينات. واكتنف مدرسة الأخضاع التكنولجي اليأس. وتحالفت ما بعد الفوردية مع مدارس ما بعد الماركسية التي زعمت تخطي تباغض رأس المال والطبقة العاملة. وهذا العرض صالح مبوجه هام رأينا فيه كيف أمرضت ثورة المعلوماتية الماركسية مرضاً عضالاً (60-61).

7
لم تنفد جعبة الماركسية من سهام تتصدى بها لتحدي ثورة المعلوماتية. فالكاتب بعرض  في الفصل التاسع إلى مدرسة ماركسية إيطالية فرنسية معاصرة ارتبطت باسم مجلة "فيوتر أنتريو" الفرنسية التي صارت "ملتيود" في 2000 . وهي مزج للمدرسة "العٌمالية-الأتمتة" الإيطالية مع شاغل فرنسي بالماركسية والتكنولوجيا في ستينات وسبعينات القرن الماضي. فالعٌمالية الإيطالية جعلت الطبقة العاملة مرتكزاً لبعثها الفكري. ولما أضطر أنطونيو نقري، نجم العٌمالية، اللجوء إلى فرنسا تشكلت نظرية مزجت عمالية إيطاليا بشاغل مباحث الثورة التكنولوجية  الفرنسية وجعلت مجلة فيوتر أنتريو منبرها النظري. وضمت إلى جانب شيوخ ماركسيين مثل نقري شباب مثل مايكل هاردت ومورزيو لازارتو . ومن رأي داير-وزيفورد أنها المدرسة الماركسية الأقرب إلى الإصابة في الاستجابة لتحدي الثورة التكنولجية.
واسطة عقد المدرسة هو مفهوم "العقل أو الذهن العام". وجاء ماركس بالمفهوم في كتابه "خطوط عامة لنقد الاقتصاد السياسي" (1939)  في باب من الكتاب عنوانه "شذرات عن الآلة". في هذا الباب ترك ماركس تأكيده المعروف لدور العمل في خلق الفائض اللازم للتقدم الاجتماعي. بدلاً عن ذلك رأى، أنه عند حد معين من تطور رأس المال، لن يعتمد خلق الثروة على انفاق وقت العمل في الإنتاج. خلافاً لذلك فخلق تلك الثروة سيعتمد على عاملين متناصرين هما الخبرة التكتولوجية، اي العمل العلمي، والتنظيم أو الترتيب الاجتماعي. وسيكون العامل الحاسم في الإنتاج "هو تطور الملكات العامة للدماغ الإنساني" أي "المعرفة الاجتماعية العامة"، "العقل الاجتماعي" وبعبارة سائغة "القوي العامة المنتجة للدماغ الإنساني". ويتمثل التعبير الأساسي لقوة الذهن العام في تصاعد أهمية الآلات، أي رأس المال الثابت في التنظيم الاجتماعي. فالطبيعة لا تصنع الآلات التي هي من صنع الذهن الإنساني معمولة باليد الإنسانية. وعليه فالآلة هي قوة المعرفة موضوعياً (مموضعة). فتطور الآلات يرينا إلى أي مدى أصبحت المعرفة العامة قوة إنتاجية مباشرة. وكذلك المدى الذي أصبحت به أوضاع عمليات الحياة الاجتماعية نفسها تحت تأثير الذهن العام وكيف صارت تتحول بسببه. وكان ماركس يقصد بإشارته للتكنولوجيا إلى الأتمتة والاتصالات التي وحَدَت السوق العالمي (219-220).
