في ذكري رحيله الثامنة:

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

      عندما نتحدث عن الفنان الراحل الأستاذ سيد خليفة .. فإن الحديث يكون في هذه الحالة ذا شجون.  ذلك ، لأنه يعود بنا إلي البدايات الأولي لهذا الفنان .. يعود بنا شريط الذكريات إلي أم الدنيا .. إلي مصر ..  حينما شد الرحال إليها هذا الفنان ليلتحق بالأزهر الشريف بعد أن أتم الإبتدائية بقريته الدبيبة بشرق النيل .. فإذا بالمعهد العالي للموسيقي العربية بالقاهرة يستهويه .. فيلج المعهد ويلتقي بكبار المطربين المصريين .. ومن هناك تبدأ الرحلة الطويلة التي إمتدت لأكثر من خمسين عاماً من الزمان .. فكان سيد خليفه خير سفيرِِ للأغنية السودانية الحديثة في التي إنطلق بها من عاصمة الفنون (القاهرة).. حين كان قد سبقه إلي هناك الشاعر الراحل عبدالمنعم عبدالحي الذي صاغ شعراً تلك المشهورة عربياً (المامبو السوداني).

        ولهذا السبب ظل الإعلام العربي ومنذ عهد الراديو حينما كان هو الوسيلة الوحيدة لنشر فن الغناء .. ظل ذلك الإعلام يعرف فن الغناء السوداني بتلك الأغنية وبذلك الفنان سيد خليفة .. فظلت المامبو السوداني هي مدخلنا لتلك الشعوب عندما يأتي الحديث عن الغناء السوداني .. فما أن يأتي ذكر الغناء حتي يسألك أي مواطن عربي من الجيل القديم أين سيد خليفه صاحب المامبو السوداني ؟؟ لأن سيد كان يؤديها دائماً كختام لحفلاته التي كان يطوف من خلالها العالم العربي في ذلك الزمان .. علماً بأن الراحل (أبو السيد) كان يغنيها بخفة دمه المعروفة وبطرافته الجاذبة للجمهور ليتفاعل معه تفعلاً تاماً .. ولذلك رسخت تلك الأغنية في أذهان الجماهير العربية.

       وسيد خليفة .. مثلما ذكرنا .. هو من أهل الدبيبة .. تلك القرية الوديعة والكبيرة التي تقع في ريفي الخرطوم بحري بشرق النيل والتي أتي منها الراحل الضخم أحمد المصطفي والفنان الشعبي الراحل خلف الله حمد .. والشاعر الكبير الجاغريو ( خال أحمد المصطفي .. وشاعره الشهير)  وليس ببعيد عنهم الفنان مبارك حسن بركات بالعيلفون .. فمن المعروف أن لأحمد المصطفي وكذلك لسيد خليفة علاقة حميمة بذلك الشاعر الراحل الذي إنتقل إلي رحاب الله وقد كان مُقعداً بسبب الشلل الذي أصابه من جراء ذلك الحادث الذي حدث له عندما كان يسبح أثناء دراسته في مصر .. وقد ظل هذا الشاعر الشاب وقتذاك وهو (حسن عوض أبو العلا) يكتب العديد من القصائد بالعامية وبالفصحي..  إلي أن إلتقي سيد خليفة بأجمل مفردات أشعاره التي ظل يشدو بها منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي..  وهي أعمال تتميز بعظمة ألحانها وحلاوة مفرداتها التي تتحدي أشعار هذا الزمن . ذلك...أنها أتت من رحم معاناة ذلك الشاعر الراحل الرقيق حسن عوض أبو العلا.. الذي أتت مفردات أشعاره تمتليء بالدموع وتذخر بمفردات الوجد .. وتمثل كل الآمال الضائعة .

