• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي لمزيد من المقالات في منبر الرأي وحَلٌ ومخاض .. بقلم: شاذلي جعفر شقَّاق
وحَلٌ ومخاض .. بقلم: شاذلي جعفر شقَّاق طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 18 آب/أغسطس 2013 09:11



Jou_shagag@hotmail.com
توارت الشمسُ تماماً ، احتجب جبل (الرويان ) الشامخ عن الرؤية ، تجمَّعت السحبُ من كُلِّ حدَبٍ وصوب ؛ تشابكتْ ..تعانقت .. تداخلت فيما بينها ..همهمت ..حمحمتْ و أرعدت ..توقَّف الهوءُ عن المسير (كَتَمَتْ ) ، أنذرتْ بالهطول ..أشرعت القريةُ فى لملمةِ أطرافها وتسوية أمورها .. صوت صفيَّة بتَّ المادح وهى تستحثُّ أغنامها على سرعة الإياب إلى الحظيرة :( حِىْ حِىْ حِىْ حِىْ ) ..عطسة عبد الوهاب ود حمِّيدة الصارخة  يعقبها صوتُ إغلاقِ المخزن العتيق ، على ود بساطى  يصيح : (هوى آ سعاد هوى هوى هوى ..قُشار .. ها شافعة أمشى لا قِدَّام ؛ المطر دى صبَّت ! ، لم تصب فعلاً فى تلك اللحظة ولكنَّ الفعلَ استبق الحدوثَ فى مضمار اللغة الندىِّ نداوةَ ذلك الأصيل وطلاوته ، صبيةٌ وصبايا يتقافزون على أسطُحِ البيوت والرواكيب يجمعون البلحَ -المنثورَ على هاماتها – اتِّقاءَ المطر ، نساءٌ يهرولن داخل بيوتهنَّ تتداخل أصواتهنَّ :(البامية والطماطم مقطَّعات فى صينية تلقيها فوق راس المزْيرة آ بِت ..اللوبيا والعدسى والعيش الرِّيف مشرورات فى (الخِنين) ..السَّعَف والبوص والحنْقوق جيبيهن من الراكوبة ..العلجيَّة الجديدة لمِّيها ما تلْحق الصِّح ! ..مفتاح السحَّارة فوق الطَّاقة ..اللمبه مولِّعه فى القاطوع .. لا لا ضايريهو معاك ..يا بِتْ اربُطى راسك ده بى قطعة .. هَىْ راس الحطب فى الحوش الورَّانى اتْناولنّو .. أجى ! بعدين نولِّع شنو ؟ .. يا ولد ما تبارينى زىَّ الضُّلْ كدى ؛ اتْرزِعْ مع اخوانك جُوَّه ) . كلُّ ذلك وكُلُ غرفةٍ تفتح صدرها باشَّاً ، واسعاً ورحبا .
غريزةُ الحيوانات تقرأ نشرة الأحوال الجويَّة بنبوءةٍ لا تخيب ؛  نهيق .. ثُغاء .. خوار .. ومناغاة تشى بأنَّ بعض البهمِ  قد كسر حاجزَ فطامِه المؤقَّت ! . حوارٌ بشرىٌّ حيوانىٌّ مفهومٌ ومعلوم ، وحُبٌ وإلفة ومُزاح وعناد وصَلَف أحياناً . قسم الله ود سعيد يُدخل الماعز والضان حظيرةَ الأبقار كضرورةٍ وذلك لاتساعها وتحصينها بعض الشئ ضدَّ المطر ، طوريَّة أحمد ودسلمان تسوِّى طريقَ المطر فى الزُّقاق ، العوض ود سعيد يترجَّل من دابَّته على صهوة سؤاله : ( ها جنَّون التيراب لمِّيتوهو؟ ) .
قريةٌ يكتنفها التشابهُ حدَّ التطابق ؛ فى موسمِ الزواج والإنجاب والزرع والحصاد ، اليُسْرِ والعُسْر ، اللباس والمعاش ، الطمأنينة والحذر ، الحزن والفرح ، العافية والمرض ..آه  ..الحصبة  .. الكتْكوته ..الرَّمَد ..البُرْجُم ..البرونبوفيه .. الدَّانْقَسيه .. آه .. يا علقم العلاج ؛ الشرغرغ .. الحرْجل ..القرض .. الملح ..الزيت ..المبخر ..البخرة  ..المحايه ..طين البحر .. الشاى المُر ..المُسَّار .. العجين ولبن الحمير !