ويعتقد داير-وزيفورد أن قول ماركس في "شذرات عن الالآت" نبؤوي. فهو يكاد يصف مجتمع المعلومات أو اقتصاد المعرفة المعاصر. وهو اقتصاد تتداعي فيه سائر موارد المجتمع الفكرية (في فرق العمال على بلاط المصنع، وشراكات الصناعة مع الجامعات، وغيرها) لتنتج البدائع التكنولوجية للمصانع التي يديرها الروبوت وانفلاق الجين، وشبكات الكومبيوتر الدولية. ولا يصح من ذلك أن نستنج أن الاشتراكية صارت قاب قوسين أو أدني. ما وجب التنبه له أننا نشهد في البادي إعادة تنظيم ظافرة للرأسمالية التي توظف الإبتداعات التكنولوجية المحدثة لكي تمكن لنفسها من سيطرة على الدنيا غير مسبوقة.
تبقي أن نعرف ما بوسعنا أن نتعلمه من تفاؤل ماركس بالعقل العام. وهذا العلم ما أخذت مدرسة ال "فيوتر أنتريو " على عاتقها الحصول عليه. وملخص فكرتهم هو: اضطر رأس المال، مضغوطاً بصراع العمال الجماعي في الستينات والسبعينات وأزمة الفوردية، إلى اجتراح مستويات غير عادية من التكنولوجيا العالية وسلاسة الحراك العالمي. وجاءت بنا هذه التطورات إلى العقل العام" الذي قال به ماركس. ولكن هذا الزخم لم يؤد إلى هلاك الرأسمالية. ولكن ظهر بعض ما تكهن به ماركس من ذيول هذا الزخم. فقد تآكلت قاعدة العمل المأجور وتزايدت الطبيعة الاجتماعية للانتاج. ولكنها لم تأت بما يشتهي الماركسي من إهلاك الراسمالية. فقد استمر النظام كما كان في إطار للعمل المأجور والملكية الخاصة ما يزال (221).  
ومن رأي مدرسة الفيوتر انتريو أنه لملاقاة تحدي الثورة التكنولوجية لما بعد الفوردية وحقائقها أن نتصالح مع فكرة أن هذه الرأسمالية، التي أنقصت العمل عند محطة الإنتاج بفضل إبتداعها التكنولوجي، ستتطلب نشأة جملة من الملكات الاجتماعية والتعاون: أي رعرعة "المعرفة الاجتماعية العامة". ويبحث منظرو المدرسة جوانب هذا التكوين الذاتي للعقل العام  ويسمونه "التثاقفية الشعبية". وهذه التثاقفية هي جماع المعارف-البصائر التي تسند عمليات اقتصاد التكنولوجيا العالية. وهي همة في بروليتاريا الفوردية الجديدة التي تواثقت بصورة مباشرة بعمل إتصالاتي وتكويني الحاسوب لحمته وسداه. وهذا التثاقف الجماهيري شديد الصلة ب"العمل غير المادي" الذي يَسِم الفوردية الجديدة التي تلعب المعلوماتية والاتصالات دوراً هاماً في كل مرحلة من مراحل الإنتاج. وهي مما لا يحتويه تفريق الماركسية بين القاعدة والبناء الفوقي أو الاقتصاد والثقافة. فهذا العقل مما يصعب وصفه بمصطلح الاقتصاد. ولهذا السبب نفسه (لا رغماً عنه) صار هو المكون الاساسي للإنتاج الرأسمالي في أيامنا هذه.
ويبقي السؤال: إلى أي مدى سيستطيع رأس المال احتواء هذا التثاقف الجماهيري؟ وليس هذا الاحتواء صعباً بالطبع وهو حادث. ولكنه سيستدعي ممارسة درجة عالية من الرصد والتجسس. فالإدارة الرأسمالية وطائفة من المؤسسات، بما فيها المدراس، تحاول قصر استخدام المعارف المنتجة وانتشارها. والفيصل هنا الربحية التي لأجلها يحظرون الروابط والعلائق التي بوسعها أن تغير بصورة جذرية بنية حقل المعرفة. وهذا التضييق على التثاقف الجماهيري هو ما تتفاءل مدرسة الفيوتر انتريو أن يصبح مناسبة لصور جديدة من الصراع الاجتماعي (222).