  فإذا إسترقنا السمع المرهف لألحان سيد خليفة.. وتمعنا في مفردات تلك الرائعة (أمل) لشاعرها الراحل حسن عوض أبوالعلا .. سنري هذا الأمل الضائع كيف صوره لنا سيد بصوته الطروب ذاك .. وهذا ما يقودنا إلي فهم كمية الأمل الذي كان يعشي عليه حسن عوض ابو العلا وهو قد كان طريح الفراش .. مشلولاً منذ زمان دراسته بالقاهرة حتي رحيله في بداية ستينيات القرن الماضي بأم درمان  عندما تقول الكلمات:

ولـَّي المساء .. ولـَّي المساء

الواله المحزون .. في جوف الضباب

وأنا أهييءُ زينتي .. وأُعِدُّ في زاهي الثياب

آملاً لقياك حبيبي .. يصدني زهو الشباب

***

 أمسي مضي.. بين التحسرِ والأنين

ووسادتي بللتها بالدمع.. والدمع السخين

مع تباشير الصباح ...  وبسمة الفجر الحنين

غنيتُ مثلُ الطير فرحا ... في رياض العاشقين

***

تسري النسايمُ غضبةُُ .. وأنا أهيمُ بلا ظلال

وتمرني الأنهار.. في دنيا الغرائب والخيال

وهناك أرقدُ في الرمال.. ولا أري غير التلال

   ****

غداً أذوِّبُ مهجتي.. في حر أنفاس الغرام

أرنو إليكَ والوعتي .. ظمأه تؤجج في الرمال

غداً يكون كما نودّ .. ونلتقي عند الغروبِ

غداً تجفُّ مدامعي.. وتزولُ عن نفسي الكروبِ

غداً تعودُ مباهجي .. غداً حبيبي حتماً يعود

 رحم الله الشاعر الشاب حسن عوض أبو العلا الذي رحل قبل أن تتحقق آماله في اللقيا .. لقيا من يحب .. فرحل وقد كان الأملُ يظلل عليه كل دنياهُ .. لكن ذلك الأمل لم يتحقق ، لذلك فقد كتب لها  (ولّي المساء الواله المحزون في جوف الضباب ) . ونحن نشهد هنا ونقول لقد أدي الفنان الراحل سيد خليفة هذه القصيدة بدرجة عالية من التطريب والإحساس ..  وهي تعجب كل من يستمع لها وإلي لحنها الشجي الحيي المتمدد رهافة وشوقاً وأنينا ، وبالطبع أملاً . لذلك لم نستغرب أن إختارتها المطربة الشابة ( نانسي عجاج) لتتغني بها .. فهي أيضاً          صاحبة صوت ملائكي متفرد.. بمثلما تغني بذات الأغنية ذلك الفنان صاحب الصوت الطروب .. الشاب المهاجر بالسعودية ( عمار السنوسي ) والذي إشتهر بها جداً قبل أن تظهر الفنانة نانسي في عالم الغناء .

فكان اللحن والنص معاً يستحقان أن نطلق عليهما (لؤلؤة أعمال سيد خليفة) بالرغم من أن إختياراته كلها عبارة عن درر غوالي تتلألأ في سماء ساحة الغناء في السودان.