قريةٌ تسمِّى – من فوق حيطانها التى تتقاصر شِدَّةً ولينا – مصادرَ السُّعال والتثاؤب والدندنات والهدهدات والقهقهات . قريةٌ تعرف ما يدور بخَلَد كُلِّ ركنٍ من أركانها . قريةٌ تزور مريضها الافتراضى الذى وشى به بخور التيمان !
قريةٌ تتشاطر الحياةَ حلوها ومُرَّها حتى يختلط عليك المُصاب بالمُواسى ، الجذلان بالمُجامِل ، المُجارُ بالمُجير والضيفُ بالمُضيف .عامرةٌ فى رحاب الله بالصبرِ والإيثار ، هاجعةٌ على قلعةِ الخصاصة ملتحفةٌ غيمات الرضاء ، قابضةٌ على مسبحةِ القتاعة ، ميمِّمةٌ وجهَها شطرَ الجروفِ والسواقى ، كادحةٌ فى سبيل بقاءِها كدْحا ، النيلُ والمعاولُ والأذرعُ الخضراءُ والعَرَقُ الحلال .
توقَّف الهواءُ عن المسير (كَتَمتْ ) وقَّع البرقُ حضورَه على صفحة السماءِ الشرقية على عجل ؛ كشط عودُ ثقابه الأحمر الأفقَ البنىَّ .. زمجر الرعدُ واندلقت السماء .. الله .. تنزَّلت الشآبيبُ المترعةُ برغبةِ الهطول ِ على الأرضِ المفعمةِ بشهوة الارتواء ..خبأ الضجيجُ ، تقرفصت القريةُ ، وسعت الغرفُ الصغيرةُ كلَّ شئٍ  حتى البهم الصغيرة تكدَّست تحت (العناقريب ) جنباً إلى جنبٍ مع جوَّال الدقيق والأثافى و(البِرِش ) الجديد والطلح وراس الحطب والقطة الصغيرة والحَلَّة الزرقاء !
غمرتهم الأمطار من جهة الشرق ثم تحوَّلت إلى جهة الشمال ثم الى الغرب ، تراجع الوابلُ السخىُّ رويداً ويداً ، تنفَّست القريةُ الصعداء ، تنفَّست جدران الجالوص المطليّ بروث البهائم (الزبالة ) ، تنفَّست الرواكيب وانتفضت أبر اج الحَمَام ، نفضتْ الحظائرُ وبرَها وشَعرَها وصوفَها وصفقت بأذنابها وضربت بأرجلها ونفخت ، تنفَّست الأرضُ البكرُ بعبق الطين الخصيب ورائحة العشب اليابس المبلول والبعر ، اغتسلت الأنسامُ وتعطَّرت بالطَّمى والأزاهر والبخور والطَّلح والدُّعاش ، نضحت المخازن بما فيها ؛ الكسبرة .. الحلبة ..الشمار ..الروقَل ..الـ دى تى و الجمكسين . كل ذلك الليلُ أحلكُ ما يكون !
لم تتحسَّس بيوت الطين جراحها بعد ولكن شكت مواضعَ آلامها : (سبلوقة نحرت -  رصاصة انشقَّت -  راكوبة كوَّعت وجدارٌ يُريدُ أن ينقضَّ ) . مدَّ أحمد ود سلمان صوتَه فوق الحائط مخاطباً قسم الله :
-  ها ناس نعل ما جاتكم عوجه ؟
-  مافى عوجه تَبْ الحمد لله وانتو مطَّرتو كيف ؟
عبد الوهاب ود حمِّيدة يهرع تجاه صفيَّة بتَّ المادح متشمِّراً ليتولَّى عنها فتح المجارى أمام الماء ، العوض ود سعيد وعلى ود بساطى يخيطان الزقاق ببطَّاريَّتيهما متتبعان خط سير المياه ، خرج قسم الله مقتفياً المجرى المنساب من داخل منزله إلى الخارج ومتفقِّداً أحوال بهائمه وإعادة الأمور إلى نصابها ، ومثله فعل أحمد ود سلمان الذى وقف يعاين قطيع الضان المتكدِّس بعضه إلى بعض متداخلةً رؤوسه بين أرجله إلاَّ الكبشُ الأقرنُ السمين الذى انتحى جانباً أمام باب الحظيرة كأنَّه رجلُ العشيرة الذى لا تهمّه زخَّات المطر و(الزِّيفه ) ، كأنَّه حامى الحِمى المتحفِّز دوماً الذى يستشرف قادماً (إىَّ قادمٍ ) ، واثقاً من قرنَيْه معتدَّاً بنفسه إلى ما يقارب الغرور ؛ لكنَّه أعرب عن حبه وتودُّده لأحمد ود سلمان  بما يُشبِه الحمحمة القصيرة الرقيقة ؛ والتى تنبَّه على إثرها بقيَّةُ القطيع الذى تدافع نحو (الكَسِّقه ) - باب حظيرة الشوك – حيث عبَّر كلٌ عن حبه بطريقته ؛ تقافز حملٌ صغيرٌ ثم شبَّ برجلَيْه الأماميتين على ظهر أحمد ود سلمان ريثما رفع - الأخير – غصن َ السَّدرة الذى جرفته (الشَّعفوفه ) - الرياح  المصاحبة للمطر -  إلى داخل الحظيرة .