ومن رأي نقري ولازاراتو أن هذا الصراع سيقع في حيز "الإدارة التشاركية" التي هي سمة الذهن العام لعصرنا. ويقصدان بذلك ما تبذله الإدارة في ما بعد الفوردية ليبلغ فَضل العمال (اي ما تبقى منهم بعد الأتمتة) أقصى حدود الإنتاج بحفز إبداعيتهم ومشاركتهم ويقظتهم. فروح العامل هي المرغوب أن تتنزل في المصنع بعد الفوردي لا مجرد عضلاته. ولكن من رأيهما أن فريق عمل ما بعد الفوردية المبدع لا يختلف كثيراً عن عمال خط التجميع في مصانع الفوردية. بل ربما كان هذا الفريق أشد شمولية لأن الإدارة تستصحب ذاتية العامل وإرادته ليلجم روحه لجماً يكون به الأمر بالطاعة صادراً عن الذات وعمليات الاتصال نفسها. وهنا منشأ تناقض: فالرأسمال بحاجة إلى إبداعية العامل ولكنه يحذر من استصحابها على طول الخط وسيقلب لها ظهر المجن لأن الإنتاجية هي شاغله الأكبر (223).
وقد درس لازارتو هذا التناقض بين الدعوة لإبداعية العامل بواسطة رأس المال والتملص منها في أعقاب إضرابات مصانع البيجو الفرنسية في 1989. وهي إضرابات كسرت شهر العسل الطويل بين العمل ورأس المال وذكَّرت بعمال خط التجميع في الفوردية وثورتهم. ووجد لازاراتو بوناً كبيراً بين المفروض من استعداد الشركة لسماع  اقتراحات العمال لما ينبغي أن تكون عليه الإدارة وما بين تصميمها ألا تأخذ منها إلا ما يقوي الإنتاج. ووجد لازاراتو أن التراضي المزعوم بين العمال والإدارة مختلطاً بمطلب الأجر الأفضل وبتذمر من إطراد سرعة الإنتاج. وأضرب العمال وكان من بين مطالبهم أن تجعل الإدارة من حديثها عن التعاون واحترام العامل خٌلقاً صناعياً ممارساً. وكشفت دراسة في أمريكا عن أحوال العمال في مصانع ما بعد الفوردية هزء العمال من الإدارة التشاركية. فهم يسمعون بالعلاقة الجديدة مع رأس المال ولا يجدونها. فالعمال كما وجدتهم الدراسة لا يحبون شركاتهم بينما ذلك الحب هو ما قال منظرو ثورة المعلوماتية إنه لحادث. وبرز هذا التناقض في كندا حيث أضرب العمال في مصانع جنرال موتورز في 1996 مطالبين ب "تملك الوظائف" في وجه حملة لإنهاء التعاقد. وزاد العمال بأن طالبوا بيوم عمل أقصر ورفضوا تهجير مصانعهم للخارج وإلى إلزام الإدارة بتخديم أهل المنطقة التي يٌهَجَّر لها المصنع بشروط مجزية. واستمر الإضراب 22 يوماً واحتلوا مصنعاً ولقوا تأييد الرأي العام (224-225).
وصور التناقض بين زعم ما بعد الفوردية بالإبداعية وتجنبها للعمال مع ذلك عديدة. فوجد منظرو الفيوتر انتريو في بعض المصانع أوضاعاً تحالف فيها العمال مع حركة الخضر للبيئة لأجل "العمل الأخضر" ولتعميمه خلال شبكة عالمية. وفي حالات أخرى نجد العمال جدوا للاستمرار في الإنتاج بكفاءة جديدة في حالات استغناء رأس المال عن العمل المأجور بدلاً من الإضراب لوقف الإنتاج. وقد يكفي هذا لنرى كيف أن العمل الجديد، العمال، يحاول توظيف نفس الطاقات الفكرية والتضامنية التي يوظفها رأس المال في فريق الإنتاج ولكن في وجهة أخرى. وكثيراً ما تقاطعت تحالفات العمل الجديد مع حركة الخضر والنساء والشعوب المقهورة. وعليه نستطيع من وجهة هذه الحركة الجديدة للعمال أن نقول إنها بديل تحت التكوين لتنظيم رأس المال للعقل الجماهيري لأغراضه.