****

     عبدالحليم حافظ كان يخشي الغناء في حفل واحد مع سيد خليفة

      هانحن نواصل إلقاء بعض الملامح للمسيرة الفنية لهذا الرمز الغنائي الكبير والذي رحل في أول يوليو 2002م بعد عمر إمتد إلي السبعين ... عمل خلالها في نشر الفن السوداني في العديد من دول المنطقة العربية والأفريقية . كما ظل غناء الراحل سيد خليفة يتميز بنكهة خاصة جاءت من الفرادة في صوته الذي لم يتكرر بعد .. فضلاً علي خفة الروح التي طغت علي معظم أعماله الغنائية .. كما كان سيد خليفة هو سيد الغناء المباشر في المسرح وبالتالي قد جذب أعداداً ضخمة من الجمهور .. حتي أن الفنان عبدالحليم حافظ حين كان سيد خليفة يشارك في حفلات مسارح القاهرة إبان دراسته الموسيقي هناك .. كان العندليب يرفض أن يغني قبل فاصل سيد خليفة إن كانا مرتبطان في حفل واحد بالمسرح بسبب أن سيد يسيطر علي أحاسيس الجمهور  المصري للدرجة التي لايقبل الجمهور بعد ذلك أن يستمع إلي بقية فواصل الحفل .. فكان حليم يقول : ( أنا لازم أغني قبل مايغني اللهلوبة ده ) .. وهو يقصد هياج وتفاعل الجمهور المصري مع غناء سيد خليفة بخفة حركته في الغناء وإشتراك الجمهور معه في الأداء .. وتلك كانت من أهم ميزات الراحل سيد خليفة.

      و من المعروف أن للراحل سيد خليفه  مقدرات لحنية عالية .. فهو قد درس الموسيقي .. ويجيد فنون التأليف للألحان .. كما يعرف نوعية اللحن الذي يتناسب مع مفردات ومعاني كل قصيدة.. فحقق بهذا الأسلوب أرقي الدرجات في سلم فن الغناء السوداني .. ولقد ظلت أغنية (إزيَّكم) هي المدخل لحفلاته خارج السودان .. وهو يستطيع خلق بدائلها لها من لغة تلك الشعوب المتداولة سواءً في الخليج أو في أثيوبيا وإريتيريا ، فتجده في الخليج يقول ( إزيكم… إيش لونكم) وفي إديس أبابا يقول ( نعرين عاخوم) وهكذا .. وكيف ننسي تلك الخفيفة التي غناها سيد بلغة أهلها وبلحن مماثل للموسيقي الأثيوبية.. إنها (ألمازمي ندالو).. وقد سكنت داخل أفئدة شعب اثيوبيا تماماً بمثلما كان يرددها شعب السودان في زمان مضي .. ومنا هنا قد تلاحظ أن فن الغناء هذا يعمل كثيراً علي التقريب بين الشعوب أكثر من أي نشاط آخر .. وهو يتفوق علي العطاء الدبلوماسي بكامل ميزانياته ورتابته ورسميته .. ما يدعو إلي أن نطلق علي فن الغناء لفظ الدبلوماسية الشعبية .. وهي بالطبع أوسع إنتشاراً لأنها أكثر مضاءً.

      ولدي سيد خليفه العديد من الأغاني التي تحكي عن تراثيات وطقوس معينة ومفرحة جداً  ونلاحظ ذلك في مفردات أغنيته التالية التي كتبها الشاعر المتميز والطبيب النفساني الراحل حسبو سليمان :

 ماكنت بتفكرك جميل ..

والله لو طلقوا البخور

 من الصباح حتي السحور..

 والله لو فرشوا الزهور

وضووا حولي شموع ونور..