وتلوحُ بُهرةُ ضوءٍ من بعيد وسط هذا الظلام الدامس والليل الغريق يصحبها أزيزُ السَّفر وأنينُ الوحل ؛ إذ يبدو من الصوت ِ أنَّ مصدره يعانى مخاض العبور من منطقة (جبيل عريبيَّة ) الوعرة .. يقول أحمد ود سلمان مخاطباً قسم الله :
- يا ربى الزول ده ماش وين فى الضلام والمويه دى ؟!
يقول على ود بساطى فى ردِّه على العوض ود سعيد :
-  الـ بجعِّر ده قطع شك ود فتّوته ؛ يكون شايلُّو زول تعبان والاَّ مصيبة زمان !
يقترب الضوءُ ويكبر الصوتُ ، تندثر ثرثرة (السباليق ) وتنحسر المجارى ولكن صوتاً آخراً يطغى ويدوِّى هو صوتُ السيول المنحدرة بجنون من المرتفعات والقلاع والبوادى عبر الوديان تجاه النيل الذى لن يأبى الزيادة ! دنا اللورى وهويمخر المياه على طريقٍ مطموسةٍ معالمُها  إن لم تكن بالماءِ فبالطين ، دنا لورى (ود فتُّوته )أكثر وهو يخرُّ الطينَ خَرَّا ..منهكاً ومعفَّراً بالثرى حتى (التنده ) ولكنه عازمٌ على المسير مصرٌ على أن يخوض حتى الرَّمق الأخير ، يئنُّ ..يصرُّ..  يتهادى ..يتوخَّى الحذر .. يتفادى الحُفَر والذاكرة أدرى بشعابِ تلك البقاع .
لا شك أنَّ اللورى قادمٌ من السافل البعيد وأغلب الظنِّ أنَّه عبر (وادى بُشارة ) قبل هطول الأمطار ، وقطع (وادى الحُقنة ) قبل مجئ السيل ، واستطاع أت يجتاز (خور الطِويِّل ) قُبيل امتلاءه بالسيل ، والآن دونه (قُشْ قُشْ )ذلك الوادى الصغير الذى يخاصر القرية غرباً وجنوباً .. (قُشْ قُشْ ) مسرحُ الصبا والطفولة اللاهية المتمرِّغة على رماله البيضاء الناعمة ..(قُشْ قُشْ ) تسلُّق الأشجار واصطياد القمارى ..(قُشْ قُشْ ) صلاة العيد تحت أشجار السيَّال الوارفة ..( قُشْ قُشْ ) نقطة ارتكاز السيرة (الزفَّه ) من وإلى القرية والقرى المتناثرة جنوبها على قارعة النيل .. كم (رتينة ) أُعيدت تعبئتها بالهواء فيك يا (قُشْ قُشْ ) ؟ وكم زغرودةٍ عابرةٍ خلَّفت صداها في فضاءك  يا (قُشْ قُشْ ).
(قُشْ قُشْ ) التحدِّى الطفولى ومبارزة (البُطان) بأغصان (المَرِخ )  الرقيقة المدبَّبة الطريَّة التى تلهب الظهور الغضَّة حتى تسيل دماءُها !