ومن رأي الفيوتر انتريو أن هذا العقل الجماهيري سينفجر بوجه رأس المال ليس لأن رأس المال سيستغني عن عمال كثيرين فحسب بل لأنه استحصل على المعارف والخبرات من ثورة المعلوماتية التي ستعينه على تدبير المجتمع على نحو مبتكر.ويسمي نقري هذه السعة المبتكرة ب" الشوكة المٌنشئة" التي تهدف سياستها الجذرية إلى إقامة "جمهورية" تتطهر من تأمر رأس المال وسلطنة الدولة. ويرى منظرو الفيوتر انتريو تجلي إمكانات هذا العقل الجماهيري في موجات الاحتجاج الاجتماعي التي انتظمت الدول الراسمالية المتقدمة في التسعينات (226).  
وبالطبع تعرضت فكرة "العقل الجماهيري"، الذي له ولاية الثورة والتغيير في مجتمع ما بعد الفوردية، إلى نقد دقيق. فوصف النقاد منظري العقل الجماهيري بأنهم رجال أوربيون. وعليه استبعدوا ،في تركيزهم على سيادة العمل غير المادي، الذهني، في العقل الجماهيري، النساء وعمال الجنوب، غير أوربا، الذين ظلوا يخضعون لمشاق العمل الجسدي المرهق. فمن رأي النقاد أن رأس المال ما زال يفرق بين طوائف المستخدمين ويرتبهم هرمياً. وتأتي طبقة "المحللين الرمزيين" من مهندسين وعلماء، التي هي ثمرة الثورة التكنولجية، فوق الفراشين وعمال الخدمات عامة.ممن برزوا بشكل واضح في رأسمالية ما بعد الفوردية. فالفيوتر انتريو في نظر نقادهم "صفويون" لم يفارقوا ماركسية الحزب الطليعي الذي عليه ولاية الثورة نيابة عن العمال. وكانت لمنظري الفيوتر انتريو ردودهم على نقادهم وأهمها أن التكنولجيا المتقدمة لن تترك خالفاً لا يتوسل بها إلى اغراضه.وضربوا مثلاً بفراشيّ وادي السيلكون، ذؤابة التكنولوجيا في عصرنا، في كليفورنيا الذين طَوعوا الحاسوب لتقوية حجتهم وصفهم خلال إضراب ما.  وكذلك حمل الإنترنت مقاومة مناضلي الزباتيين في المكسيك والمطالبين بحق تقرير المصيرفي تيمور الشرقية. ومن رأي داير-وزيفورد أنه مهما قلنا عن اليوتر انتريو فلا بد أن نذكر لهم أنهم جاءوا بصيغة عن الصراع الطبقي في مجتمع ما بعد الفوردية الذي قال منظرو ثورة المعلوماتية إنه خلا من ذلك الصراع. وهي صيغة صالحة على حاجتها إلى مراجعة مسلماتها واستكمالها بما وصفه ماركس ب"التحري العمالي" تنهض به شبكة باحثين في دراسات متضامنة تقف على أشكال الصراع الطبقي المستجدة (231-232).         