 أنا غيرك إنت محال أدور

***

والله لو نزل القمر... يتغني في وسط الزهر

والله لو لابس وشاح.. شايل سماح

يتغني في ثغرو الدرر

***

**ربيع الحب .. ومرحلة الغناء الراقي:

          من الأغاني القديمة المميزة التي تغني بها الفنان الراحل سيد خليفة .. تلك التي كانت من أشعار الشاعر الراحل إدريس جماع .. وجماع هو ذلك الشاعر المرهف الإحساس .. وقد تلقي تعليمه العالي بدار المعلمين بالقاهرة في أربعينيات القرن الماضي ثم إنخرط في سلك التدريس بالسودان .. غير أن المرض قد داهمه وهو في قوة عطائه الأكاديمي والأدبي .. وقد ترك خلفه ديوان ( لحظات باقية ) الذي يذخر بحلو القصيد ورهافة التعبير وجزالة الأسلوب .. فإختار سيد خليفة من روائع جماع قصيدته ( ربيع الحب ) والتي نحن بصددها الآن .. بمثلما إختار أخري من تأليف جماع وسنذكرها في حلقة قادمة ... وقصيدة ربيع الحب تعتبر ذات مضامين جميلة وهي من أروع ماقيل في الشعر العاطفي باللغة العربية الفصحي .. حيث أجاد خيال سيد خليفة لحناً تطريبياً هائلاً لها وبالتالي تعتبر من أغنيات الإستماع ذات التطريب العالي..  فهذا اللحن ظل متجدداً ومتلألاً لعقود طويلة من الزمان .. وتعتبر هذه الأغنية من المحطات الهامة في مسيرة سيد خليفة الغنائية .. وتقول القصيدة التي يجب علي كل محب لفنون الشعر أن يعيد قراءتها مرات ومرات ليدرك معاني العاطفة السامية والجياشة في ذات الوقت:

في ربيع الحب كنا ...  نتساقي ونغني

نتناجي ونناجي الطير ... من غصنٍ لغصنِ

ثم ضاع الأمس مني ...  وإنطوت في القلب حسره

***

إننا طيفان .. في ماءٍ سماويٍ سرينا

وإعتصرنا نشوة الحب... ولكن ماإرتوينا

إنه الحبُّ ...  فلا تسأل ولا تعتب علينا

كانت الجنة مسرانا ... فضاعت من يدينا

ثم ضاع الأمس مني... وإنطوت في القلب حسره

   رحم الله إدريس جماع الذي ابدع في توصيل رسالة الوجد هذه والتي أتت مضمخة بعبير الحب    ( في ماءِ سماويٍ سرينا.. وإعتصرنا نشوة الحب ولكن ما إرتوينا )...  يا الله !!!! ما هذا  الجمال الشعري العجيب؟؟  يا سبحان الله .. لقد كتب جماع كل هذا الجمال وأغترب كثيراً عن الدنيا  … ثم مات .. فمفردات أشعار جماع ظلت  تتجدد معانيها رغم عمرها الذي يعود إلي قرابة نصف القرن من الزمان .. فهي لاتزال تحافظ علي بريقها وألقها.

     لذلك.. نرجو من شعراء الأغنية السودانية بل من مجمل أهل الأدب والثقافة ووسائط الإعلام المؤثرة بأن تتمدد مواعين أدوارهم أكثر لتكون أكثر فعالية في تنظيم فعاليات ثقافية من وقت لآخر كي يعيدوا قراءة ونقد وتقييم أعمال الأستاذ الراحل إدريس جماع وأعمال غيره من المبدعين الذين وضعوا بصمات مضيئة في حركة الفنون والأدب في تاريخ السودان الحديث ثم غادروا الدنيا .. حتي تدرك الأجيال الحالية جماليات هذا التراث الثقافي والإبداعي الجميل وأن يعقدوا لها أكثر من منتدي أدبي عبر الأجهزة المؤثرة حتي يستطيع الشباب إستيعاب هذا الأدب الرفيع الذي لايدرك جمالياته معظم جيل الشباب الحاضر بسسب ضآلة الآلة الإعلامية وضعف حركة النشر السودانية بسبب كلفة الكتاب العالية .. وبالتالي من الممكن لوزارة الشباب والثقافة أن تتدارك هذا الأمر وهو الدور الأساسي لها وليس غيره .. بدلاً من أن تتركز الجهود فقط في إقامة مهرجانات التكريم وتوزيع الأوسمة والجوائز دون إقامة منتديات للمناقشة الجادة والتوثيق الراقي للمبدعين من الشعراء .. وما يصاحب ذلك مثل بثها من خلال الأجهزة الجاذبة.

      تحدثنا آنفاً عن غناء سيد خليفة لقصيدة ( ربيع الحب ) والتي كتبها إدريس جماع والذي كان يطلق عليه شاعر الشباب وقتذاك .. ولعل هذه التسمية أطلقت علي شاعرنا الراحل في منتصف خمسينيات القرن الماضي .