ترى أيسمح (قُشْ قُشْ ) للورى (ود فتّوته ) بالعبور ؟ وبينه وبين أمدرمان ليلٌ حالكٌ ووديانٌ وعْرةٌ وسيولٌ جارفةٌ ووَحَلٌ وطين ..الأمرُ جِدُّ خطير . لا زال اللورى يمارس أزيزه وصريره وأنينه وحنينه لليابسة والعجاج ..أىُّ أنينٍ هذا الذى يمازج أنين اللورى ؟ أىُّ توجُّعٍ هذا الذى يخالط أزيزه ؟ أىُّ صراخٍ هذا الذى يفجعُ قلب الليل الحالك المطير ؟
علا صوتُ الألم عندما ترنَّح اللورى عند مدخل الوادى وتطاول عواءُ ه وجعجع كثيراً غير أنَّه لم يتحرَّك من مكانه قيدَ أنملة !.. وصيحات الألم تبين ملامحُها رغم أنفِ ذلك الغسق الهادر ..وجعُ الأنثى عندما يستفحل طلقُها البكرُ ويتعثَّر وهى تعانى مخاضها العسير وليلها العسير ودربها العسير .. وجعٌ عندما تفشل القابلةُ هناك فى البعيد وتُشيرُ إلى أمدرمان ..وجعٌ عندما تتعثَّر وسيلةُ الاسعاف (اللورى )! .. وجعٌ عندما تُخفَّض حمولة ُ لورى (ود فتُّوته ) – نخوةً – إلى نصفها ثم يُوضَع عليها العنقريب ثم  يُكمَّمُ الوجعُ بالتَّأسى والصبرِ الجميل .
لم يستسلم ود فتّوته ؛ جمح يُمنةً ويُسرةً تقهقر للوراء ثم عربد للأمام ..السيلُ جارفٌ والرمالُ تزحف تحته وصُوى الطريق محفورةٌ فى الذاكرة . أحمد ود سلمان أوَّل مَن هبَّ لنجدة اللورى (الوحلان) ، قسم الله ود سعيد ، على ودبساطى والآخرون ، بل القرية عن بكرة أبيها ..تداخلت أصواتهم وسط الظلام : (يازول أقيف) ..(صباحات الله بُيُض) ..(السايقة واصلة ) ..(درب السلامة للحول قريب ) .. والمرأةُ تصرخ بأعلى صوتها من الألم والليل والمطر وتلك البقعة التى لا تعرف بها أحد . إذاً توكَّل على الله ، بس أعمل حسابك ..قدَّام شويَّة أكسِر شمال ما تقاوم التيَّار ..أوعى اليمين أمَّك دى شدرة مقلوعة ..تعالوا جاى خلّوها تمشى ..أقلع جلاَّبيتك دى آجنا ..أدفروا معاهو.. يلاَّ  هيَّا ..هيلا صالِّى  ..هيلا صالِّى ..يمين يمين ها زول شمالك قيفة ! لا لا شمال شمال يمينك حفرة  لا لا لا .. لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله ، وصاخت إطارات اللورى فى الماء والرمال حيث لن يستطيع أن يتقدَّم إلى الأمام  ولا أن يحيد يميناً أو يساراً أو يتقهقر إلى الوراء ..(وقف حمارُ الشيخِ عند العقبة ) وقُشْ قُشْ الوديع تحوَّل إلى مارد لا يلوى على شئٍ .. لا زال يُرغى ويزبد ويقتلع عجائزَ السيَّال وحسناوات السُّنط ويجرف خيام الشَّعَر وسقط المتاع وتاريخ (الدَّمَر ) وذكريات (النَّشوق ) .. السيوف.. الدروع ..التمائم ..صحون الحراز ..أقداح القرع (البُخَس ) ..ألواح القرآن وقمير التقَّابة ..مسابح اللالوب وكثيراً من الُّلفافات و العُقَد مجهولة الهُويَّة ؛ كلُّ ذلك يضرب به قُشْ قُشْ عرض البحر الذى لن يأبى الزيادة .