وضرب الكاتب على مثل هذا التحري النافذ إلى التجليات المستحدثة للصراع الطبقي مثلاً على استصحاب رأس المال للفكر وساحاته، الجامعات، خلال العقود الماضية. فمن الملاحظ انكماش المسافة بين الصناعة والجامعة منذ الحرب العالمية الثانية حتى تبخرت فصار الأكاديميون ،وبصورة قاطعة، طرفاً في استحواذ رأس المال على الذهن العام.   فقد أصبحت الأكاديمية مسرحاً لذلك الاستصحاب للعقل العام بما جعل الصناعة أكثر فكرية حتى سمت مايكروسوفت موقع إنتاجها ب"الكامبس" وهو لغة في الجامعة. والهدف من ذلك هو تحويل الهمة الأكاديمية إلى رأس مال فكري. فبين عام 1970 و1980 نجح رأس المال في "تسليع" الأكاديمية. وجرى ذلك بخلق شراكة بين الصناعة والأكاديمية تجسدت بقوة في ما عرف ب"منتزه البحوث" (Research Park) التي أصبحت معلماً هاماً في حياة جامعات ذات خطر. وفيها تمول الصناعة ما ناسبها من أبحاث على حساب البحث في المسائل الأساسية التي يمليها الشاغل الأكاديمي وحده.
وتعددت صور استصحاب رأس المال للجامعة. فجاء رأس المال لها ب "ببراءة الاختراع" لإغراء علمائها بالركون إليه. ثم جاءت الصناعة في التسعينات بمفهوم "الجامعة الافتراضية" (virtual university) زودت به الجامعات بتكنولوجيا الحاسوب المتقدمة ليكون التعليم عن البعد هو الغاية المثلي. وفي هذا "تسليع" لوظيفة الجامعة التعليمية. ويقول نقاد الجامعة الافتراضية إنها مصممة لبيع وظيفتها ومنتوجها التربوي في سوق الله أكبر. مثلاً صار المدرس يبذل مادة كورسه لتعبئها شركات التعليم في أقراص مدمجة للبيع بما أفقده قبضته البيدجاجوية (التربوية) على مادة تدريسه. ومن شأن ذلك أن يجعل الاستغناء عن الاستاذ يسيراً أو أن يٌثقَل عليه بتبعات التدريس من على البعد بالإنترنت. ومع أن جدوى هذا التعليم لم تثبت بعد إلا أن الصناعة وإدارات الجامعات تتوسع فيه غير متحسبة للعواقب.وسمى ديفيد نوبل، الناقد الدقيق لتبذل الجامعة إزاء الصناعة، تلك الجامعات ب"بطواحين الدبلومات الرقمية".  
ومثل هذه الأحوال المتغيرة في الجامعات هي الأساس لعلاقة ناشطة جديدة بين الأكاديميين والطلاب الخوارج على تبذل الجامعة والحركات الاجتماعية المعارضة. وهذا مدخل هؤلاء ليكونوا طرفاً في الذهن الجماهيري وليقوموا ببحث القضايا ذات النفع للحركات الاجتماعية وتدريسها وكسر الحائط الرابع بين الجامعة وقادة تلك الحركات ليكونوا طرفاً في المشاركة بخبراتهم واشواقهم. ويمكن للأكاديميين الخوارج  مصادرة الحاسوب، الذي أريد له تدجين العملية التربوية، من أربابه الرأسماليين لخدمة التغيير الاجتماعي. وضرب مثلاً بما جرى في ربيع 1994 الذي دخل فيه الطلاب من أصول أسبانية في جامعات ميتشغان وكلورادو ونبراسكا في إضراب عن الطعام واحتلوا بعض الجامعات. وطالبوا ببرامج تعليم جديدة ومبادرات ضد العنصرية ومقاطعة شراء العنب تضامناً مع لَقَّاطيه من ذوي الأصول الأسبانية وبناء نصب تذكاري لسيزار شافيز أول من نظم العمال الزراعيين في الستينات. وقد استخدموا الكومبيوتر في تنسيق حركتهم والتضامن معها. وجرت أيضاً في 1995 و1996 حملة رسائل إسفيرية منسقة في كندا والولايات المتحدة ضد ارتفاع تكلفة التعليم وضعف العون المالي للطلاب. وصفوة القول إن الجامعات صارت هي مركز للتعبئة السياسة الجذرية مستخدمة ذات الحاسوب الذي ارادت به الصناعة جر الجامعة إلى أغراضها  (233 -236).