   وبعد أداء سيد خلفية لتلك الأغنية سالفة الذكر .. فإنه قد لجأ إلي ديوان لحطات باقية لذات الشاعر لكي يختار درة أخري من درر إدريس جماع ... فجاءت تتهادي .. تلك القصيدة التي أحدثت أكبر نقلة فنية في مسيرة أبو السيد عليه الرحمة .. نعم .. إنها أغنية ( غيرة ) والتي يطلق عليها البعض عنوان ( أنت السماء ) .. تلك القصيدة ذات الجرس الذي يأخذ طابع الملامة وقد أتي في شكل إعجاب مغلف .. وقد ظلت تلك الأغنية التي كان سيد خليفه يفاخر بها .. بمثلما ظللنا نحن كجمهور نفاخر بها ونطرب لها أيضاً أيما طرب ..  حيث كان اللحن ينم عن مقدرة هائلة لهذا الفنان الذي كان يعرف كيف يختار الموسيقي التي بواسطتها نستطيع أن نري ونستمتع بحلاوة مفردات مثل هذا الشعر الجميل .. والتي يحترمها كل الجمهور المحب للفن الجميل.. ووقد ظل يعيش معها جيل بأكمله .. ووربما حتي اللحظة لايمل سماعها:

أعلي الجمال تغار منا ... ماذا عليك إذا نظرنا ؟؟؟

هي نظرة تنسي الوقار... وتسعد الروح المُعنـَّا

دنياي أنت وفرحتي   ... ومُني الفؤاد إذا تمنـّا

أنت السماءُ بدت لنا  ... وإستعصمت بالبعد عنا

هلاّ رحمتَ متيماً   ... عصفت به الأشواق وهنا

وهفت به الذكري وطاف... مع الدجي مغنيً فمغني

هزته منك محاسنُ .... غنّي بها لما تغني

ياشعلةً طافت خواطرنا ... حواليها وطـُفنا

أنستُ فيكَ  قداسة ...   ولمست إشراقاً وفناً

ونظرت في عينيك ...   آفاقاً وأسراراً ومعنيَ

جَمِّع عهودك في الصِبا ... وأسأل عهودك كيف كنـّا

    لقد طرح إدريس جماع كل هذه التساؤلات  ثم رحل بكل هدوء ... رحل بهدوء شديد عن دنيانا . وكان الراحل المقيم  سيد خليفه بقدر هذا التحدي في أن يجعل الشعب السوداني كله يكاد يحفظ معظم أبيات هذا اللوحة الفنية عن ظهر قلب في زمان مضي حين كانت كل طبقات المجتمع تتذوق مثل هذا الفن الرفيع .. قبل أن يتشرب هذا الجيل بالغناء الذي لاطعم له ولالون وأيضا لارائحة إلا ضجيج آلة الأورج والإيقاعات الساخنة القادمة من الساوند سيستم .

فشعبنا .. والحمد لله ..  لايزال يفهم جيداً ويعرف بحسه العجيب ماهو الكلام الجميل الذي تفوح منه عطور الجمال والحسن .. فهو صحيح أنه في معظمه شعب فقير (وغلبان) .. لكنه غني بقناعاته وبفهمه الراقي وبتراثه الممتليء بكل ألوان الجمال والعشرة الحميمية الطيبة ... ونتمني أن لا تتلاشي مثل هذه الصفات الرائعات .

      وفناننا الراحل الأستاذ سيد خليفة سبق له أن طرق الغناء الذي يمجد  الوطن .. فلقد تغني ومنذ عقود طويلة بأغنية وطنية .. وقد أعاد تسجيلها مرة أخري .. وهي (ياوطني يابلد أحبابي)  ومن تأليف الراحل حسن عوض أبو العلا شاعر قصيدة ( أمل ) التي حكينا عن صيتها في الحلقة الأولي .. وهي المشهورة بمطلع ( ولـّي المساء ) ... كما تغني أيضاً من كلمات الشاعر التجاني يوسف بشير بقصيدة أنشودة الجن ( قم ياطرير الشباب .. غني لنا غني) .