لِما ركبتَ رأسك يا قُشْ قُشْ ؟ لما لويت عنقكَ وتمنَّعتَ على الغوثِ وبخلتَ بالعبور ؟!! .. المرأةُ تصرخُ بأعلى صوتها وقُشْ قُشْ يقطع الطريق .. الآن تتوقَّف رحلةُ الإسعاف عن المسير ..أمدرمان تزداد بُعداً وتستعصم بالمستحيل ..إذن أمامنا حلٌّ وحيد ؛ التويمة (داية الحبل ) إمرأةٌ طاعنةٌ فى السِّنِ ولكنها بصيرةٌ دبيرة ..جحظت عينا زوج المرأة المتعسِّرة .. رفعهما إلى السماءِ التى لم تكن بها نجمةٌ واحدة .. أجالهما فى الأفقِ الدامس (صاحبُ الحاجة أرعن ) .. صوَّبهما تجاه أمدرمان المستحيلة (المضطر يركب الصعاب ) ..أرسلهما كرَّةً أُخرى نحو السماء التى بد ت تصفو ؛ نجمةٌ ونجمتان ..ثم قالها نابعةً من أعماقه : (اتوكَّلنا عليك يا الله ) .. ثم شدَّ خصره بعُمامته ثم سحب العنقريب من على سطح اللورى (المكوِّع ) فى قُشْ قُشْ .. عاونته على ذلك أيادٍ طويلةٌ وقويةٌ وأمينة ، وحملت معه مناكبُ متمرِّسةٌ على الحِملِ والعبءِ الثقيل ، وخاضت معه أرجلٌ محصَّنةٌ ضدَّ الطين والمياه والشوك والحجر،  متَّجهين إلى المنازل .
سبقهم أحمد ود سلمان إلى داره ، نقل بناتِه النائمات إلى المطبخ ، أشعلتْ زوجتُه البخور بالغرفة ، هيَّأت الغرفة للمخاض أعدَّتْ العُدَّة : حبل الحلفا المتدلَّى من السقف كالمشنقة ، نطع الدخان المفروش أرضاً على رمال الغرفة ، الفانوس الذى يهرطق مُترَعاً بالجازولين ، الطشت ، الجردل ، صابون الفنيك وأكثر من نوعٍ من العطور . عبق البخور ورائحة الطين والمرأةُ تصرخُ فوقَ أعناقِ الرِّجال ريثما أوصلوها غرفةَ الولادة ، نساء القرية (الكُباريَّات ) يُشكِّلن حضوراً هميماً و حنيناً ؛ النعمة بت صدِّيق .. آمنة بت سلمان صفيَّة بت المادح ..فاطنة بت بتول ..رقية بت حِمِّيدة ..أم بريكة ..بت الحسن ..بت الَّلحمر وعاشة بت مُحُمَّد الملقَّبة بـ ( سكتيرة القضايا )التى أضفت على المكان هدوءاً وطمأنينة حينما ضمَّت المرأةَ (الموجوعة ) إلى صدرها وهى تقول : (أمِسْكى فى الله يا بتَّى .. إنشا الله تِتْحلِّى بالسلامة  ..كُلَّنا أُمَّاتك يا بتَّى ..كُلَّنا خالاتِك ..كُلَّنا أهلك كُلَّنا ناسك ..وحاة الله ما نقصِّر لِكْ بى واجب .. كل شى بى أمر الله .. قولى يا الله ) ثم طلبت إلى إحدى النساء أن تفسح المجال لوالدة المرأة حتى تجلس إلى جوارها ..ثم دنت من الداية (التويمة ) وهمستْ فى أذنها : (أها حاجاتك كلها تمام ؟ )فتقول تلك : (تمام بس شوفو لى عِمَّة من الرجال ديك ألفَّ بيها الحبل ، وجيبو لى صينيَّة فيها عيش فيتريته وبلح وفول سودانى ؛ المعلوم يا عاشَّه اختى ! ) . أدخلت عاشَّه بت مُحُمَّد يدها فى (مُحفضتها ) تبتغى مفتاح المخزن ثم هتفت وهى فى طريقها إليه :
-  هوى آ احمد ود سلمان شوفْ لَكْ ولد يتناول رتينة الجمعية دى سريع ..المَرَه دى خلاااس بعد ده !سريييع لكن.