وختم داير-ويزفورد الفصل بتأكيده بأن ثورة المعلوماتية لم ترم بالصراع الطبقي إلى سلة المهملات. ففي الجامعة، كما في المصانع، تعلم العمال والطلاب والأكاديميون حيلاً من التكنولوجيا التي سعى بها رأس المال لاستصحابهم في مشروعه لتراكم الثروة. فقد انكشف مستور ثورة المعلوماتية وبان ضحايها فتحفزوا للصراع ضدها بشفرتها نفسها. ففي الثلاثة عقود الأخيرة انكشفت عورة هذه الثورة التكنولجية: لم تبسط بركة تكنولوجياها على الناس كما أشيع وفتجمدت أجور العمال بل تدنت. وما زعموه من تمدد ساعات الفراغ للمتعة صار تزايداً في معدلات البطالة. ولم تحسن الشركات إلى "طبقة المعارف" التي قيل لنا إنها ستكون ربان سفينة المجتمع ما بعد الفوردي (236-238).
وعموماً فإن يوتوبيا ما بعد الفوردية أسفر عن تزوير كبير. ولن نعلم عنه علم اليقين إذا اقتصرنا على مجرد رفع جهل الناس عن قوة رأس المال ونفاذه في المجتمع مما يمضغه كثيرون باسم الماركسية. فمتى وقفنا عند هذا المضغ فشا الهزء واليأس. فالتحدي الحق أن نضع أصبعنا على إمكانيات أن نبدل حالنا غير الحال مستلهمين ما كتبه ريموند وليامز بأن التحدي الجد للثوري هو "أن يجعل الأمل عملياً بدلاً من تسويق البراهين على حالة اليأس الراهنة". ولهذا وجد الكاتب نظرية الفيوتر انتريو صائبة لقولهها بتجدد حلقات الصراع بين العمل ورأس المال وتغيرها. فهذه النظرية ترى أن ثورة التكنولجيا نفسها، التي قيل إنها رمت بالصراع الطبقي إلى سلة التاريخ، تشكل حلقة من حلقات هذا الصراع الاجتماعي. فهي مما يفتق عنه ذهن رأس المال لتحوير نفسه وتطويرها ليستغني عن العمال ويقمعهم. وأهم من ذلك قول مدرسة الفيوتر انتريو إن حيلة راس المال باءت بالفشل. فبدلاً عن استئصال الصراع الطبقي تسرب هذا الصراع إلى آلة التكنولوجيا وتَقَوى بفنياتها التي كانت تهدف لإزهاق ذلك الصراع. .فالثورة التكنولوجية المزعومة للجم راس المال  مثل الساحر الذي استجمع ب "شيخن بيخن" وسائط للإنتاج والتبادل متناهية الضخامة ولكن انقلب السحر على الساحر الذي لم يعد يقوى على السيطرة على عالمه السفلي الذي استدعاه بالرقي والتمائم (237).      

الخاتمة
شاغلي من تحرير هذا الكتاب ليس تخطئة الخاتم في إطراحه الماركسية. فهذا جائز دائماً وأبداً. فأنا نفسي لا أعرف عن نفسي إنتماءاً للنظرية يخولني "سلطة التكفير" فيها. وأجد في تعلقي بها في زمن الضباب هذا عزاء في قول سيمون جوات عن علاقة ليوتارد الفيلسوف الفرنسي بماركس. قال في ما تقدم إن تعلقه بنصه ليس كنظرية بل كجنون. لم  أكتب ما قرأته "دفاعاً" عن الماركسية بل بحس بمسؤولية سواء اعتقدت فيها أو نفضت يدك عنها. وأعني المسؤولية أن نقبلها فوق حيثيات وأن نتركها فوق حيثيات. ووجدت عبارة دريدا المذكورة في أول البحث عن هذه المسؤولية كافية بالغرض. وحررت الكتاب لما رأيت الخاتم لم يأخذ هذه المسؤولية مأخذاً جدياً. فغادر الماركسية كالشعرة من العجينة لم يعلق به نص منها ولا اعتنى بالانتماء إلى سياق من غادروها قبله ليكون مناقشه على بينة من أمره. ووجدته يطرب للحزب الشيوعي وخياراته الماركسية والطبقية الباكرة. وهذه مسؤلية سرعان ما عاد منها ليطالب بحله ورمي طوبة الطبقة العاملة كطليعة للاشتراكية وحل الماركسية في إطار نظريات شتى. وما يلزمنا بهذه المسؤلية إن الماركسية في السودان كتقليد ثقافي هي كل ما لدينا خلال نصف قرن من الزمان وتخللت مجتمعنا من غمار الناس إلى مبدعيهم. فالرمي بها هكذا بلا دليل ولا برهان قفزة في الظلام.