ولقد كان من أهم المحطات في حياة الراحل سيد خليفة هي ذلك الفوز الكبير بلقب فنان الموسم في ذلك الحفل الشهير الذي اقامته الإذاعة السودانية علي الهواء مباشرة من المسرح القومي بأمدرمان قبل إفتتاح التلفزيون في العام 1962م حين كان اللواء محمد طلعت فريد وزيراً للإستعلامات والعمل( الإعلام حالياً ) ثم تم تحويل طلعت إلي التربية والتعليم  ليشغل الإستعلامات اللواء محمد نصر بشير ... وقد كان ذلك إبان فترة حكم الرئيس الراحل الفريق إبراهيم باشا عبود            ( 1958- 1964م ) والذي إنتهي حكمه بقيام إنتفاضة أكتوبر 1964م الشعبية . حيث كان كل فنان يشترك في المهرجان الذي تم في ليلة واحدة فقط بأن يتغني في فاصله الغنائي بعدد ثلاث أغنيات متواصلة .. وكانت لجنة التحكيم متواجدة بالمسرح وقامت بإعلان نتيجة المنافسة في نهاية الحفل الذي إستمر حتي الساعة الثالثة من فجر اليوم التالي ..  وقد تغني سيد خليفة في ذلك الحفل بأغنيات : أسراب الحسان وهي باللغة الفصحي، وبأغنية غزلية وهي بإيقاع السيرة ، ثم نانا ..

        وقد طاف الفنان سيد خليفة معظم أقاليم السودان إن لم تكن كلها .. ويعرفه الكبير والصغير بعد أن أصبح من العلامات البارزة في فن الغناء السوداني الحديث.. وبنفس المستوي تعرفه معظم الشعوب العربية في مشرق الوطن العربي ومغربه .. كما زار سيد خليفة معظم دول العالم الخارجي فتغني في العديد من المسارح الأوربية في بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية .. أما أثيوبيا والصومال فقد كانت (دوائر مقفولة ) له كما يقول أهل السياسة القدامي .. أو دوائر( بالإجماع السكوتي) كما تقول أدبيات الإنقاذ الأولي.

      وهنالك قصيده عاطفيه قديمه سبق أن تغني بها الراحل سيد خليفه حيث كانت مفرداتها تحمل مضامين جميله وفيها زخم هائل من الحنين وقدر كبير من الشوق الدفاق .. ويظهر إحساس ومعاناة الشاعر حسن عوض أبو العلا بوضوح في هذا البيت:

    يوم قسّموك ياهم….وكتبوا عليك إسمي

   يوم فرّقوك بالدم … ياهَم رووك دمِّي

   أنا لو رضيت بالهم… ما بيرضي بي همي

ألـّمني حنان .. حنان .. حنان

       رحم الله الفنان سيد خليفة ورحم الله شعرائه الراحلين الذين كانوا مميزين في زمانهم .. حسن عوض وإدريس جماع وعبدالمنعم عبدالحي صاحب البدايات الأولي لسيد خليفة بالقاهرة مثل المامبو السوداني وإزيكم ونانا .. وغيرها .... ورحم الله الدكتور حسبو سليمان الذي كتب عدة أشعار لسيد خليفه وكان طبيباً مشاركاً في العديد من السهرات التلفزيونية الفنية .. وسنظل أيضا نحمل كامل التقدير لكل الذين كتبوا لسيد خليفة من الشعر أجمله .. فقد كان أبو السيد صرحاً شامخاً من صروح إبداعاتنا السودانية الخالدة...  نعم لقد كان شعبك يحبك كثيراً يا سيد خليفه.