تحسَّست (التويمة ) المطواة بعد أن سنَّتها على مؤخِّرة مركوب بالى ثم وضعتها على محتويات الصينيَّة التى أحضرتها (عاشَّه ) ثم رفعت نداءها للرجل البعيد سيد اللوح والمسيد ثم نذرت محتوياتها (الصينية ) عَلَفاً لحصان ذلك الرجل البعيد  وهى تقول :
-  يا الله لينا    يا الله لينا
ويابونا البعيد قرِّب علينا
يابو عاشَّه وفطينه
هاك علوق ( أُم اضينه )
ثم استبدلت ثوبها ثم انحشرت تحت المرأة المعلَّقة فى السقف ، والغرفة تعبق بالدخان والصراخ والضراعات والابتهالات للواحد الأحد والتأسِّى بالصبر الجميل . يقف الرجال وقفةَ رجلٍ واحد فى تلك الساحة التى تمتدُّ أمام منزلَىْ أحمد ودسلمان وقسم الله ود سعيد . السماء صافية وهادئة ومسترخية تطالع الأرضَ- متفحِّصةً وديانها وتلالها وروابيها وحشائشها الغرقى – بعد أن قضتْ بها وَطَرا ،والنسائم المعطَّرة بالدعاش والبخور تغازل وجهَ هزيعِ الليلِ الأخير .
المرأةُ تصرخ وتصرخ،  ثم تهدأ ثم تجهش بالبكاء ، ثم تبتسم وسطَ دموعها فى جوٍّ يضوعُ منه الدعاشُ والبخور والحُب والبسملة والتعاويذ والهمهمات وصرخة الطفل النديَّة ، والزغاريد (دى تشيل ودى تخُت ) والتسابق نحو الرجال بالبشارة والضحك المترَع بالتلقائية والسرائر المفعمة بالنقاء ؛ نقاءَ ذلك الفجر الخريفىِّ الندِى.
تسلَّل أحمد ودسلمان إلى حظيرة البهائم ، كانت جميعها مستلقيةً على جنوبها  تضع رؤوسها على بطونها مستسلمةً لنومٍ لذيذ .. يدغدغ  إرهاقَها ذلك النسيمُ الصحو (الهمبريب ) ماعدا الكبش الأقرن السمين الذى يقف أمام باب الحظيرة ، لم يفزع من أحمد ود سلمان ولم يعاند ولكنه أسمع صوتَه قسم الله ود سعيد حتى يهبّ لمعاونة أحمد ود سلمان ... باااع .. بااع.
ليلةٌ أعقبها الصباح،  وعُسْرٌ تبعه يُسْر، وصراخٌ وألمٌ أزاحه مُزاحٌ وضحكاتٌ وقفشاتٌ وأُنسٌ ثم تعارف ! هلعٌ وخوفٌ ومذاقُ موتٍ حلَّ محلَّه أمنٌ وسكينة ومذاق مديدة (الحلبة )والبلح بالسمن ، تقاصرت حيطان أحمد ودسلمان دون التحايا و(الكُوَر )و (الصحون ) و(البشريَّات) .. جادت السحَّارت بمكنوناتها والصناديق بمدَّخراتها والقلوب بحبها: السمن -العسل - الخُمْرة – الدلكة – بت السودان – التِّيلة – فركة القرمصيص والعلجيَّة الجديدة .
أشرقت الشمسُ تماماً .. انتصب جبل (الرويان ) الشامخ ليُلقى ظلَّ ضُحاه على سطح النيل وأرسلت السواقى أشجانها ، وضحكت الأشجارُ غبَّ سماءها ، فانداحت القرية فى تفاصيلها ؛ صوت الفنادك ..رائحة الكسرة الشهيَّّة المنبعثة من الطاقات .. و(دوشة الشُّفَّع العفاريت ).. وسعال العجزة داخل الرواكيب ..فتل الحلفا (وبرمه ) ونفير الشباب على ما أفسد المطر ، نفير الشابات على الضفيرة .. والقهوة الجماعية .. المشاط الجماعى ، كل شئ موحَّد وكل شئ جماعى .
صفق الرجلُ بكفيه تنحنح وسعل ثم دخل  على زوجته فى غرفة احمد ود سلمان .بسمل وبورك .. حمل وليده بين يديه تأمَّل وجهه مليا، ً تفحَّص  أطرافه وسائر أعضاءه ، ثم وقف عند تلك التمائم و(الحراسات) والكمّون ، كأنَّه وُلد بهنَّ ، ثم قال له وهو ينظر إلى زوجته :
-  أهلا بيك  يا احمد ود سلمان
أهلاً أهلاً يا سلمان
يا سلمان  يا ود سلمان  .

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com