ولتعميق مفهوم هذه المسؤولية وجدت سيمون جوات في كتابه الجديد "ماركس عبر ما بعد البنائية" دقيقاً في هذا الخصوص. فقال إن  "تخريف" الماركسية قديم. فلم تنعم الماركسية بالقبول في فرنسا مثلاً إلا ما بين 1945 و1968. والعام الأخير عام ثورة الطلاب الذي تخطى فيه الفلاسفة الجدد لما بعد البنائية ماركس وانقلبوا عليه بثأرية فظة. فتبارى هؤلاء الفلاسفة الجدد في "تخريف" ماركس وعقيدته (10). ولكن جوات انصرف عن النتيجة التي وصلوا لها ليقف على كيف قرأ هؤلاء الفلاسفة ماركس ووظفوه ونقدوه وكيف أغتنى ماركس من قراءتهم (36). فليوتارد مثلاً لم ير أن الماركسية قد قضت نحبها وتحديها الماثل هو أن تواصل المسيرة ( 38). فهو يستصفي ماركس لأنه ما يزال، بنقده للرأسمالية، وبحربه عليها، يعزز العامل الذي يتعرض ل differend وهي حالة من العقم يعجز فيها المرء عن ردة الفعل على ما ينتابه من ظلم. فالعامل يخضع لإضطهاد مزدوج في نظر ليوتارد. فهو يبيع قوة عمله للراسمالي ويٌحظَر من الوسائط التي يعبر عليها عن ظلمه (58 ). فلا يمكن تبسيط المسألة   
ف"إلحاد"  ليوتارد عن الماركسية فتح علاقته بماركس بسبل خصيبة الخيال. فبدلاً أن يتعامل ليوتارد مع ماركس كنظرية تٌفهم وتٌطبق رغب في أن يتعامل مع ماركس ككاتب، ومؤلف مليء بالمشاعر effects  , وأن يتعامل مع نصه كجنون وليس كنظرية. فهو لا يريد أن ينظر لعمل ماركس كنظام نسيق يحتاج إلى أن يٌقام  على الأرض أو كعلم تحتاج فلسفته إلى إعاد تركيب. ليوتارد تعامل مع شغل ماركس كقطعة فنية تتفجر طاقتها هنا وهناك مستقلة عن تناغم الخطاب. وتنفجر مرات في تفصيل منسي ومرات في منتصف آلية مفهومية راسخة مجذرة وبينة (46). فحتى حين اتفق له أنه قد تخطى ماركس أكد مجدداً أهمية ماركس في محاولتة نقضه.
أريد بهذا الكتاب أن نعرف عن الماركسية بافضل ما عرفنا عنها حتى قبل أن نستدبرها. فالماركسية، قبلتها أم رفضتها، تستدعي معان لا يكون العالم بدونها.  

المراجع
Isaiah Berlin, Karl Marx, 1963.
Simon Choat, Marx through Post-Structuralism, 2010
Jacques Derrida, Specters of Marx, 1994
Nick Dyer-Witheford, Cycles and Circuits of Struggles in High-Technology Capitalism, 1999
Saul K. Padover, Karl Marx, 1978.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.